Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

ذوبــان الأنهار الجليــدية


علمُ الجليد في خدمة ضحايا الإحترار العالمي


بقلم باتريسيا إيسلاس


تُوحي صورة هذه القمة المكسوة بالثلوج فوق بحيرة جليدية بصفاء مُضلل، لأن انهيار الكتل الجليدية يمكن أن يتسبب بالفعل في تكوين موجات ضخمة تهدد المناطق المأهولة بالسكان. في الأثناء، سمحت المساعدات السويسرية بوضع نظام للإنذار المُبكر. (Nadine Salzmann)

تُوحي صورة هذه القمة المكسوة بالثلوج فوق بحيرة جليدية بصفاء مُضلل، لأن انهيار الكتل الجليدية يمكن أن يتسبب بالفعل في تكوين موجات ضخمة تهدد المناطق المأهولة بالسكان. في الأثناء، سمحت المساعدات السويسرية بوضع نظام للإنذار المُبكر.

(Nadine Salzmann)

يمكن أن تترتّب عن ذوبان الأنهار الجليدية عواقب وخيمة بالنسبة للسّكان المُقيمين في أودية جبال الأنديز والهيمالايا. وبهدف تحليل التغييرات والوقاية من المخاطر، يُتابع خبراء محليّون في كلٌ من بيرو والهند دروسا في علم الجليد التطبيقي، بدعم من سويسرا.

"إن الهدف من عملنا لا يتمثّل فقط في قياس الأنهار الجليدية ومراقبة تطوُّرها، بل يتعلّق الأمر قبل كلّ شيء بتوفير المعارف الكفيلة بالحدّ من الأضرار التي لحقت بملايين الناس الذين يعتمدون في معيشتهم على هذه الإحتياطات المائية، وبتطوير استراتيجيات النّجاة أمام التّغيير المناخي الذي بات بالفعل جزءً من حياتهم اليومية". جاء هذا التوضيح على لسان نادين سالزمان (39 عاما)، الخبيرة في الغلاف الجليدي بجامعتي زيوريخ وفريبورغ، والتي تزور الهند وبيرو حوالي ثلاث مرات في السنة لتكوين خبراء محليين.

الباحثة سالزمان تشغل أيضا منصب مسؤولة مُشاركة في الإتحاد السويسري للمؤسسات العلمية الذي يُصدّر المعرفة السويسرية إلى هذين البلدين اللذين يعانيان - رغم توفرهما على مناطق جليدية استثنائية - من ثغرات كبيرة في دراستهما لتطور المخزون المائي في ظل ارتفاع درجة حرارة الأرض. وتشمل أوجه القصور أيضا تقييم التأثيرات الإجتماعية التي ستترتّــب عن هذه التغييرات المناخية على المدى المتوسط والبعيد، وفقا للأخصائية التي أضافت: "بطبيعة الحال، نحن نتعلّم أيضا من هذا التعاون".

ويأمل كلٌّ من بيرو والهند سدّ هذه الفجوات المعرفية، علما أن البلد الأول يتوفـّـر على نسبة 71% من الأنهار الجليدية الإستوائية – وهي مؤشرات ممتازة فيما يخص التغييرات المناخية، بينما تحدّ المناطق الشمالية من الهند سلسلةُ جبال الهيمالايا التي تعتبرُ أنهارُها الجليدية ذات أهمية حيوية بالنسبة لنصف مليار نسمة.

تعاون انطلق بفضل... خطأ

الإختفاء المزعوم للأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا بحلول عام 2035، كان تنبؤا خاطئا تضمّنه تقرير التقييم الرابع للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (GIEC) في عام 2007. وتُذكّر نادين سالزمان بأن هذا الخطأ "هو الذي دفع الهند إلى الإنشغال بهذا الملف وطلب التعاون السويسري".

من جانبه، أوضح الدكتور في علم الجيولوجيا، أنيل كولكارني، من معهد العلوم الهندي في بنغالور: "على إثر هذا التقرير، بدأت الهند في الإستثمار بكثافة في البحوث المتعلقة بعلم الجليد، ولكنها تفتقر للمُوظفين المُؤهلين. فالعديد من الباحثين الشّبان لا يتمتعون بالتكوين الكافي للقيام بمهام ميدانية، وينبغي سدّ هذه الثغرة". وقد أظهرت دراسات كولكارني أن مساحة الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا تقلّصت بنسبة 13% خلال العقود الأربعة الماضية.

التعاون السويسري في مجال تغير المناخ

وضعت الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية في عام 2009 البرنامج الشامل لتغير المناخ (PGCC) الذي يهدف إلى التخفيف من انعكاسات ارتفاع درجة حرارة الأرض، بالمساهمة أيضا في تقليص الفقـر.

