Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

70 "جهاديا" غادروا منذ 2001


حذر سويسري رغم محدودية أعداد الملتحقين بمناطق النزاعات المسلّحة


بقلم أريان جيغون - زيورخ


سلطت دراسة صدرت حديثا الضوء على السياق والدوافع التي جعلت قرابة سبعين (70) شابّا يغادرون سويسرا للإلتحاق بصفوف تنظيم "الدولة الإسلامية". ويُوصي المشرفون على إعداد هذه الدّراسة بإيجاد مراكز تُعنى بتقديم المشورة لأقرباء هؤلاء الشباب.

ومع أن سويسرا لم تسجّل حتى الآن سوى عدد محدود من الشبّان المسلمين الذين التحقوا بـ "داعش" مقارنة ببقية الدول، إلا أن الكنفدرالية اتخذت سلسلة من التدابير لمكافحة هذه الظاهرة. في الأثناء، توضّح الدراسة المنشورة حديثا السياق العائلي والإجتماعي عموما لهؤلاء الشباب، وينصح القائمون عليها بإنشاء شبكة لمساعدة الأسر المعنية وتقديم المشورة إليها.

تركّزت أغلب البحوث التي أنجزت إلى حد الآن حول هذه الظاهرة على الأبعاد الأمنية، لكن قسم العمل الإجتماعي بالمدرسة العليا للعلوم التطبيقية بزيورخ أراد أن يذهب إلى أبعد من ذلك في التعرّف على الحالات التي هي تحت مراقبة جهاز المخابرات الفدرالي.

نشرت هذه الدراسة التي أنجزها فريق يتكون من أحد عشر باحثا من زيورخ وجنيف ولوزان وبازل في منتصف شهر سبتمبر 2015. واحتراما لقواعد حماية البيانات الشخصية، لم تسلّم إلى الباحثين البيانات الكاملة المتعلّقة بالأشخاص "الملتحقين بمناطق النزاعات المسلحة بدوافع جهادية"، طبقا للتعريف الرسمي الذي تعتمده الشرطة الفدرالية في سويسرا. 

في المقابل، تمكّن الباحثون من تحليل المعطيات المتعلّقة بعمر هؤلاء الأشخاص، وأصولهم، وديانتهم، وبيانات أخرى عامة لست وستين حالة تم تسجيلها منذ 2001 وحتى نهاية يوليو 2015. بالإضافة إلى ذلك، رصد جهاز المخابرات الفدرالي ثلاث حالات إضافية منذ شهر يونيو 2015، لكن هذه الحالات لم تُدرج في الدراسة.

أوّل ما تكشف عليه هذه الدراسة، وعلى خلاف ما هو شائع على نطاق واسع، فإن عدد القصّر والشبّان ضمن هذه المجموعة محدود جدا. وتوضّح مريم إيسّر، المشرفة على هذا الفريق البحثي ذلك قائلة: "غالبية هؤلاء الأشخاص تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عاما، والبعض منهم يناهز عمره خمسين عاما، ولا نجد سوى ستة شبان تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاما، اثنان منهم من القصّر". كما نجد ضمن هؤلاء 20 شخصا من سويسرا الروماندية، وثلاثة من النساء.

 (swissinfo.ch)
(swissinfo.ch)

وقد قبل جهاز المخابرات الفدرالي توزيع رسائل على الشبّان وعلى أسر القصّر منهم. وحتى هذه الساعة، لم يصدر عنهم أي ردّ فعل. وتضيف الباحثة: "على خلاف ما هو موجود في فرنسا وألمانيا، لا يوجد فريق دعم في سويسرا لأسر هؤلاء، ونعلم أنهم يشعرون بأنهم متروكون لأنفسهم. ولابد من إنشاء مركز لتقديم النصح والمشورة إليهم".

ضغوط مستمرّة

لم ينجح الباحثون في رسم صورة نمطية محددة للمؤهلين إلى أن يتحوّلوا إلى جهاديين في المستقبل. وهذا لم يكن هدفهم من الأصل حتى لا يساهموا  في "وصم وإدانة" فئة من السكان، التي تواجه بالفعل وباستمرار نظرة نقدية من طرف المجتمع.

