تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نحو مزيد من التشاركية "ثغرات قانونية" قد تُعطل تطوير الحكم المحلي في تونس

قطعت مفاهيم مُحدثة تتعلق بتكريس اللامركزية وتطوير مؤسسات الحكم المحلي شوطا مهما في تونس منذ "ثورة الكرامة" في 14 يناير 2011، التي أتت تعبيرا عن غضب فئات الشباب وسكان المناطق المُهّمشة من إقصاء مديد.

المقر الرئيسي لبلدية العاصمة التونسية.

المقر الرئيسي لبلدية العاصمة التونسية.

(Moumou)

وباتت مصطلحاتٌ مثل الديمقراطية التشاركية والحكم المحلي والموازنة التشاركية مألوفة لدى الجمعيات والأحزاب ووسائل الإعلام، فيما يستعدُ التونسيون - نظريا - لانتخاب أول مجالس جهوية ومحلية منذ الإستقلال خلال السنة الجارية، وإن كانت الأجواء السياسية والإستعدادات الفنية مازالت غير مُهيأة لذلك على ما يبدو. 

وينص الدستور الجديد الذي تم إقرارُهُ في 27 يناير 2014 على انتخاب مجالس جهوية ومحلية تتمتع بسلطات واسعة (البند 139)، كما ينص على "استخدام آليات الديمقراطية التشاركية في الحكم المحلي".

وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، قالت الدكتورة عائشة قرافي رئيسة الجمعية التونسية للحوكمة المحلية إن المجلس المحلي هو "ثورة داخل الفلسفة العامة المعاصرة، إذ وجدنا أنفسنا (بعد الثورة) نتجهُ إلى إعادة هيكلة الدولة بعدما كانت النصوص القانونية والهياكل في خدمة نظام واحد".

أما الدكتورة نايلة عكريمي المديرة العامة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "المركز الدولي للتنمية الدولية والحكم الرشيدرابط خارجي" (مقره في تونس) والذي يحظى بتمويل أوروبي، فأكدت أن مركزها يسعى إلى "تعزيز قدرات السلطات المحلية والجمعيات بواسطة تكوين السكان في المناطق الطرفية على تحمُل مسؤولياتهم في تطوير بلدياتهم ومجالسهم المحلية"، عن طريق استخدام الوسائل التي وضعتها الدولة في تصرفهم، من أجل أن يُصبحوا أكثر استقلالية. وفي هذا الصدد، استطاعت الدكتورة عكريمي أن تحصل في سنة 2016 على ضعف الموازنة التي حصلت عليها في 2011 من الجهات الأوروبية المُمولة لمشروع جمعيتها.

تكريس الديمقراطية المحلية

تُعتبر الوكالة الهولندية للتعاون (VNG) من المنظمات الأوروبية العريقة في مجالها، وهي تشرف انطلاقا من مكتبها في تونس على مشاريع عدة في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من بينها 18 مدينة في الجمهورية التونسية.

يُوصف المكتب الاقليمي للوكالةرابط خارجي بخلية نحل يعمل فيها ثلاثون موظفا ومتعاونا، من أجل تحقيق أهداف تندرج في إطار تكريس الديمقراطية المحلية من خلال مساعدة المواطن على أن يلعب دوره في الحياة العامة، وإعانة المدن على تكريس ذاتيتها واستعادة دورها في الحكم الرشيد. 

نهاية الإطار التوضيحي

رفض دفع الضرائب

تعود الذاكرة بالدكتورة قرافي إلى بدايات الثورة التونسية عندما لوحظ عزوف من المواطنين عن دفع الضرائب بتعلة افتقاد الثقة في الحكومة. كما لوحظت كثرة الإحتجاجات الإجتماعية ذات الطابع المطلبي، مما أدى إلى تفاقم عجز ميزانية الدولة. وتقول في هذا الصدد: "من أجل استعادة ثقة المواطن وسعيا لطمأنته على مساهمته في تمويل الموازنة شارك المجتمع المدني في إرساء مسار الشفافية الذي انخرطت فيه الحكومة باتخاذ عديد الإجراءات الجريئة في إطار مقاربة تشاركية".

وذكرت من بين تلك الإجراءات الضغط على مجلس نواب الشعب حتى تكون جلساته مفتوحة ومنقولة مباشرة على القنوات التلفزيونية، وإحداث لجنة مشتركة وطنية تتركب من خمسة ممثلين عن الحكومة ومثلهم عن المجتمع المدني، شرعت في العمل لترشيح تونس للإنضمام الى شراكة الحوكمة المفتوحة وضبط خطة عمل في هذا المعنى. وتم في هذا الإطار القيام باستشارات وطنية وجهوية موسعة بخصوص التعهدات المزمع إدراجها في خطة العمل، مع الحرص على ضمان مشاركة كل الأطراف المعنية فيها.

