تصفّح

تخطي شريط التصفح

مواقع فرعية

وظائف رئيسية

رئيس "مركز الإسلام والديمقراطية" "التعايش والتوافق بين الإسلاميين والعلمانيين.. أولوية وضرورة"

الدكتور رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بتونس

يكتسب هذا الحوار مع الدكتور رضوان المصمودي، رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بتونس، أهميته من زاويتين. الأولى، أنه يحمل الجنسية الأمريكية، رغم أصوله التونسية، وبالتالي، فمن المهم الإطلاع على تفسيره أو تأويله لِما يجري داخل الساحة الأمريكية بشأن الموقِف من التطورات الجارية داخل دول الربيع العربي وخاصة فيما يتعلق بحركات الإسلام السياسي.

وثانيا، تقييمه لحصاد الجهود التي بذلها مركزه منذ أكثر من عشرة أعوام في مجال التقريب بين الإسلاميين والعِلمانيين، وذلك في وقت عادت فيها المعارك والمناوشات بشكل عاصِف ومفتوح بين الطرفين.

swissinfo.ch: ما هو تقييمك للمشهد الرّاهن لما يسمّى بدول الربيع العربي؟ هل ما زلت متفائلا بمستقبل هذه الثورات وأنها قادرة على الوصول إلى بناء أنظمة ديمقراطية؟

د. رضوان المصمودي: تعلّمنا الكثير من الدّروس من هذه الثورات. أولها، أن بناء نظام ديمقراطي، أصعب بكثير من إسقاط نظام دكتاتوري. نعم نجحنا في إسقاط أنظمة استبدادية، لكن اكتشفنا أن تعويضها بأنظمة بديلة تكون ديمقراطية، عمل يتطلب بذْل جهود مُضنية، إلى جانب وضوح في الرؤية وتكاتف جهود كل الفاعلين على الصعيدين، العملي والفكري.

ثانيا، تنقصنا نُخبة سياسية تفهم طبيعة المرحلة والتحدّيات القائمة وتكون لديها القدرة على خلق جو تعاوُن وتوافق. ما يزال لدينا مَن يعتقد بأن السياسة صِراع وخصومات لا تنتهي، لكن في المراحل الإنتقالية، ليس الأساسي هو الصراع، ولكن التوافق حول بناء مشروع جديد.

كذلك عاد بقوة الصّراع بين المشروع الإسلامي والمشروع العِلماني، ويكاد الأمر يتحوّل إلى حالة من التقاتل بين الطرفين اللذين لم يتعوّدا على القبول بالرأي المخالف والإحتكام إلى الشعب.

مع ذلك، أنا متفائل على المدى الطويل، لأن كل الشعوب التي مرّت بتجربة الإنتقال الديمقراطي، أخذت وقتا طويلا وامتد ذلك بين عشرة وعشرين عاما من التحوّل. لكن على المدى القصير، هناك مشكلات عديدة وعويصة.

شخصيا، أنا متفائل أكثر بالتجربة التونسية، لأنها الأكثر نُضجا وتعايُشا، رغم الصعوبات والتناحُر السياسي. أعتقد بأن التجربة التونسية ستنجح وستقدم نموذجا جيدا للتعايش السلمي.

هل أنت متفائل أيضا بالتجربة المصرية؟

د. رضوان المصمودي: الوضع في مصر مختلف. لقد حصلت هناك انتِكاسة خطيرة بسبب الإنقلاب العسكري، لأن ما حدث ليس له توصيف آخر غير الإنقلاب، وهو ما أربك الإانتقال الديمقراطي ومنع الحوار، بعد أن تدخَّل الجيش ليحسِم الأمر لصالح طرف دون آخر.

كانت تلك نتيجة متوقّعة، لأن الجيش المصري يمسك بشؤون الدولة منذ فترة طويلة وظل مهيمنا على المؤسسات، وهو ما يتناقض مع فكرة الديمقراطية ويحُول دون تحقيق التداول السِّلمي على السلطة.

مع ذلك، أنا متفائل حتى بالنسبة للحالة المصرية، لأن المجتمع المصري يقوم حاليا بمراجعات ويُطالب باحترام حقوقه، ولن يقبل بحُكم العسكر، وسيصل إلى الآليات الكفيلة والضرورية لاستكمال البناء وإبعاد الجيش تدريجيا عن السلطة.