وتفصّل مريم إيسر هذا السياق المعقّد الذي ينمو فيه هؤلاء قائلة: "يكبر الشبان المسلمون اليوم في سياق دولي طبعته هجمات 11 سبتمبر 2001، والتصويت ضد إنشاء المآذن في عام 2009، والجدل حول حظر البرقع. أنا لا أريد أن أبرّر أي سلوك أو موقف، ولكنهم مُجبرون على إعلان براءتهم باستمرار. ونطالبهم أن ينؤوا بأنفسهم وأن يتخذوا مسافة بمجرّد أن يرتكب أحد ما هجوما إرهابيا في أي مكان من العالم".

وتذكّر إيسّر بأن هؤلاء الشباب الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على وظيفة في سوق العمل، وأنهم يصطدمون بشروط صعبة جدا للحصول على الجنسية السويسرية، بل إن بعضهم لم يغادر فترة المراهقة "التي يميل فيها الشباب إلى رؤية الواقع من حوله إما أبيض أو أسود، لا أكثر"، على حد قولها.

دور الأب

تشير هذه الباحثة أيضا إلى وجود خاصية مشتركة بين هذه الحالات تصلح أن تكون موضوع بحث إضافي. ذلك أن العديد من هؤلاء الأشخاص المهيأون لخوض تجربة الجهاد هم في الواقع إما كبروا في غياب أب، أو أن الأب كان مستبدّا بالرأي وسلطويا. كما أن الكثير منهم يُعاني من هشاشة في الشخصية وحتى من اضطرابات نفسية. كذلك، نجد أن الغالبية الكبرى من هؤلاء الذين يطمحون للجهاد هم مسلمون منذ الولادة (52 من مجموع 66) ويتحدر معظمهم من البلدان الواقعة في منطقة البلقان أو من الصومال. أما البقية، أي الإثنا عشر شخصا، فيحمل نصفهم الجنسية السويسرية، كما أنهم اعتنقوا الإسلام حديثا.

في السياق، تشير نتائج البحث إلى أن عشرين حالة من هذه الحالات تأثّر أصحابها بالأفكار الجهادية بواسطة الدعاية عن طريق شبكة الإنترنت، بينما قال 13 شخصا إنهم عايشوا وقائع الحرب مباشرة، خاصة في منطقة البلقان، في حين يعود سبب تبني ثلاثة عشر آخرين هذه الميول لوقوعهم تحت تأثير مجموعات سلفية "تعد أنصارها بعالم يتحقق فيه العدل ويُعاد لهم فيه الإعتبار".

ووفقا لمريم إيسّر، فإن الإسلام الراديكالي بالنسبة لهؤلاء هو عبارة عن "مشروع بديل يسمح للرجل بالقيام بدور المقاتل. وللفتيات بأدوار إنسانية"، لكن نتائج البحث أشارت أيضا إلى عوامل أخرى منها "الإحباط بسبب التقاعس الدولي إزاء معاناة الشعب السوري" و"الشعور بالواجب تجاه العقيدة، والصداقة الحميمية مع "الأخوات"، أو حتى "رومانسية حياة "المغامرة بالإنضمام إلى صفوف الدولة الإسلامية".

 زيادة مُطردة

 ينشر جهاز المخابرات الفدرالي على رأس كل شهر عدد "المسافرين بدافع الجهاد" الذين غادروا سويسرا والذين كانوا أو لا يزالون متواجدين في مناطق النزاعات. وحتى الآن أحصى هذا الجهاز 71 حالة (إجمالا)، تأكدت منها 40 حالة. وتم التثبّت حتى الآن من عودة سبعة اشخاص، في حين لم يتأكد ذلك بالنسبة لست حالات أخرى. في مايو 2013، أشار جهاز المخابرات الفدرالي إلى أنه احصى منذ عام 2011 حوالي عشرين شخصا "سافروا بدوافع الجهاد". بعد ذلك بعام، أي في مايو 2014، ارتفع هذا العدد إلى 40 حالة.

