Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

خبيرة اقتصادية سويسرية: "انقضى عصر السر المصرفي"!


موظف بنكي يُودع أموالا في إحدى خزائن مصرف كريدي سويس في عام 1960 (RDB)

موظف بنكي يُودع أموالا في إحدى خزائن مصرف كريدي سويس في عام 1960

(RDB)

تتعرض سويسرا لحملة ضغوط مستمرة ومتصاعدة بسبب حسابات بنكية سرية لمتحايلين أجانب على نظم الضرائب في بلدانهم. وتحاول عدة دول من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وفرنسا وألمانيا بذل كل ما في وسعها من أجل القضاء نهائيا على السرية المصرفية السويسرية. وبالفعل بدأت هذه الأسطورة تشهد انهيارا تدريجيا.

وتقول ماشا مادورين، الخبيرة الاقتصادية (أصيلة مدينة بازل) في حديث لـ swissinfo.ch: "لقد بدا لي منذ عشر سنوات بأن السرية المصرفية السويسرية لن تستطيع الإستمرار في الصمود". فقد سبق أن تمت مناقشة كل هذه التصورات المتعلقة بالمساعدة القانونية أو المساعدة الإدارية ، أو مسالة المنافسة الضريبية عبر قانون الشركات القابضة في سويسرا، في نهاية التسعينات من القرن الماضي من قبل منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية. كما أن مشكلة التهرب الضريبي عبر المصارف السويسرية كان مطروحا للنقاش في ذلك الوقت في الولايات المتحدة، لكن انتخاب الجمهوري جورج بوش في منصب رئاسة الولايات المتحدة أدى إلى تعطيل البت والحسم في الموضوع مؤقتا.

صناديق الدولة فارغة...

وتقول السيدة مادورين: "لكن مع انتخاب الديمقراطي باراك أوباما، أصبح واضحا بالنسبة لي أن موضوع التهرب الضريبي سيصبح ساخنا". وبالفعل، تفاقمت الضغوط المسلطة على سويسرا بل شملت المفاوضات الجارية حاليا بخصوص القضايا الضريبية مع دول الإتحاد الأوروبي.

وترى الخبيرة الإقتصادية أن من الأسباب التي تدفع الى ممارسة مزيد من الضغوط على سويسرا، "تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي كلفت الدول أموالا باهظة".

وتضيف موضحة: " لقد أجبرت الدول على جبي المزيد من الضرائب لملء صناديقها من جديد. ومن هذا المنطلق أصبحت عملية التهرب الضريبي من القضايا الهامة. فسويسرا كانت ستعرف هذه المواجهة حتى ولو لم تحدث الأزمة، ولكن ليس بهذه الحدة".

... ودول مجاورة غاضبة

وتقر السيدة مادورين بانه "إذا ما استعرضنا تاريخ المفاوضات الثنائية المتعلقة بقضايا المساعدة القانونية والإتفاقات الضريبية، سنجد أن سويسرا منحت الولايات المتحدة حقوقا أكثر مما منحته للدول المجاورة لها".

"فجنيف كانت دوما بالنسبة لفرنسا، وكانتون التيتشينو بالنسبة لإيطاليا، وزيورخ بالنسبة لألمانيا، بمثابة الساحات التي طورت فيها سويسرا خدمات مالية لتهريب رؤوس الأموال وللتهرب الضريبي. لذلك تُبدي هذه الدول المجاورة غضبها وهذا ما دفع اليوم إيطاليا وفرنسا والمانيا الى الرد، معتمدة في ذلك على التجارب المتراكمة منذ عقود والمتمثلة في تشدد سويسري في المفاوضات أكثر بكثير مما تمارسه مع الولايات المتحدة الأمريكية".

ثقافة السرية

يعتمد نظام السرية المصرفية على ثقافة عريقة تمتد لقرون والمتميزة بالإلتزام بالسرية في الصفقات التجارية التي تقوم بها البنوك الخاصة. ولم يتم ترسيخ ذلك رسميا في سويسرا إلا بعد دخول القانون الفدرالي للمصارف حيز التطبيق في عام 1935.

فقد جلب العديد من الأغنياء الأجانب أموالهم أثناء الحرب العالمية الأولى إلى سويسرا نظرا لعدم توفر الإستقرار السياسي في البلدان الأخرى.

