Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

دورة قياسية لمهرجان استثنائي


السينما الواقعية تشخّص أوجاع المجتمعات العربية




بمنحه جائزة سيستيرس الذهبية في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة للفيلم العراقي "وطن... العراق سنة صفر" للمخرج عبّاس فاضل، أسدل مهرجان السينما الواقعية بنيون يوم السبت 25 أبريل 2015 الستار على فعاليات دورته السادسة والأربعين التي كانت استثنائية على كل المستويات، وسجّلت خلالها السينما العربية حضورا لافتا وقويا.

وبفضل الحضور القياسي الذي تجاوز هذا العام 35.000 مشاهد، والأعمال التي عرضت لأوّل مرّة على الساحة الدولية وفاقت 113 فيلما، يؤكّد هذا المهرجان "ريادته على الساحتيْن السويسرية والدولية"، وفقا لرئيسه كلود روياي.

لقد لاقت الجودة الفنية التي ميّزت الأفلام المائة والستيَن المشاركة في دورة هذا العام الإشادة والتنويه من طرف النقاد وأعضاء لجان التحكيم على السواء. وأشار المدير الفنّي للمهرجان لوشانو باريزوناي إلى أنه "من بين 54 بلدا المشاركة في هذه الدورة، يوجد تمثيل للقارات الخمس في الأعمال الفائزة بجوائز مما يدلّ على حيوية الإنتاج السينمائي الوثائقي في جميع أنحاء العالم".

الحياة زمن الحروب

جائزة سيستيرس الذهبية للمسابقة الدولية للأفلام الطويلة والتي تموّلها مؤسسة البريد السويسري والبالغ قيمتها 20.000 فرنك كانت هذا العام من نصيب المخرج العراقي عبّاس فاضل لفيلمه "وطن... العراق سنة صفر"، وهو عمل قلّ نظيره يمتدّ عرضه على مدى ستّ ساعات كاملة، ويرصد حياة عائلة عراقية قبل الغزو الامريكي للعراق سنة 2003 وبعده.

ويستغرب المدير الفنّي لمهرجان نيون، كيف أفلت هذا العمل السينمائي المتقن الحبكة والإخراج من رصد رادارات المهرجانات الدولية الأخرى، ويقول: "من بين 3700 عمل قمنا باستعراضه خلال السنة الجارية، كان هذا الفيلم، أوّل الأعمال التي شدّت انتباهي. وكان الفيلم الأوّل الذي وقع الإختيار عليه في عرضه الدولي الاوّل بمهرجان "الرؤى الواقعية". 

ويضيف لوشانو باريزوناي متحدثا عن عمل المخرج فاضل عبّاس فيقول: "إنه فيلم مواساة، يحاول مداواة الجروح الغائرة، ويصلح أن يكون مرجعا لفهم ماضي منطقة الشرق الأوسط وحاضرها. وإضافة إلى أنه فيلم جيّد، هو فيلم ضروري. كان لابدّ أن ينجز، ولابد أن يُشاهد".

انتاج آخر، وهذه المرة سوري- لبناني، نجح فيلم "غيبوبة" للمخرجة السورية سارة فتّاحي في اقتناص جائزة سيستيرس الفضية فئة "النظرة الجديدة"، التي يمنحها كانتون فو، والبالغ قيمتها 10.000 فرنك للقدرة التي تميّز بها هذا العمل في إلتقاط لحظات انسانية عميقة الدلالة والمغزى على إيقاع الصور الحديثة التي كانت تبثّها القنوات التلفزيونية لعمليات التدمير التي يشنّها هذا الطرف أو ذاك في سوريا بدعوى الدفاع عن حرية الوطن، وباسم الله مرة أو بإسم محور المقاومة والصمود مرة أخرى.

الفيلم يصوّر حياة ثلاث نساء في إحدى الشقق التي لم يلحقها الدمار بعدُ في دمشق، عاصمة الشام المحاصرة والمجزّأة على نفسها. ثلاث نساء يمثلن ثلاثة أجيال مختلفة محاصرات داخل منزلهن، في بلد هو الآخر لا ينقطع فيه أزيز الرصاص، ودوّي الإنفجارات. 

