Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

زيادة سكانية وموارد محدودة


التنظيمُ العائلي ليس حـلاّ سحريا


بقلم فريديريك بورنان


 (Reuters)
(Reuters)

تهدف مبادرة شعبية سويسرية إلى الحد من النمو الديموغرافي في الكنفدرالية وفي العالم على حد السواء. ويقترح أصحابها، على وجه التحديد، تخصيص 10% من ميزانية التعاون الدولي لتمويل برامج الحد من النسل في البلدان الفقيرة. في المقابل، يرى الخبراء أنه مجرد حل سطحي.

أدى تواصل النمو الديموغرافي العالمي، والتغيرات المناخية، وتضاؤل الموارد الطبيعية الى إعادة إحياء خطاب يردد بأن الكرة الأرضية التي تحتضن اليوم 7 مليار نسمة، ستصل في حدود عام 2040 إلى 9 مليار نسمة،  حسب الإحصائيات الأخيرة لخبراء الديموغرافيا، رغم أن البعض منهم، مثل سارا هاربر، أستاذة علم المسنين في جامعة اوكسفورد، يتوقعون جمودا في نسبة النمو السكاني في حدود العام 2050.

مع ذلك، لا تمنع هذه التوقعات جمعيات مدافعة عن البيئة في أوروبا والولايات المتحدة من الإستمرار في المناداة بالتخفيض من نسبة الإنجاب، من أجل تفكيك القنبلة الديموغرافية التي تهدد مجموع الكائنات الحية.

في سويسرا، تجسدت هذه التخوفات في المبادرة التي أطلقتها لجنة البيئة والسكان المعروفة اختصارا بـ (Ecopop). إذ يشير نص المبادرة، التي تحمل شعار "وقف النمو الديموغرافي أو الحماية المستدامة للموارد الطبيعية"، إلى وضع حد للنمو السكاني في سويسرا من خلال فرض قيود مشددة على الهجرة، وعلى المستوى العالمي عبر تخصيص 10% من ميزانية الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية لفائدة برامج التنظيم العائلي.

خلط للأوراق

المبادرة تقدم طرحا يشير إلى وجود علاقة بين الزيادة السكانية المزعومة في سويسرا، وبين ما تعاني منه الكرة الأرضية من نمو ديموغرافي. فقد ورد في تعليلات أصحاب المبادرة أن "التنظيم العائلي الطوعي في البلدان النامية سيعمل على تسهيل تحسين الرعاية الصحية، والتنمية الإقتصادية والاجتماعية، ويعمل على حماية الطبيعة". وأن الحد من الهجرة في سويسرا "سيسمح بتوفير أراضي زراعية، وتوفير حيز أكبر للطبيعة  وللسكان".

المنظمات السويسرية الرئيسية النشيطة في ميدان المساعدة من أجل التنمية (والمؤتلفة ضمن "تحالف الجنوب")، انتقدت انعدام التناسق في نص المبادرة. إذ كتب بيتر نيغلي في أحد البيانات الإعلامية الصادرة عن التحالف: "إن مبادرة لجنة البيئة والسكان تُرجع في شعارها، المشاكل البيئية العالمية إلى عامل الزيادة السكانية، بمعنى: كلما زاد عدد السكان، كلما زاد الضغط على الموارد غير المتجددة، ولكنها تتناسى عدم التكافؤ الواسع في نسبة الإستهلاك لهذه الموارد الطبيعية".

ويضيف نيغلي، مدير تحالف الجنوب أنه "إذا ما ذهبنا مع مطالب هذه المبادرة إلى أبعد الحدود، فيجب علينا الحد بشكل راديكالي من عدد سكان الدول الغنية، ومن النخبة الإقتصادية في البلدان الفقيرة. لأن العامل المؤثر في نسبة الضغط على الموارد البيئية ليس عدد السكان، بل الطريقة التي يتم بها استهلاك تلك الموارد الطبيعية".

جون لوي آركان، الخبير الإقتصادي بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، يدعم هذا الرأي ويقول:  "إن هذه المبادرة تخلط الأوراق، وتضع في نفس الملف القضايا التي تمس البلدان الغنية وأخرى تمس البلدان الفقيرة"، ثم يُضيف متسائلا: "ففي سويسرا بالخصوص، يطرح موضوع تقدم السن للسكان مشكلة من سيغطي نفقات نظام التقاعد إذا لم يكن ذلك عبر استقطاب يد عاملة مهاجرة؟".

هذه المعضلة التي تُعزى إلى حدوث خلل في الهرم السكاني (في سويسرا)، لا تحرك ساكنا لدى آليك كاغنو العضو في اللجنة القائمة على المبادرة، حيث يقول: "إنها مشكلة الأغنياء، أما أنا فلست متخوفا من تقدم السن لدى السكان. فسويسرا بلد غني بما فيه الكفاية وبإمكانها أن تجد حلا لهذه المشكلة".

نعم للتنظيم العائلي ولكن...

في الأثناء، لا يُثير الدعم الذي توفره المبادرة لفائدة برامج التنظيم العائلي انتقادات حادة، رغم اعتراضات أبدتها بعض الأوساط السياسية والدينية منذ مدة على الموضوع سواء في بلدان الشمال أو الجنوب.