وأثناء الأزمة الاقتصادية العالمية بدأت كل من ألمانيا وفرنسا في بذل مجهود كبير لمنع تهريب رؤوس الأموال، لكن البنوك السويسرية رفضت تسليمهم المعلومات المطلوبة. وهذا ما دفع في عام 1932 إلى إلقاء القبض في باريس على مدير بنك من بازل كان يحمل معه قائمة بأسماء الزبائن. وهو ما أثار فضيحة في فرنسا، كشفت وجود عدد من المُودعين الفرنسيين لمبالغ مالية ضخمة في البنوك السويسرية.

وتشير مادورين إلى أن "الهدف من قانون البنوك لعام 1935، يتمثل في لجم لسان موظفي البنوك عن الحديث بكثرة عن أسرار المهنة"، أما التعليل الثاني لاستصدار هذا القانون، فيتمثل في تمكين الأحزاب البورجوازية من أداة تسمح بمنع حزب إشتراكي يمكنه الوصول الى الحكومة من الإطلاع على الكثير من التفاصيل الخاصة بالنشاطات المصرفية.

وتذكّر السيد مادورين بأنه في عهد جمهورية فايمار (في ألمانيا) تم نقل الكثير من رؤوس الأموال الى سويسرا وهذا لإحباط مشروع دولة فايمار آنذاك. "وكانت سويسرا دوما، وهذا حتى أثناء ثورة اكتوبر (في روسيا) مركزا للصفقات المالية السرية مع البنوك - إلى حد أن السرية المصرفية تحولت إلى عنصر تقليدي في تلك النشاطات".

دفن الرؤوس في الرمال

لكن هذه السرية المصرفية كانت دوما عرضة للهجمات. فقد أطلق تحالف لتيارات يسارية بعد فضيحة مصرف كريدي سويس في عام 1977 في كياسو (جنوب سويسرا)، مبادرة تهدف لرفع السرية البنكية. ولكن هذه المبادرة رفضت في تصويت عام 1984 بأغلبية 73%.

كما أدى توافد أموال الحكام الدكتاتوريين على سويسرا من أمثال دوفاليي (هايتي)، وماركوس (الفلبين)، وأباشا (نيجيريا)، فيما بعد بالحكومة الفدرالية إلى التحرك تحت الضغط الدولي من أجل اتخاذ إجراءات طارئة لاحتجاز تلك الأموال في انتظار إصدار قوانين جديدة.

وذكّـرت السيدة مادورين بالمناسبة أن "كبريات البنوك السويسرية تعرضت من جديد للهجمات المكثفة بسبب الأموال المُودعة لديها أثناء محرقة اليهود. ونظرا لكونها كانت بنوك أقطاب نظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا في نفس الوقت، تم انتقادها في الولايات المتحدة الأمريكية على عدم تقديم تعويضات لضحايا (نظام) التمييز العنصري".

وقد أبدى ستيوارت إيزنشتات، الذي عينته إدارة بيل كلينتن لقيادة المفاوضات مع البنوك السويسرية الكبرى في قضية الودائع المنسية لضحايا الهولوكوست، استغرابا كبيرا لإعلان سويسرا آنذاك بأنها غير مؤهلة للنظر في ذلك، وترى السيدة مادورين بأن "سويسرا تصرفت بنفس الطريقة في الصفقات الحيوية المهمة بالنسبة لنظام التمييز العنصري".

وتقول مادورين: "إن الحكومة السويسرية مارست طوال 50 عاما سياسة دفن الرأس في الرمال، وتصرفت تصرفات نيوليبرالية في مجال السياسة الإقتصادية الخارجية. وما يتم اكتشافه اليوم تدريجيا، هو أن القوانين السويسرية لم تعد متطابقة مع العالم ولم تعد قادرة على تقنين ما يجب تقنينه".

ضغوط كبرى

لقد أصبحت كل دولة اليوم مستعدة اليوم لإستخدام كافة الوسائل المتاحة من أجل ممارسة الضغوط على سويسرا. ففي قضية سرقة معلومات بنكية، مثلما هو الحال اليوم مع ألمانيا، "هناك بالطبع مشكلة مخالفة ذلك للقانون"، كما تقول مادورين. بل إن مارك بيت، الخبير القانوني الشهير تحدث في تصريح لسويس إنفو عن القضية المثارة مع ألمانيا باعتبارها "اعتداء دولة على دولة أخرى" ولم يتردد في وصفها "اعتداء على السيادة السويسرية".

