Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

تجارة مزدهرة


ساعات فاخرة وعالية الدقة بأسعار في المتناول


بقلم ساموئيل جابير


العديد من المحلات التجارية في الولايات المتحدة، تختص ببيع ساعات سويسرية من الدرجة الثانية مثل ساعات "تورنو".   (AFP)

العديد من المحلات التجارية في الولايات المتحدة، تختص ببيع ساعات سويسرية من الدرجة الثانية مثل ساعات "تورنو".  

(AFP)

إخراج الساعات الجديدة من مخازنها لبيعها في الأسواق الموازية التي لا تحظى بثقة كبيرة من الأشياء المسكوت عنها في دوائر صناعة الساعات السويسرية. مع ذلك، تشهد هذه الظاهرة نموا مضطردا. أما السبب فهو ركود تجاري في بعض المناطق من العالم، وتزايد السلع المخزنة التي لا تجد مشترين لها في الأسواق المعتادة.

يتركّز جهد موريس غولدبرغر، مؤسس الشركة الكندية شيرون إنك، ومديرها التنفيذي، الذي يلقبه العاملون في قطاع الساعات بـ "المنظّف البارع" على الترويج للساعات الراقية والثمينة التي لا تجد مشترين، وتلقى أعماله نجاحا كبيرا. اقتنى غولدبرغر في عام 2015 ما قيمته 500 مليون يورو من السلع الفاخرة الجديدة التي لم تفلح الشركات المصنعة في بيعها ضمن مسالك الأسواق الرسمية، وخصص 150 مليون فرنك منها للساعات والمجوهرات. وفي مقابلة عبر الهاتف مع swissinfo.ch، قال إنه "مستبشر بعام 2016 الذي شهدت فيه أعماله حتى الآن نجاحا باهرا. وينتظر أن يستمر الأمر على هذا الحال خلال السنوات المقبلة". 

ويسافر موريس غولدبرغر بإنتظام إلى سويسرا للتفاوض بشأن صفقات تجارية مع العاملين في قطاع الساعات، في تكتم شديد، لأنه رغم لجوء العلامات التجارية إليه أكثر فأكثر، تحرص في نفس الوقت على أن يظّل ذلك بعيدا عن الأنظار. كما يلتزم غولدبرغر التحفّظ في الإعلان عن هوية الذين يزوّدونه بتلك السلع، كما يتجنّب وضع ساعات ثمينة في معصمه، لتجنّب أي سوء فهم. وعلى موقعه الإلكتروني، لا توجد سوى ثلاثة عناوين – في مالطا، والولايات المتحدة وكندا – إلى جانب حساب بريد كتروني يردّ من خلاله على الأسئلة الموجهة إليه على الفور تقريبا.

عندما تتراكم المخزونات، تشغل مبالغ مالية كبيرة كان بالإمكان استثمارها في اقتناء معدات جديدة أو تطوير نماذج إنتاج أخرى

موريس غولدبرغر

وحرصا منها على ميزة التفرّد الملازمة لمنتجاتها، تبدو شركات الساعات، واعية بالمخاطر التي تشكلها هذه الممارسة على سمعة منتجاتها. ويشير فرنسوا كورفوازييه، الأستاذ المتخصص في تسويق الساعات بالمدرسة العليا بحوض الجورا (برن – نوشاتيل  - الجورا) إلى أن "الإحاطة، والخبرة والتجربة، وجودة الخدمات في محلات البيع المعتادة مهمّة جدا للحفاظ على مكانة العلامة التجارية. وهناك خوف حقيقي من فقدان القدرة على التحكم عند بيع الساعات الجديدة عبر الأسواق الموازية وبأسعار منخفضة".  

في أمريكا الشمالية خصوصا

 مع ذلك، يعتقد موريس غولدبرغر بأنه يضطلع بدور مهم ورئيسي داخل دواليب هذه التجارة، ويقول: "الساعات التي لا تجد من يقتنيها هي حقيقة لا جدال فيها، ولا تسلم شركة من هذه الظاهرة. وعندما تتراكم هذه المخزونات، تشغل مبالغ مالية كبيرة كان بالإمكان استثمارها في اقتناء معدات جديدة أو تطوير نماذج إنتاج أخرى، على سبيل المثال ". والعمل الذي يضطلع به موريس غولدبرغر، كان دائما موجودا، لكنه توسّع أكثر مع تسارع تحديث المجموعات المنتجة، والطفرة الحاصلة بسبب التسويق عبر الإنترنت، والأتمتة المتزايدة لعمليات انتاج الساعات الراقية، حتى أصبح مقابل كل ساعة مصنّعة في سويسرا، تباع أربع ساعات أخرى في السوق الموازية بأسعار مخفّضة". 