كما أن الشعب المصري سيُدرك أهمية تحقيق التوافقات الضرورية بين مكوِّناته. نعم هي أزمة، ولكن قد تكون مفيدة للجميع، بما في ذلك الإخوان الذين أخطأوا في تقدير موازين القِوى وحماية مصلحة الوطن، وذلك حين انفردوا بالسلطة وعزلوا بقية القوى.

ما هي العوائق الرئيسية التي أدّت إلى الحالة الراهنة؟ هل تعود إلى عوامل داخلية أم خارجية؟ 

د. رضوان المصمودي: هي عوامل داخلية بالأساس. لقد بدأت المشكلة عندما كانت توقّعات المواطنين عالية جدا وغيْر معقولة، وذلك عندما اعتقدوا بأنه يمكن في ظرف سَنة أو سنتين تحقيق كل مطالبهم، وهو أمر مستحيل وغير واقعي.

لا يمكن تغيير منظومة عميقة ومتغلغلة على جميع المستويات في ظرف وجيز. إن عامل الزمن مُهِم، إذ من الطبيعي أن يعقب سقوط أنظمة مستبدة، فراغ وفوضى وفقدان توازن، وذلك قبل قِيام أنظمة جديدة.

ماذا عن العامل الخارجي؟

د. رضوان المصمودي: العامل الخارجي كان مؤثرا، ولكنه لم يكن أساسيا. وأحيانا كان له دور إيجابي، تمثل بالخصوص في الدّعم السياسي والإقتصادي. صحيحٌ حصل بعض التردّد، إضافة إلى تدخل أطراف أخرى، لم يكن من مصلحتها قيام أنظمة ديمقراطية في هذه المنطقة من العالم.

هناك جِهات تعتقد بأن الديمقراطية تتناقض مع مصالحها أو تهدّدها، ولهذا عملت على إفشال الإنتقال في كل من تونس ومصر وفي ليبيا أيضا. لكن مع ذلك، أعتقد بأن العوامل الخارجية لم يكن دورها أساسيا، وإنما كان ثانويا. الأصل يكمُن في غياب الثقافة الديمقراطية وعدم التوصل إلى حلول وسطى، وتلك هي السياسة. إن فرض الرأي ليس سلوكا ناضجا.

هل تحمِّل الحركات الإسلامية جزءا هاما من المسؤولية على الوصول إلى المآزق الراهنة أم أنها دُفِعت لذلك دفعا؟ ومن قِبل من؟

د. رضوان المصمودي: أعتقد بأن الحركات الإسلامية تتحمّل جزءً هاما من المسؤولية، لأنها هي التي تمسك بالسلطة وهي التي أصبحت الأقوى والمنتجة لسياسات الدولة. مع ذلك، يجب أن نعترف بأنها وليدة الواقع ولم تسقط من المرّيخ. لقد تربّت في أحضان الدكتاتورية ولم تنمُ في أجواء ديمقراطية. لم يسمح لها بنمُوٍّ طبيعي. ولهذا، بقيت بدون خطط ولا بدائل. إنها ضحية الواقع المستبِدّ، وهي تشترك في ذلك مع المعارضة التي تعيش نفس المأزق.

الإستبداد يُغرق الجميع في مُستنقَع الإقصاء والكراهية والإقتتال، وقد كان لذلك آثار بينة على الحركات الإسلامية. إنها في حاجة مُلحّة للتدرب على الحُكم وتطوير مشروعاتها. ألاحظ في هذا السياق أن التجربة التونسية متميّزة عن المصرية، لأن قيادات حركة النهضة كانت تعيش في أوروبا مثل باريس وبريطانيا.

عاش الغنوشي حوالي عشرين عاما في بريطانيا واستوعب هناك قِيم وأساليب التعايُش، في حين عاش قادة الإخوان داخل مصر وفي أوضاع غير ديمقراطية. الإنسان هو نتاجُ التّجربة والممارسة. لهذا كيف نتوقّع من حركات كانت مقموعة أن تكون لها برامج واضحة للحُكم. هذا مستحيل.