هذه الزيادة تعود في الأساس إلى تعزيز التعاون مع أجهزة الشرطة في الكانتونات، وإذن بسبب الرصد القريب والمباشر للظاهرة، وفقا لما أكّده جهاز الإستخبارات نفسه. وضمن رصده للنزعة الجهادية، توصّل هذا الجهاز الفدرالي إلى تحديد هوية أزيد من 200 شخص حتى الآن يقومون بنشر محتويات تشجّع على نشر أفكار الجهاديين أو هم على تواصل مع أشخاص يتبنّون تلك الأفكار.

من جهته، أعرب مكتب الامم المتحدة لمكافحة المخدّرات والجريمة عن قلقه إزاء ظاهرة الأنشطة الإرهابية لأفراد مشاركين في النزاعات المسلحة كمقاتلين أجانب. وفي مايو 2015، أكّد هذا المكتب أن هذه الظاهرة قد بلغت مستوى غير مسبوق. فقد ارتفع عدد هؤلاء الأشخاص من 15.000 إلى 25.000 خلال بضعة أشهر (من سبتمبر 2014 إلى مايو 2015). وبمقارنة الأعداد بنسب السكان في البلدان المصدّرة لهؤلاء المقاتلين، نجد على التوالي: تونس والمغرب والأردن ولبنان، وكوسوفو والبوسنة والهرسك وألبانيا.   

وفقا لـ "المركز الدولي لدراسة التطرّف والعنف السياسي"، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من لندن مقرا لها، توجد سويسرا ضمن البلدان الأوروبية الأقلّ وفايات لكل مليون نسمة. وكذلك إسبانيا وإيطاليا التي تعدّ أقل، في حين تتصدّر بلجيكا القائمة.  

 سمات طائفية

علاوة على كل ما سبق، يختص تنظيم "الدولة الإسلامية" بمميّزات الطائفة أو الفرقة المغلقة، مثل تقسيم الناس إلى طيبين وأشرار، واستخدام الأحكام المطلقة، والتبشير بالخلاص، وقمع كل منتقد من داخلها أو من خارجها. هذا ما كشف عنه شاب من سويسرا الروماندية (أي المناطق المتحدثة بالفرنسية) في سياق الدفاع عن نفسه عقب عودته إلى سويسرا بعد ثلاثة أشهر قضاها مجندا في صفوف المنظمة الإرهابية، معتبرا نفسه ضحية لطائفة مغلقة (secte). ولقد أدين عقب محاكمته بالعمل 600 ساعة لصالح المجتمع، واخضاعه لعلاج نفسي.

كذلك قام الباحثون بتحليل الدعاية المنشورة على مواقع إلكترونية، وقاموا بفتح حسابات وهمية على الفايسبوك لاختبار ردود الفعل. وقد لقيت الصفحات التي كانت تحت مسميات نسائية اهتماما أكبر. وتقول الباحثة: "لاحظنا كذلك سعيا دؤوبا لاستقطاب أصحاب الكفاءات، من أطباء وغيرهم، والذين يُراد اقناعهم بأنهم سوف يجدون مجتمعا يعمل بشكل جيّد، ويعتني بالمرافق العامة".

بدوره، يقول بوريم لوزها، وهو طالب هندسة شارك في دراسة قسم العمل الإجتماعي بالمدرسة العليا للعلوم التطبيقية بزيورخ: "توجد فيديوهات باللغة الإنجليزية تدعو أصحاب الكفاءات المتخصصين للإلتحاق بتنظيم "الدولة الإسلامية"، وبالنسبة لمريم إيسّر فإن هذه الدعاية "توجد على أكثر من دعامة".

أقلّية ضئيلة

رغم كل شيء، يحرص بوريم لوزها على التأكيد بأنه تم "تجنيد 69 شخص منذ  عام 2001، وهو ما لا يمثّل سوى 0.000138% من مجموع المسلمين الذين يعيشون في سويسرا. أما وسائل الإعلام فهي لا تعير أي اهتمام لهذه الحقيقة خلال تغطيتها لهذه الظاهرة". من جهتها، ترى بوريم لوزها أن "الإئمّة ومنظمات شباب المسلمين هما الأقدر على الإسهام في إقناع الشباب بعدم اتباع الإيديولوجيات المخادعة".