وتتركز المشاريع في جبال الأنديز، والهند، والصين (حيث تم أيضا وضع نظام للإنذار المبكر). وتتعلق هذه المشاريع أساسا بقطاعات تتوفر فيها سويسرا على دراية هامة، مثل علم الجليد، وإدارة المياه، والوقاية من المخاطر، وتوفير الطاقة.

وكان برنامج بناء القدرات في مجال علم الجليد بجبال الهيمالايا قد انطلق عام 2013. ويتعلق الأمر بدورات تدريبية بلورتها الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون، وشاركت في تمويلها إلى جانب قسم العلوم والتكنولوجيا DTS (التابع لوزارة العلوم والتكنولوجيا الهندية). 

ويضيف عالم الأرض كولكارني قائلا: "بالنّظر إلى الدّور الرّيادي لعلم الجليد السويسري في مجال رصد الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا ونَمذجتها، نأمل أن يساعدنا هذا التعاون العلمي على إحراز تقدُّم في فهم تأثير التغيّر المناخي على الأمن المائي في شبه القارة". ويُذكر أن كولكارني يُنسِّق برنامج تدريب الخبراء لرصد الأنهار الجليدية، إلى جانب الدكتور في علم الجغرافيا ماركوس ستوفل، من جامعة جنيف.

سويسرا في الطليعة

وتعتقد نادين سالزمان أن الهند تتوفّر على إمكانيات هائلة، وتقول ضمن هذا السياق: "إنهم مُمتازون جدّا في الرياضيات والفيزياء، ولكنهم يريدون تطبيق هذه المعارف على الميدان، من خلال فكر متكامل؛ ونحن لدينا تجربة كبيرة في هذا المجال ويمكن أن نفيدهم بها". وتُلفت الخبيرة السويسرية إلى أن الفريق الذي تعمل ضمنه "لا يتكوّن فقط من علماء الجليد، فنحن مجموعة متعددة التخصصات يشارك فيها أيضا خبراء في علم الأنثروبولوجيا، وعلم الإجتماع، وعلم المياه، بالإضافة إلى مُختصين في مجالات أخرى".

وتشارك سويسرا أيضا في تطوير شبكة قياس دولية لمراقبة تغير المناخ، وهو مجال يُمثل فيه سلوك الأنهار الجليدية عنصرا هاما.

ويعود الفضل في الشهرة الدولية التي اكتسبها علم الجليد السويسري إلى بداياته المُبكرة. فهو قد طوّر أول نموذج حساب علمي في عام 1893، كما نسّق بين أولى شبكات القياسات المنهجية في العالم. وليس من قبيل الصدفة احتضان مدينة زيورخ لمقر الخدمات العالمية لرصد الأنهار الجليدية (WGMS)، الذي ينشط في أكثر من 30 بلدا. وقد أجريت في سويسرا أيضا أطول دراسة حول الأنهار الجليدية دون انقطاع، ويتعلّـق الأمر بقياسات "كاريدينفيرن" (Caridenfirn) في كانتون غلاروس، والتي احتفلت هذا العام بذكراها المائة.

تراجع مُلفت في جبال الأنديز

على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تقلّصت بعدُ مساحة الأنهار الجليدية في جبال الأنديز بـنسبة 42% في ظرف أربعين عاما. ويتوقع العديد من المُتخصصين تراجعا إضافيا بنسبة 30% في غضون العقود المُقبلة.

نادين سالزمان أمام العلماء الهنديين خلال درس في علم الجليد التطبيقي. (Nadine Salzmann)

نادين سالزمان أمام العلماء الهنديين خلال درس في علم الجليد التطبيقي.

(Nadine Salzmann)

وتتعاون سويسرا هناك أيضا منذ عام 2011 من أجل بناء القدرات التقنية المحلية بهدف تقييم التراجع المتسارع في هذه المنطقة حيثُ يتسبّب التغيّر المناخي بالفعل في تغييرات هامة في حياة الفلاحين المقيمين في السهول المرتفعة (الألتيبانو).ويؤكد المهندس الزراعي نيلتون مونتويا قائلا: "هنا في منطقة كوسكو، حيث أتواجد حاليا، يعيش الناس بشكل دائم على ارتفاع يزيد عن 4000 متر. ويعتمدون في معيشتهم على التساقطات المطرية، كما يستخدمون مياه البحيرات الجليدية خلال فترات الجفاف. لذلك من الضروري استيعاب سرعة وكيفية زوال الأنهار الجليدية. وهذا سيساعدنا كثيرا على إيجاد حلول للمشكلة الإجتماعية التي سيواجهها بيرو في المُستقبل. نحن في حالة تأهب بفضل التعاون السويسري".