توظيف الخبرة المالية لخدمة المجتمع المدني

تحظى الدكتورة عائشة قرافي بوظيفة مرموقة في وزارة المالية التونسية حيث تدرجت في مناصب عدة في الوزارة وأوكلت لها مسؤوليات مهمة بدءاً من المراقبة والتدقيق والدراسات والإصلاحات وحتى إدارة مؤسسات كبيرة.

تشغل حالياً منصب المدير العام في المكتب المركزي للمعلوماتية والمنظمات، بالإضافة إلى مهمة التنسيق الإقليمي.

منحت الدكتورة قرافي خبرتها المهنية للمجتمع المدني من خلال تأسيس "الجمعية التونسية للحوكمة المحلية"، التي اختيرت رئيسة لها.

نهاية الإطار التوضيحي

وتضمنت خطة العمل الأولى عشرين تعهدا مبوبة حسب محاور أبرزها تعزيز النزاهة في القطاع العمومي ومكافحة الفساد وتطوير الخدمات العمومية ودعم المقاربة التشاركية وغرس مبادئ الحكومة المفتوحة في القطاع العمومي، ودفع الشفافية في المجال المالي والصفقات العمومية، بالإضافة إلى الإلتزام بإعداد مشروع "ميزانية المواطن" في نسخة كلاسيكية وكذلك في نسخة برمجية (أي حسب البرامج العمومية). كما التزمت الحكومة بعقد لقاءات دورية مع الإعلام والمجتمع المدني في شكل ندوات صحفية تتعلق بأهم المسائل المتصلة بالمالية العمومية ومساهمة المواطن.

الدكتورة نايلة عكريمي، المديرة العامة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "المركز الدولي للتنمية الدولية والحكم الرشيد".

(swissinfo.ch)

وجوابا على سؤال عن احتمال انزلاق السلطات الواسعة للحكم المحلي إلى قطيعة مع الحكم المركزي ومن ثم تهديد الوحدة الوطنية للبلاد، أوضحت عكريمي أن جمعيتها أبلغت الشركاء الذين اشتغلت معهم أنها ترفض رفضا قاطعا أية محاولة لتوظيف نشاطات المركز لأغراض حزبية. وأضافت "نحن نعمل على تحسين قدرات الفاعلين المحليين ودعم الحوكمة المحلية، ونحن نُدرك احتمال وجود مُنتسبين لأحزاب سياسية بين الأشخاص الذين يُشاركون في نشاطاتنا وفي برامج المساعدة والدعم والتكوين. لكن لدينا ميثاق ينصّ بوضوح على أن لا يندرج أي نشاط في إطار "النضال السياسي" وأنه لا يُسمح لأحد باستخدامه لهذا الغرض، "وهذا ما يمنحنا حرية كبيرة في اختيار شركائنا، وكذلك في تقويم نتائج أعمالهم على الأرض"، بحسب رأيها. وشددت على أن الدولة "ينبغي ان تستمر في القيام بمسؤولياتها على الصعيد الأمني والإقتصادي والإجتماعي، وهي الضامنة لمنح كل منطقة نصيبها من الخدمات العامة والبنية التحتية والمنتوجات الأساسية".

وسألتُ الدكتورة عكريمي عن أمثلة من المشاريع التي مولتها منظمتها في السنوات الست الأخيرة، فأفادت أنها مولت 14 مشروعا في مجال التنمية المحلية وبالشراكة مع القطاع الخاص، ما ساعد على إيجاد 200 فرصة عمل، إلى جانب 13 مشروعا لتطوير الحوكمة المحلية و90 مشروعا جمعياتيا بالشراكة مع 200 جمعية، بالإضافة إلى إشراك 2000 شخص في برامج تعزيز القدرات، 53 بالمائة منهم سيداتٌ وفتياتٌ.

وفيما حذرت من أن مثل هذه المشاريع يُمكن أن يُعطي نتائج سلبية في مجتمعات متعددة الإثنيات، لكنها استدركت أن "المشكل غير مطروح في تونس من حسن الحظ، على الرغم من محاولات دق إسفين في المجتمع عن طريق اللعب بورقة "التهميش المُتعمّد للمناطق الداخلية"، على حد قولها. وأضافت "بعدما ركزنا عملنا على المناطق الداخلية، اكتشفنا أن هناك في الجهات الأخرى مناطق أكثر حرمانا تستحق التركيز عليها".