يتحدى هذا العمل بجمالية وبراعة كل قوانين السينما الوثائقية الكلاسيكية ليتناول باختلاس وبشكل روائي وغير مباشر، الواقع السوري الذي أصبح اليوم مسرحا لأكبر كارثة شهدتها الإنسانية في السنوات الأخيرة قد تُسفر عن إبادة شعب ومحق بلد.

زمن الوجع العربي

أعمال سينمائية واقعية أخرى كثيرة من المنطقة العربية كانت حاضرة في نيون هذا العام، وهو ما يعكس فعلا الطابع الدولي لهذا المهرجان السويسري، الذي ما فتئ يتعزّز سنة بعد أخرى. حيث توفّر فعالياته للجمهور رحلة متعددة الألوان والأبعاد ومختلفة القضايا والإشكاليات عبر ربوع العالم الفسيح.

في الأثناء، تعكس الإختيارات المعروضة كما يقول باعتزاز رئيس المهرجان "إرادتنا في تقديم أعمال عالية الجودة، مثيرة لحب الإطلاع ومتنوعة، فضلا عن توفير مساحات للحوار الحرّ وللتواصل بين الجمهور والسينمائيين من مختلف مناطق العالم"، ومن بينها طبعا المنطقة العربية.

وما دمت قد أشرت إلى ما يجري في سوريا، يعود فيلم حازم الحموي "من غرفتي السورية" في عمل توثيقي شيّق لا حياد فيه، إلى السياق العام الذي تفجّرت فيه ثورة مارس 2011، حيث كان هذا البلد "محكوما بقبضة حديدية، صار معها السوري لكي يتنفّس لابد أن يطلب موافقة أمنية". و"صارت فيها المدرسة وكل المؤسسات المجتمعية في هذا البلد عبارة عن آلة تسجيل يردّد فيها الجميع نفس العبارات والشعارات". 

ويخلص هذا الشريط الوثائقي الذي أنتج بدعم من قناة ARTE الفرنسية - الألمانية، ومن خلال الشهادات الحية والتاريخية العديدة التي يقدّمها، إلى أن ما تشهده سوريا اليوم هو "نتيجة واقعية وحتمية لما يحدث في المنطقة منذ 1967، إذ لم يستفد أي بلد عربي فعلا من دروس تلك النكسة، وبالأساس إطلاق حرية الشعوب وانتهاء أنظمة الإستبداد والعبودية". لكن ما حصل وكما يظهر الشريط العكس تماما "ولدت من رحم تلك النكسة أنظمة قامت على القهر لكي تبقى، ولأنها مُفلسة، لم يكن لها من ردّ سوى المزيد من العنف تجاه شعوبها". ومن هنا تأتي تلك "الرغبة الجامحة للثأر من نظام عائلة الأسد ومناصريها. وحدّة الأعمال العدائية والشراسة التي تبديها كل الأطراف المتحاربة"، بحسب حازم الحموي، مخرج الشريط.

"طوال عقود ظل السوريون مجتمعين لكن غارقون في الوحدة، وغاضبين لكن هادئون، وممتلئين بالقصص لكن صامتون".

حازم الحموي، مخرج سوري

مداواة الإنسان لمعالجة الواقع

العديد من الاعمال السينمائية العربية الأخرى، توقّفت بشكل لافت عند تصوير شخصية الإنسان العربي، ضحية الحروب المتعاقبة والأنظمة الإستبدادية المتوارثة، ما جعل هذه الشخصية محكومة بمحددات سيكولوجيا الإنسان المقهور.

من أبرز تجليات هذه السيكولوجيا، مرض انفصام الشخصية، الذي كان موضوع فيلم "يوميات كلب طائر" للمخرج اللبناني باسم فيّاض، وفيه يتساءل بطل الشريط عن الكيفية التي يمكن للعربي أن يخرج بها من هواجس القلق والخوف والإكتئاب، وهي ظواهر مرضية تصيب ضحايا الحروب الذين تتميّز أزمانهم بـ "حركتها الدائرية العصيّة عن التطوّر".