دافع مركز دراسة الإسلام والديمقراطية - الذي تديرونه - طويلا على التقريب بين العِلمانيين والإسلاميين، وقد نجح في تجميع أبرز الفاعلين الحاليين ضمن مبادرات مشتركة. هل تشعرون اليوم بأن هذا الرّهان قد فشل وأنت تتابع ما حصل، بالخصوص في مصر؟

د. رضوان المصمودي: هناك فشل نِسبي. الحوارات التي أقمناها بين الطرفيْن كانت مهمّة، لكنها لم تكن كافية. الإنسان يتعلّم بالممارسة ولا يتعلم فقط بتلقي دروس نظرية. وقادة هذه الحركات لم تتوفّر لها الفرصة للعمل المُشترَك. ولهذا، عندما وجدت نفسها على أرض الواقع بانخراطها في الحُكم، انتقلت بسرعة إلى الصراع. المفروض اليوم، أن ندعم الحوار بين الطرفين، وذلك بتنمية الجوانب التطبيقية. علينا أن نتحاور أكثر وأن نتعايَش. لا يمكن إقصاء الآخر.

في تونس مثلا، نجح المركز في الإشتغال على الدستور، وقد تمكّنا خلال الأسابيع والأشهُر الماضية من تقريب وجهات نظر الطرفيْن. لقد نظم المركز عشرات اللقاءات والورشات لتحقيق ذلك، وأمكن بفضل ذلك تذليل الصعوبات وتحقيق التوافق حول مُعظم المسائل الخلافية في مسودّة الدستور، ما عدا نقاط بسيطة ومحدودة. لكن بقيت مسائل أخرى معقّدة تتعلّق بطبيعة الحُكم والسياسة والأمن.

وأعتقد أن هناك حاجة لتعميم الحوار والبحث عن حلول وِفاقية. هناك حاجة للصّبر وعلينا أن لا نتوقع بأن بناء الديمقراطية يُمكن أن يتم خلال خمس سنوات فقط.

هل تتوقع أن المشكلة لا تزال تكمُن في التقارب بين التيارين أم أن الثورات جاءت لتغيِّر من طبيعة الإشكالية ومن الأولويات؟

د. رضوان المصمودي: أعتبر أن التعايش والتوافق بين الإسلاميين والعلمانيين، يشكل اليوم أولوية، ويُعتبر ذلك شرطا من شروط النجاح في عملية الإنتقال. وبدون القبول بذلك، فإن مجتمعات المنطقة ستبقى مهدّدة وسيصبح الانتِقال مهدّدا، بل ومستحيلا، مما سيؤدّي إلى الإقصاء المتبادَل والإنزلاق نحو العنف والحروب الأهلية، إذ ماذا يعني إقصاء نِصف المجتمع؟ هذا أمر مستحيل.

الحوار العلماني الإسلامي اليوم، يمثل ضرورة أكثر من أي وقت مضى، إذ كيف يمكن بناء ديمقراطية في مصر في حين يُصر البعض على حلّ جماعة الإخوان المسلمين. لقد سبق أن فشل الإخوان في إقصاء الآخرين، ممّا دفع الملايين من المصريين إلى النزول إلى الشوارع تأييدا لتدخّل العسكر. يجب تحقيق التعايُش بين الطرفين، حيث يشعر كل طرف بأنه يتمتّع بحقوقه كاملة، بعيدا عن الهيْمنة والوصاية.

هناك من يعتقد بأن الإسلام يتناقَض مع الديمقراطية، وهو رأي شائِع عند الكثيرين، وفي المقابل، هناك مَن يعتقد بأن الإسلام ليس سوى عبادات وشأن خاص ولا علاقة له بنمط الحياة وتنظيم المجتمع. لكن مع ذلك، هناك ضرورة للتعايش.

هل الإسلاميون قادرون، حسب رأيك، على الحكم الفعلي والديمقراطي بعد كل ما حدث؟

د. رضوان المصمودي: علينا أن نميِّز بين الإسلاميين، لأنهم ليسوا على نفس القَدر من المسافة فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية. هناك مَن يرى وجود تناقض بين الحُكم لله والحُكم للشعب، في مقابل آخرين قاموا بمراجعات، خاصة في صفوف الشباب، وترسّخت لديهم قناعة خلال العشرين سنة الماضية، بأن النظام الديمقراطي هو أحسن نظام للحُكم، لأنه يحقق العدالة بين المواطنين ولا يفرض على المجتمع رأيا واحدا.