هذا الأستاذ في الجامعة الوطنية بسان أنطونيو أباد دو كوسكو (UNSAAC) يتعاون مع برنامج الدروس العليا في علم الجليد، والتغيّر المناخي، وإدارة مخاطر الكوارث في أعالي الجبال، وهو البرنامج الذي وضعته الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون بالإشتراك مع ثلاث جامعات بيروفية في إطار مشروع "الأنهار الجليدية".

ويعلق نيلتون مونتويا قائلا: "لقد زرعت سويسرا بذورا بدأت تنبت الآن. العلماء السويسريون ساعدونا كثيرا لسدّ نقاط الضعف لدينا، وعلّمونا كيفية تطبيق ما اكتسبناه من معارف على الميدان، وكيفية التحرك والعمل بطريقة علمية، فضلا عن إنجاز الدراسات، والإتصال بباحثين آخرين".

مؤتمر ليما

تستضيف عاصمة بيرو، ليما، منذ أول ديسمبر 2014 مؤتمرا حول المناخ يستمر حتى الثاني عشر من الشهر. ويُعتبر هذا المؤتمر محطة حاسمة قبل انعقاد مؤتمر باريس المُبرمج في ديسمبر 2015، والذي ستُدعى خلاله الدول إلى المصادقة على اتفاق شامل حول خفض الإنبعاثات ابتداء من عام 2020.

وشدد المكتب الفدرالي للبيئة في بيان أن الوفد السويسري سيسهر في ليما على ضمان إحراز تقدم "مهم" في التحضير لاتفاق نهاية عام 2015. وجاء في البيان أنه "بالنسبة لسويسرا، ينبغي أن يلزم [الاتفاق] جميع الدول بحسب مسؤولياتها وقدراتها. ويجب أن تؤخذ بعين الإعتبار الإحتياجات الخاصة للبلدان الأقل نموا".

وستدور في العاصمة البيروفية نقاشات أيضا حول مسألة تمويل السياسة المناخية في البلدان النامية، وكذلك إنشاء الصندوق الأخضر الخاص بالمناخ الذي ستساهم فيه سويسرا بمبلغ يصل إلى 100 مليون دولار. وسيتمد هذا الدعم على ثلاث سنوات اعتبارا من عام 2015.

وكانت أولى القياسات في هذا المنطقة قد أجريت في سلسلة "كورديليرا دي فيلكانوتا" الجبلية. وأوضحت نادين سالزمان قائلة: "لقد بدأنا الأشغال في عام 2010، ثم استأنف المهمة فنيون من بيرو. ونأمل أن يكون هذا العمل مستداما وأن يُساهم في ترسيخ ثقافة البحوث في الجامعات الرسمية".

إقامة أول نظام للإنذار المُبكر في البحيرة الجليدية 513، في الكورديليرا البيضاء، يُعتبر مثالا على مجموعة المشاريع الواسعة التي ينجزها التحالف السويسري البيروفي كرد فعل على تغيّر المناخ.

وقد أدى سقوط كتل جليدية ضخمة من جبل والكا (Hualcán) في هذه البحيرة إلى فيضانات كانت لها انعكاسات خطيرة على ساكنة كارهواز (Carhuaz). وكان أحد هذه التدفقات قد أحدث عام 2010 موجة بلغت 28 مترا في البحيرة، ما أكد ضرورة التزود بنظام للمراقبة. وأوضحت نادين سالزمان أن "هذا النظام المزود بأجهزة استشعار، وأجهزة لقياس منسوب الأمطار، وكاميرات فيديو، يسمح للبلدة بتلقي معلومات في الوقت الحقيقي. وفي حال وجود خطر، وضعنا خطة إخلاء مرفقة برسم خرائط للمناطق الآمنة ونظام للتنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة".

سويسرا طوّرت معرفة تقنية هامة لاستخدام هذا النوع من الأنظمة في منطقة جبال الألب المتواجدة على ترابها، وهاهي قامت بنقلها الآن إلى بيرو. جون-غابرييل دون، مدير فرع الوكالة الويسرية للتنمية والتعاون في بيرو قال مُعلقا: "من خلال هذا النظام، يمكن أن نُثبت أنه بمقدورنا حقّا رد الفعل بشكل ملموس على المخاطر اليومية الناجمة اليوم عن تغير المناخ، وبتأثيرات مضاعفة".


(نقلته إلى العربية وعالجته: إصلاح بخات), swissinfo.ch

×