في المقابل، ذكّـرت السيدة ماشا مادورين بأن المانيا أثارت من ناحيتها منذ مدة موضوع مخالفة القانون في خلاف سويسرا معها، وخاصة "فيما يتعلق بالطريقة التي تحمي بها سويسرا الأشخاص المتهربين من الضرائب في ألمانيا، وهذا يعتبر تحايلا غير أن السويسريين لا يرغبون في النظر إليه كذلك".

وإذا ما أقدمت سويسرا - تحت زيادة الضغوط - على التهديد بالتراجع عن إبرام اتفاقية لمنع الإزدواج الضريبي (مع ألمانيا)، ولو كان ذلك فقط من باب ممارسة الضغوط المعاكسة، فإن السيدة مادورين تعتبر ذلك "خطيرا من الناحية السياسية" لأنه "قد يسهم في عزل سويسرا أكثر في مواجهة الاتحاد الأوروبي".

جهل بالواقع

وتنتهي السيدة ماشا مادورين الى خلاصة مفادها أن "كل الذين يرغبون في مواصلة محاولة إنقاذ السرية البنكية بأي شكل من الأشكال، ويعتقدون بأن لسويسرا مكانة تفاوضية قوية على الساحة الدولية، يمكن القول أنهم يعانون من عدم القدرة على إدراك الواقع، لأننا في حاجة الى قوانين جديدة لمساعدة قانونية في قضايا التهرب الضريبي لعملاء البنوك الأجانب".

ولن يفيد في شيء القول اليوم بان مصرف يو بي إيس "هو الذي جلب لنا كل هذا"، لذلك تقول السيدة مادورين: "بالطبع لقد تصرف البنك بطريقة إجرامية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن على الحكومة السويسرية أن تصدر قوانين جديدة ، لأن ذلك هو السبيل الوحيد القادر على التخفيف من الضغوط الممارسة على بلدنا".

جون ميشال بيرتو – swissinfo.ch

(ترجمه من الألمانية وعالجه: محمد شريف)

فرق طفيف .. وانعكاسات ثقيلة

على النقيض مما هو الحال في ألمانيا وفي بلدان أخرى، تفرق سويسرا بين التحيل الضريبي والتهرب الضريبي.

ففي حال تقديم سلطات دولة ما أدلة موثقة وقوية عن ارتكاب أحد مواطنيها لجريمة التحيل الضريبي، كغسيل الأموال مثلا، تقبل سويسرا تقديم المساعدة القانونية للبلد الذي يطلب ذلك.

في المقابل، عندما يتعلق الأمر بطلب المساعدة القانونية في حالة شخص يتهرب من دفع الضرائب في بلده عن أموال مكتسبة بطريقة مشروعة، ترفض سويسرا تقديم أي تعاون إداري أو قضائي في هذه الحالة.

ويمكن القول أن هذا التفريق القانوني بين التحيل والتهرب الضريبي هو سبب العواصف القائمة منذ سنوات بين سويسرا وكل من الولايات المتحدة والبلدان الأعضاء في الإتحاد الأوروبي.

من هي الخبيرة ماشا مادورين؟

اكتسبت الخبيرة الاقتصادية المولودة في عام 1946، أولى تجاربها المهنية من خلال عملها في مصرف كبير، وفي وزارة المالية في إحدى الكانتونات السويسرية، وفي مؤسسة بحث خاصة.

بعد ذلك، تولت التدريس والبحث العلمي في إحدى جامعات الموزمبيق.

منذ الثمانينات اشتغلت لحساب منظمات غير حكومية، خصوصا في مجال علاقات سويسرا مع جنوب افريقيا وكذلك فيما يتعلق بالساحة المالية السويسرية وعلاقتها بدول العالم الثالث.

خلال السنوات الأخيرة ساهمت في عدة مشاريع تتعلق بدراسة الميزانية وعلاقة ذلك بالخصوصية الجنسية.



وصلات

×