إطلالة على الجوار الليبي

ربما بمحض الصدفة تدرجت الدكتورة عكريمي لتمُد نشاط منظمتها إلى ليبيا، بالتوازي مع إحداث مشاريع في مناطق تونسية قريبة من الحدود مع ليبيا سرعان ما استرعت اهتمام الليبيين ونالت إعجابهم، فاستطاعت المنظمة أن تُقيم دورات تدريبية خاصة بهم في سبعة مراكز تعاون حدودي لامركزية تناولت تحسين الحوكمة المحلية وإدارة شؤون المجالس البلدية بطريقة عصرية، وشارك فيها مسؤولون مركزيون إلى جانب أعضاء مجالس بلدية منتخبة ونشطاء من المجتمع المدني وكوادر محلية. أما الفكرة المحورية التي دارت حولها الدورات فتمثلت في إبراز إيجابيات الحوكمة المحلية التي تُحقق - إذا ما طُبقت بطريقة سليمة - التوزيع المتوازن للسلطات بين المركز والمحليات.

في هذا السياق، تعددت خطط تدريب الكوادر المحلية على اللامركزية والحوكمة والتنمية المحلية، ومنها مشروع وضعته منظمة "التقارير الدولية عن الديمقراطيةرابط خارجي" وشمل تدريب مسؤولين من محافظات سيدي بوزيد والقيروان وجندوبة ومدنين وقفصة. وتقول آمنة مولهي، المشرفة على تنفيذ المشروع: "إن الهدف هو تطبيق ما جاء في الدستور التونسي الجديد في شأن اللامركزية وذلك بتمكين المجتمع المدني من المشاركة في صنع القرار وإنجاح مسار الإنتقال الديمقراطي".

سراب الاستقلالية؟

على صعيد آخر، ألقت ندوة أقامتها مؤخرا مؤسسة كونراد أديناور رابط خارجيالألمانية بالإشتراك مع منتدى الأكاديمية السياسيةرابط خارجي بعض الضوء على واقع البلديات بعد ثورة 2011، إذ تدهورت أوضاع 264 مجلس بلدي نتيجة لحل المجالس وتسمية لجان مؤقتة في مكانها لمدة سنة قابلة للتجديد. غير أن اللجان تفككت وانسحب كثير من أعضائها بسبب شح الموارد وتراكم الديون وانتشار التسيّب وتدهور الوعي البيئي. واضطرت الدولة إلى ضخ أموال في ميزانيات البلديات بعدما توقف المواطنون عن دفع الرسوم البلدية بعد الثورة. مع ذلك ارتفع عدد البلديات اليوم إلى 350 بلدية، لكن التقسيم الترابي مازال مختلا، فالبلديات لا تغطي سوى 70 في المائة من التراب الوطني.

السيد سيف الله الأصرم، رئيس بلدية (أو عُمدة) العاصمة التونسية.

(null)

وشدد متحدثون في الندوة على أن الديمقراطية التشاركية لا يُمكن أن تكون مضمونة التحقيق إلا إذا شارك المواطن في إدارة المجال العمومي إما بممارسة السلطة بنفسه أو بممارسة رقابة صارمة على سير المؤسسات. وأوضح رئيس بلدية (عُمدة) العاصمة تونس سيف الله الأصرم أن جميع البلديات في تونس تعاني من صعوبات مالية كبيرة بسبب امتناع المواطنين عن دفع الرسوم والضرائب، ما جعلها غير مستقلة لأنها تنتظر التمويل الذي يأتيها من الحكومة. وأفاد أن "60 في المائة من موازنة بلدية تونس العاصمة تُنفق على رواتب الموظفين". مع ذلك أبدى الأصرم تفاؤله بأن إصلاح منظومة الجماعات المحلية سيمنح البلديات مزيدا من الإستقلالية على صعيد برمجة المشاريع وتنفيذها واستطرادا سيُحسن العلاقات بين البلدية والمواطن.

في المقابل، حذر مُعز بوراوي، رئيس منظمة "عتيد لمراقبة الإنتخاباترابط خارجي" المستقلة في مداخلته في الندوة مما سماه "مناورات الأحزاب السياسية في التعاطي مع الدور الجديد للجماعات المحلية بالإعتماد على الثغرات" التي أكد أنها موجودة في عدة بنود من مشروع قانون الجماعات المحلية. وقال لـ swissinfo.ch: "إذا ما بقيت هذه البنود في القانون فإن استقلالية المجالس ستكون شكلية ومنقوصة وستكون هناك قيود على العمل البلدي".

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×