إلى جانب هذه التغييرات الهيكلية، ينضاف عامل الدورة الإقتصادية، حيث تواجه مبيعات الساعات تباطؤا غير مسبوق منذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2008. وهنا الأسباب متعددة: ركود اقتصادي في الصين، وحروب في أوكرانيا ومنطقة الشرق الأوسط، وتراجع الكبير لأسعار النفط، والفرنك القوي،... ويشير موريس غولدبرغر إلى أن "الكثير من التجار لم يضعوا في حسبانهم مسبقا التغيرات الجيو- سياسية، فتراكمت لديهم مخزونات كبيرة لم تجد من يقبل عليها، وتفقد هذه المخزونات جاذبيتها مع مرور الوقت، وهذه مشكلة بالنسبة للعلامات التجارية، لأن بائعي التجزئة لا يكون لديهم ما يكفي من المال أو من مساحات التخزين لإقتناء مجموعات جديدة". 

 وفي هذه اللحظة التي تتراكم فيها المخزونات من الساعات في هونغ- كونغ أو في الصين، تجد العديد من الساعات شديدة الدقة والفاخرة طريقها للعرض على قارعة الطريق في الولايات المتحدة وفي كندا. وحول هذه الظاهرة، يقول رجل الأعمال الكندي: "يشهد نشاطنا نموا كبيرا في أمريكا الشمالية على وجه الخصوص. حيث يعتبر اشتراء ساعة، قد يرى البعض أنه تجاوزها الزمن نسبيا، بأسعار منخفضة اختيارا ذكيا. أما في أوروبا أو في آسيا، فيجد المستهلك صعوبة في تقبل ذلك، لأن الناس هناك ليس لديهم قدرة على الإقرار بأنهم يفتقرون إلى الإمكانيات لاقتناء سلع جديدة بأسعار غير مخفّضة". 

التمييز بين الأصلي والمزيّف

 في بيل/ بيان، إحدى المدن السويسرية المعروفة بصناعة الساعات، تؤكّد الفيدرالية السويسرية لصناعة الساعات أنه ليس لديها أي "علم على وجه التحديد" بوجود هذه الظاهرة التي تشهد نموا مستمرا و"رسميا، لا وجود لظاهرة تفريغ المخزونات"، بحسب الفيدرالية. ويصل الامر ببعض الشركات إلى حد إلزام وكلائها بتوقيع عقود تحظر عليهم فعل ذلك"، ولكن ميشال أرنو، رئيس قسم المنتجات المزوّرة بالفدرالية السويسرية لصناعة الساعات يعترف: "نحن نرى أن ما يحدث في الواقع غير ذلك". 

بالنسبة لمحبي الساعات الراقية والدقيقة، والذين لا يمتلكون بالضرورة أرصدة مالية كبيرة في حسابات مصرفية، اقتناء ساعة راقية بنسبة تخفيض تصل إلى 30 أو 40 او حتى 50%، وربما أكثر، تمثّل بالنسبة لهم فرصة لا تعوّض. ولكن ميشال أرنو، يقول محذّرا: "في الاسواق الموازية، او في المخازن، تختلط السلع الأصلية بالسلع المزوّرة أو المستنسخة، ولقد ثبت لدينا هذا، الأمر صعب جدا بالنسبة للزبائن، حتى لو كانوا يمتلكون معرفة دقيقة بالمنتجات المعروضة. ونفس الشيء بالنسبة للساعات المسروقة التي يروّج لها عبر مسالك الأسواق الموازية.

«لازلنا بعيدين جدا، إذ لا تزال صناعة الساعات السويسرية تتمسّك بتقاليد التحفّظ والتكتّم، ولكنها اليوم مدعوّة إلى إبداء شفافية أكبر»

فرنسوا كورفوازييه

وعلى الإنترنت، حيث توجد مواقع بيع الساعات السويسرية المزيّفة، تكون المخاطر أكثر جسامة، يحذّر ميشال أرنو: "عدد كبير من هذه المواقع يعرض للبيع ساعات باعتبارها منتجات مستعملة أو من السوق السوداء، بينما هي في الحقيقة منتجات مزيّفة لا أكثر". أما بالنسبة لموريس غولدبرغر، فيؤكّد أن جميع مبيعاته تمرّ عبر القنوات الرسمية، وفي الأماكن التي تحبّذها العلامات التجارية نفسها، ويضيف: "أنا لا أغذي السوق الرمادية"، ولكن ماذا عن السلع التي تباع عن طريق الإنترنت؟ يقول رجل الأعمال الكندي: "هناك الآلاف، إن لم يكن العشرات من الآلاف من مواقع التجارة الإلكترونية، ولكن ربما مائة منها فقط تحظى بسمعة مناسبة. أنا لا أتعاون إلا مع هذه الأخيرة".