فقد ذكّر صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره لعام 2012 بمدى فعالية هذه البرامج، حيث كتب مديره التنفيذي بابا توندي أوسوتيميهين أن الإحصائيات الأخيرة "تشير إلى وجود 876 مليون امرأة في سن الإنجاب في الدول النامية تحتاج إلى وسائل عصرية لمنع الحمل، إلا أن عدد اللواتي يتمكّنّ من ذلك لا يتجاوز 645 مليون"، ما يعني حرمان 222 مليون امرأة من هذه الوسائل.

المدير التنفيذي لصندوق الأمم المتحدة للسكان أضاف أن "برامج التنظيم العائلي تحتل مكانة رئيسية في الجهود الرامية إلى تحسين الظروف الصحية للأمهات والأطفال، وللترويج للمساواة بين الجنسين، ولتوسيع فرص الوصول إلى برامج تكوين ذات جودة، وللسماح للشباب بالإشتراك في النشاط الإقتصادي وفي الحياة الإجتماعية، وللحد من الفقر. لذلك يجب أن تندمج هذه البرامج كلية في برامج المساعدة على التنمية الحالية والمستقبلية".           

الأكيد أن آليك كاغنو، أحد أعضاء اللجنة التي تقف وراء إطلاق المبادرة الشعبية، لن يجد في هذه التصريحات إلا تشجيعا على المضي قدُما في ما تطالب به المبادرة، لكن إيفون جيلي، النائبة البرلمانية عن حزب الخضر تنتقدها قائلة: "إن المطالبة ببرامج تنظيم عائلي أمر معقول، ويتطلب تخصيص حوالي 10% من ميزانية المساعدة على التنمية. لكن هذا الدعم مُطبق اليوم بالفعل في برامج المساعدة على التنمية. لذلك فمن غير المنطقي تحديد نسبة 10 % بشكل مطلق. إذ هناك بلدان قد تحتاج أكثر إلى خبرة سويسرا في تأمين المياه الصالحة للشرب، أو في دعم تعليم البنات في الأقسام المتوسطة. لأن دعم برامج من هذا النوع قد تكون لها فعالية أكثر، وهو ما لا يتطابق مع ما ورد في المبادرة".

تعليم البنات

جون لوك آركان يذهب في الإتجاه نفسه ويشدد على أن "أنجع وسيلة للحد من الإنجاب في الدول الفقيرة هي تعليم البنات. وهو ما يطلق عليه الأنغلوساكسونيون عبارة "تشغيل المرأة"، إذ أن توفير وسائل الحد من النسل لفتاة أمية لا يسمح بتحقيق الكثير من التقدم".

أخيرا، يُذكّـر هذا الخبير الإقتصادي بالأضرار التي تسببت فيها البرامج التي ركزت فقط على مسألة الحد من الإنجاب ويقول: "هناك خلل في نسبة النساء مقارنة مع نسبة الرجال في العالم بحوالي 100 مليون امرأة. وهو خلل خطير ناتج عن التطبيق الاستبدادي لبرامج الحد من النسل في كل من الهند والصين".

التنظيم العائلي

في عام 1994، شهد المؤتمر الدولي حول السكان والتنمية إعلان حوالي 179 دولة قبول حق الأشخاص في استخدام برامج التنظيم العائلي.

أشار الموقعون على برنامج عمل المؤتمر الى أن برامج التنظيم العائلي تهدف الى السماح للزوجين وللأفراد بالحصول على المعلومات والوسائل الضرورية للتحديد، بكل حرية وطواعية لعدد الأطفال (الذين يرغبون في إنجابهم) وبأي تباعد زمني بين كل طفل.

تشهد نسبة الزيادة السكانية تراجعا بطيئا على مستوى العالم، لكن الفوارق بين المناطق الغنية والفقيرة لا زالت هامة.

من العوامل المؤثرة في استمرار ارتفاع نسبة الإنجاب: الفقر وعدم المساواة بين الجنسين والضغوط الاجتماعية.

هذه الفوارق قوية بالخصوص في دول افريقيا الواقعة جنوب الصحراء حيث تزيد نسبة الإنجاب لدى النساء ثلاث مرات معدلات الإنجاب في الدول المتقدمة (5،1 طفل لكل امرأة جنوب الصحراء مقابل 1،7 طفل في البلدان المتقدمة).

حاليا، هناك رغبة لدى النساء في الدول الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء في إنجاب عدد أقل من الأطفال. لكن الفرق في نسب الإنجاب مقارنة بالشمال يعود بالدرجة الأولى إلى النقص المسجل في الوصول الى وسائل تحديد النسل لتفادي عمليات الحمل غير المرغوب فيها.

هذا هو الحال بالنسبة لكافة البلدان الأقل نموا، حيث يشكل النقص في الوصول إلى وسائل الإستخدام الطوعي لبرامج التنظيم العائلي عائقا كبيرا بوجه الجهود الرامية للتخفيض من نسبة الإنجاب.

(المصدر: صندوق الأمم المتحدة للسكان)  


(نقله من الفرنسية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch



وصلات

×