مع ذلك، وبالمقارنة مع فرنسا أو ألمانيا، لا يجد الأولياء أو أقارب هؤلاء الجهاديين أيّ جهة يُمكن أن تدعمهم أو تأخذ بأيديهم. وتلاحظ مريم إيسّر أن: "سويسرا تفتقر إلى وسائل وأدوات في هذا الإطار، سواء في مجال التكوين المستمر بالنسبة للمدرّسين أو لبقية الموظفين الذين قد يكون بمقدورهم التفطّن مبكّرا إلى بعض الشبان الذين يكونون عرضة للخطر، وإلى مراكز لتقديم المشورة أو الدعم".

في هذا الإطار، عبّرت الباحثة عن الأسف لأن أحد المكتبيْن الوحيديْن المفتوحيْن في كانتونيْ بازل – المدينة، وبازل – الريف، سيضطرّ قريبا إلى إغلاق أبوابه لأسباب اقتصادية. كما أوصت بتمتين التواصل بين العاملين في هذا المجال، وإلى بعث برامج خاصة باجتثاث "التطرّف" بالإشتراك بين الكانتونات، وإطلاق خطوط للتواصل الهاتفي لتقديم المشورة.

وتقول مريم إيسّر: "نحن نتحدّث عن "خطّ دعم" وليس عن "خط ساخن"، لأن هذا الأخير قد يُطلق إنذارات كاذبة. فالحكومة الفدرالية والبرلمان رفضا في شهر يونيو الماضي فكرة "الخط الساخن"، وقالا إنّه من الأفضل تحسين مردودية الخدمات القائمة بالفعل".

في الأثناء، سوف تتم مناقشة نتائج هذه الدراسة التي أنجزها باحثون من قسم العمل الإجتماعي بالمدرسة العليا للعلوم التطبيقية بزيورخ، بتمويل من الكنفدرالية، وستُدمج ضمن نشاط مجموعة العمل المعروفة اختصار باسم "TETRA" (الإرهابيون المسافرون)، التي أنشأت في عام 2014، وتقدّمت حتى الآن بجملة من التوصيات. ومن المنتظر أن يُنشر "خلال فصل الخريف" تقييم دقيق لنتائج تنفيذ هذه التدابير، وفقا لما صرّح به متحدث رسمي باسم الشرطة الفدرالية.

خطة رسمية لمكافحة الإرهاب

بالتزامن مع نشر دراسة "الجهاديون في سويسرا"، صادقت الحكومة الفدرالية يوم 18 سبتمبر 2015 على استراتيجية سويسرا في مجال محاربة الإرهاب. وقد جاء في البيان الحكومي الصادر بالمناسبة أن "الجزء الاكبر من التدابير المشار إليها في هذه الخطة قد بدأ تنفيذها بالفعل منذ فترة، واما بقية التدابير، فهي بصدد التحقيق والإنجاز".

تهدف هذه الخطّة إلى الحيلولة دون وقوع أحداث إرهابية في سويسرا، أو استخدام الأراضي السويسرية بغرض تمويل الإرهاب أو تقديم دعم لوجيستي لهجمات أو التخطيط للقيام بها في سويسرا أو في بلد أجنبي.

تتركّز مكافحة سويسرا للإرهاب على أربع مجالات تشمل "الوقاية، والمنع أو الحظر، والحماية، والإستعداد لمواجهة الأزمات المحتملة". وتذكّر هذه الخطة بأن مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله تقوم به سويسرا "باعتماد كل الوسائل المتاحة لدولة تحترم القانون، وتلتزم بمعايير حقوق الإنسان، وتضمن الحريات الأساسية". وهذا للتأكيد على أن "سويسرا تحاول التزام التوازن في سياساتها بين الحرية والأمن، وفي حالة الشك، فإن الأولوية تكون لضمان حريات الأفراد".

ومن بين الإجراءات التي تنص عليها هذه الخطة للوقاية من الأفكار الراديكالية، تدابير تتعلّق بتشجيع الإندماج، ومنع وصم أقلية معينة، والقيام بحملات توعية وتحسيس، خاصة في أماكن العبادة، ووضع شروط يجب الإلتزام بها لمن يتصدّر للإرشاد الديني في المساجد، وأيضا التعاون مع موفري خدمات الإنترنت، من أجل منع نشر وتوزيع مُحتويات يعاقب عليها القانون.


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch

×