وفي محطة اخرى من هذا العمل الذي يتواصل فيه المخرج مع عدد كبير من الاشخاص من أجيال مختلفة يتساءل المخرج: "أليس ما تشهده المنطقة العربية الآن من عنف ليس سوى استمرار طبيعي ومنطقي لوضع نفسي واجتماعي عايشته الاجيال المتعاقبة منذ عقود؟ وما الذي يراه هذا الإنسان العربي عندما ينظر في المرآة: جحيم ينتظر أم خلاص يتجلّى؟". مع ذلك، لا يتسم موقف المخرج بالعدمية تجاه الواقع الحالي. فهي برأيه مرحلة "تسمح للعربي بإعادة برمجة ذاكرته، وبإعادة رسم أهدافه"، إذ عندما يدّعي كل عربي أن هدفه النهائي هو تحرير فلسطين، ثم لا يتحقق له ذلك، ينتهي الأمر به من جهة إلى تغييب كل الأهداف المرحلية الأخرى، ولا ينجح في الخروج من السلبية والنفسية الإنهزامية من جهة أخرى.     

بأسلوب آخر، وفي سجلّ مختلف، انصبّ اهتمام شريط "مومنتوم" (80 دقيقة) للبناني فادي يني تورك على معالجة ظاهرة النُّصب في بلدان عربية مختلفة، وكيف أصبحت عامل تأجيج للانقسام داخل البلد الواحد فتزيد في الإستقطابات الطائفية والإيديولوجية بين أبناء الوطن الواحد. ولعل المفارقة هو أن هذا العمل السينمائي يأتي في لحظة ظنت فيها الأجيال الجديدة أنها نجحت في "الإطاحة بكل النُصب والأصنام".

وبالإمكان أن نشير هنا كذلك إلى أعمال أخرى عديدة استضافتها نيون الأسبوع الماضي مثل فيلم "مسكون" للمخرجة السورية لواء يازجي، وفيلم "يا الله، المأوى السرّي"، لفريد إسلام، وغيره،...

"الوطن.. العراق سنة صفر"

 في عمله السينمائي "الوطن... العراق سنة صفر"، الذي حاز على اشعاع عالمي، يروي المخرج عبّاس فاضل عاميْن من حياة أسرة في العراق قبل وبعد الغزو الأمريكي عام 2003.

الفيلم الطويل جدا (ستّ ساعات بالتمام والكمال) يعرض مشاهد بسيطة ولكن متناهية الروعة والجمالية من الإيقاع اليومي لحياة هذه العائلة. أشقاء وشقيقات في علاقة حميمية يضحكون وهم يشاهدون شريطا هزليا لـ "مستر بين"، عبر شاشة التلفزيون. أعمام، وجيران، وأصدقاء، يشربون الشاي، ويقصّون القصص، ويتذكّرون حادثة مضحكة في المسجد، أو قصة الطبيبة التي تحلب عنزتها لإطعام طفلها.   

يستمر الهزل ويتواصل في حين تتدهور الأوضاع، وبين نهريْ دجلة والفرات، تمرّ أسراب الطيور لتعلن قدوم الأخطار. وتوضع الفرش لغلق النوافذ لرد الهجمات المحتملة. ويتمّ حفر آبار بالحدائق للوصول إلى المياه الجوفية استعدادا لإنقطاع مياه الشرب. ويقول أحد الأطفال مازحا: "أتمنّى ألا يلجأ الأمريكيون لإستعمال أسلحة الدمار الشامل"، وتبدأ المراوحة بين الفكاهة والخوف.

لم يشاهد الجمهور الغربي من الحرب الامريكية على العراق سوى بعض الصور لشماريخ متعددة الألوان، ثمّ بعض المركبات المصفّحة تجوب الصحراء، وظلال أشخاص من بعيد. فيلم "الوطن...العراق سنة صفر"، هو إذن ردّ قوي على الدعاية الامريكية: سماواتٌ حبلى مثل ألف ليلة وليلة، وحدائق مورقة، وأشخاص هم أشقاء المخرج وشركاؤه في الإنسانية يغادرهم فجأة عندما يتوقّف تصوير الفيلم. ومثلما قال أحد أعضاء لجنة التحكيم "هذا الفيلم لا يمكن إلا أن يفوز بجائزة".

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×