 المطالبة بالشفافية

 لكن تعدّد مسالك بيع الساعات السويسرية، بدءً بالباعة في السوق الرمادية، غير المعتمدين بشكل رسمي، ولكن مسكوت عنهم، مرورا بالسلع المستعملة، والتي هي في الحقيقة ليست كذلك، بل وأخطر من ذلك، حيث تعرض للبيع ساعات مزيّفة تشبه أكثر فأكثر إلى الأصل. ويشير فرنسوا كورفوازييه إلى أنه "إذا قارنا على سبيل المثال سوق الساعات وسوق السيارات، نجد أن السوق الاولى متأخرة نسبيا في ما يتعلّق ببيع المنتجات المستعملة عبر الأسواق الموازية وعبر الإنترنت على وجه الخصوص". 

ومما يمكن القيام به على سبيل المثال وضع قائمة بنقاط البيع المعتمدة من الماركات التجارية او تقديم نوع من الخدمات الاستشارية لصالح المشتري في مجال صناعة الساعات. وهكذا يمكن للمستهلك وضع تقييم للبائع بحسب جودة المنتوج ومستوى الخدمة المقدّمة عقب عملية الإشتراء. وهنا يشدّد فرنسوا كورفوازييه: "لازلنا بعيدين جدا .. إذ لا تزال صناعة الساعات السويسرية تتمسّك بتقاليد التحفّظ والتكتّم، ولكنها اليوم مدعوّة إلى إبداء شفافية أكبر".

 وصول الساعات منخفضة الأسعار إلى سويسرا

يقدّم موحا سمراوي، مؤسس ورئيس موقع grooptoo.ch نفسه طوعيا في وسائل الإعلام بكونه "روبن هود في مجال الساعات". ومن خلال منصة البيع التي يديرها على الإنترنت، نجد من بيْن السلع المختلفة المعروضة والمنخفضة الأسعار ساعات قيّمة، تمثّل قرابة 20% من أرقام مبيعاته. وأوضح هذا البائع السويسري من أصل مغربي كيف انه "يحصل من أصحاب مخازن في بلدان أجنبية كالولايات المتحدة على وجه الخصوص على سلعه ليبيعها إلى مشترين سويسريين بتخفيضات تصل عموما إلى 40% او حتى 60%".

ورغم أن هذه السوق الرمادية تظل قانونية، فإن العاملين في صناعة الساعات لا يحبّذونها. وتصل موحا سمراوي بإنتظام رسائل مضمونة الوصول عبر رجال قانون، وايضا رسائل تهديد وكذلك زيارات مباشرة من قبل ممثلي العلامات التجارية لمطالبته بسحب منتجاتهم من موقعه الإلكتروني. ويؤكّد موحا سمراوي أن "هذه الضغوط قد أثنت العديد من رجال الأعمال على ممارسة هذه التجارة خوفا من ردود فعل انتقامية. ولكننا قاومنا ذلك، والآن تتصل بنا بعض العلامات التجارية مباشرة، وتعرض علينا ساعاتها بأثمان مخفّضة".

ويعترف صاحب موقع grooptoo.ch بأن السويسريين لا يزالون مترددين في شراء ساعات تصل قيمتها إلى عدة آلاف فرنكات عبر الإنترنت. "على الرغم - يضيف سمراوي - من أن جميع هذه الساعات معتمدة، وتتوفّر على جميع الضمانات التي تتوفّر للساعات التي تباع في المتاجر"، لكنه يظل واثقا من نجاح أعماله في المستقبل، ويقول: "بعض هواة الساعات الجميلة بدأوا يتذمّرون من دفع مبالغ باهضة مقابل منتجات لا تزيد تكلفة انتاجها عن 10 إلى 15% من أسعار البيع الرسمية. وتدريجيا نحن قادرون على كسب ثقة الزبائن الرواد في هذا المجال".


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

×