أغلب الإسلاميين قبلوا بالفكرة الديمقراطية، لكن التحدّي الذي يواجههم، هو الإنتقال إلى التطبيق الذي كشف عن وجود اختلافات كثيرة. كيف يتم ذلك؟ سؤال لم يُجب عنه الكثيرون. هناك تجارب في تركيا وماليزيا، لكنها غير كافية أو متجذرة. فالإسلاميون في تركيا يختلفون مثلا عن إسلاميي السودان..

كيف تقيِّم الدور الأمريكي في ظل ما حصل في مصر وتونس وغيرهما؟ هل حصل تغيير فعلي في مواقف واشنطن من الإسلاميين؟

د. رضوان المصمودي: كثر خلال السنتين الماضيتين الحديث عن دعم أمريكا للإسلاميين وأنها أصبحت حليفة لهم، وهي التي أوصلتهم إلى الحُكم. مَن يُردّد ذلك، هو جاهل بالسياسة الأمريكية وبقناعات صنّاع القرار في واشنطن. هؤلاء لم يكونوا سُعداء بوصول الإسلاميين إلى السلطة، وإنما اقتنعوا بأن مشاركتهم في الحياة السياسية أصبحت ضرورة لإقامة أنظمة ديمقراطية في العالم العربي. أنا شخصيا لم أسمع أحدا في الولايات المتحدة يطالِب بدعم الإخوان أو حركة النهضة.

ما حصل في واشنطن، هو توفّر رغبة في دعم الإنتقال الديمقراطي بدول الربيع العربي بمشاركة الإسلاميين، وإذا اختارتهم شعوبهم عبْر صناديق الإقتراع، فما على الأمريكيين إلا القبول بالنتائج، وذلك رغم استمرار التخوّف والشكّ في مدى إيمان الإسلاميين بالديمقراطية.

الجديد، أن صناع القرار في واشنطن أصبحوا يقولون: أتركوهم يجرِّبوا الحُكم، والنظام الديمقراطي هو الذي سيُصفّي، فإن نجحوا، ستعيد الشعوب ترشيحهم من جديد، وهو ما سيساعد على تعميق الإختيار الديمقراطي، أما إذا فشلوا أو حاولوا فرض اختياراتهم بالقوة، فسيُزيحهم الشعب. وما أريد التأكيد عليه بوضوح، هو أن أمريكا قبلت بالإسلام السياسي ولم تدعَمه، وأنها تتوقّع إمكانية أن تتطوّر هذه الحركات بشكل متدرّج نحو النموذج التركي، كما يُمكن أن تنخرِط في الإتِّجاه المعاكس.

بالنسبة لمصر، الأمريكان يعتقدون بأن الإخوان قد فشِلوا وأرادوا أن يُهيمِنوا. كما أن الغرب لم يطمَئِن لهم، بسبب الأهمية التي يتمتّع بها الأقباط داخل مصر وخارجها. كما قدّروا بأن المرأة هي أيضا مهدّدة، وهو ما أثار قلق الإسلاميين من غير الإخوان، الذين يشعرون هُم أيضا بالتهديد.

داخل أمريكا، عملت خمسة لوبيات ضد الإخوان، وشنّ جميعها حملة واسعة ضدّ حُكم محمد مرسي. وهذه اللوبيات هي: الأقباط والجيش المصري، الذي له لوبي قوي وقديم بأمريكا، واللوبي الخليجي واللوبي الإسرائيلي الصهيوني، الذي عبّر عن مخاوفه من علاقة الإخوان بحركة حماس، وأخيرا لوبي منظمات حقوق الإنسان، الذي نشط بكثافة بعد أن قام الإخوان بسِجن أعضائهم، وهو ما لم يقع حتى في عهد الرئيس مبارك، لأن الجميع يعلمون مدى تأثيرهم داخل الولايات المتحدة.

وهكذا، أصبح للإخوان صورة سيِّئة جدا داخل أمريكا، خاصة وأنهم من جِهتهم لم يحاولوا التواصل مع الإدارة الأمريكية أو الرأي العام. لقد ظنّوا بأنهم لا يحتاجون لأحد ويمكنهم أن يحكموا كما يريدون. ما حدث مع الإخوان، سيؤثر بالضرورة على جميع الإسلاميين، إذ هناك الآن ردود فِعل سلبية سيِّئة واسعة ضدّهم لدى الرأي العام الأمريكي. لقد تفشّت بسرعة في الأوساط الأمريكية مقولة تقول بأن الإسلاميين قد فشلوا...

swissinfo.ch


وصلات

×