Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

سجّال قديم جديد


جدل في سويسرا حول "حدود الديمقراطية المباشرة"


في كل مرة يتقدم فيها حزب الشعب السويسري (يمين متشدد) أو إحدى التيارات من أقصى اليمين، بمقترح جديد أو يُـطلق فيها بادرة شعبية مثيرة، يتجدد السِّـجال في سويسرا حول حدود الديمقراطية المباشرة.

وفيما يُـصر الحزب اليميني على أن "الشعب دائما على حق"، يُـذكر بعض فقهاء القانون الدستوري، بأن الدول الحديثة لم تعد لها سيادة، عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان.

في العادة، لا يرغب الساسة السويسريون في الاعتراف بأن حزب الشعب (الذي يحتل المرتبة الأولى في البرلمان الفدرالي لجهة عدد المقاعد)، يعرف كيف يحرِّك السواكن ويثير النقاش على الساحة الوطنية، وإن كان بأساليب غير سليمة تماما.

ففي العشرية الماضية، استقطب الحزب الأضواء (والكثير من الأصوات) بطرحه لمبادرات، يُـقدِّر أنها تحظى بقبول واسع في الأوساط الشعبية المؤيدة لتوجهاته أو القريبة منه.

فقد طرح الحزب مثلا، مبادرة تدعو إلى إبقاء المجرمين الخطرين وراء القضبان مدى الحياة، ثم دعا إلى منح الشعب حق التصويت، عندما يتعلق القرار بمنح الجنسية للأجانب، وطالب في بداية شهر مايو الماضي، بإضافة فصل إلى الدستور الفدرالي بحظر بناء المآذن في سويسرا، وتمثلت آخر مبادرة تقدم بها كريستوف بلوخر، الشخصية القيادية في الحزب ووزير العدل والشرطة ووافق عليها أعضاء الحزب يوم 30 يونيو الماضي، في الدعوة إلى الطرد الفوري للأجانب المجرمين والمستفيدين بشكل غير قانوني من المساعدات الاجتماعية.

في جميع هذه المناسبات، يتجدد السؤال في وسائل الإعلام ومنابر النقاش السياسي، حول ما إذا كان القانون الدولي معرَّضا للانتهاك، في صورة تصويت الناخبين بالإيجاب للأفكار والمقترحات المثيرة للجدل المعروضة عليهم أو بكلمة أخرى، هل يمكن اقتراح كل شيء عن طريق المبادرة الشعبية، بالاعتماد فقط على ما يُـسمّـى بـ "الحكمة الشعبية"؟

آراء فقهاء القانون الدستوري

هذه المبادرة الأخيرة، اعتبرها الفقيه الدستوري يورغ بول مولّـر (من برن)، "متعارضة مع القواعد المُـطلَـقة للقانون الدولي"، مثلما صرح بذلك لوكالة الأنباء السويسرية، ويرى أنه من المفترض أن لا تُـعرض على التصويت الشعبي لأنها تنتهك مبدأ "عدم الطرد"، الذي يحول دون إقدام دولة على طرد أجنبي إلى بلد تتعرض فيه حياته أو سلامته الجسدية إلى الخطر.

في المقابل، لا يبدو أن قيادة حزب الشعب السويسري تُـلقي بالا لمثل هذه الاعتراضات القانونية، بل يرى مراقبون أن هذا الصِّـنف من المقترحات المثيرة للجدل، تحولت إلى أداة لاختبار قُـدرة النظام السياسي، القائم في الكنفدرالية منذ عشريات طويلة، على الصمود بوجه هذه "الهجمات" المحسوبة.

وفي كل مرة يدور فيها النقاش حول ضرورة تجنُّـب عرض مقترحات تتعارض مع المعاهدات والمواثيق الدولية الأساسية، التي صادقت عليها سويسرا، مثل المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، يغتنم حزب الشعب السويسري الفرصة للدفاع عن تصوره للديمقراطية، مُـصرا على أنه يجب إعطاء الكلمة للشعب في كل الحالات وأن تكون الكلمة الأخيرة بيد الناخبين.

هذا التصور يتطابق مع خاصية تتميّـز بها الديمقراطية المباشرة، المعمول بها في سويسرا، تتمثل في عدم وجود أية ضوابط أو حدود لحق المواطنين والهيئات والأحزاب في ممارسة ما يُـعرف بالمبادرة الشعبية، لكن التطور الذي شهده القانون الدولي في الثلاثين سنة الأخيرة، قلب العديد من المسلَّـمات رأسا على عقِـب.

فعلى سبيل المثال، لم يتردد الفقيه الدستوري أندرياس آور (من جنيف) في الإشارة في كتاب نشره في شهر يونيو الماضي، إلى أن "الدول المعاصرة، حتى لو كانت ديمقراطيات مباشرة، لم تعد صاحبة السيادة في مجال حقوق الإنسان".

تناقض أساسي لم يُـحسم

وعلى عكس عدد من زملائه، الذين تطرقوا للموضوع، يرى أندرياس آور أنه – على الرغم من أن سويسرا قد تخلّـت طوعا عن قِـسط من سيادتها بانضمامها إلى المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان – فإنه "من غير الممكن سحب المبادرات الشعبية المتعارضة مع المعاهدة وعدم عرضها على التصويت الشعبي".

ويرى الفقيه الدستوري، أنه يجب تمكين المواطنين من الإدلاء بأصواتهم، لكن يجب أن يتم إعلامهم أيضا بأنه، إذا تمت الموافقة على المقترح المعروض عليهم للتصويت، فإنه لن يُـمكن تطبيقه. ومع أن هذه الصورة تبدو "سريالية"، إلا أن هذا الوضع ناجم عن إشكالية قانونية ودستورية، لم يتمكن السويسريون من إيجاد حل لها إلى حد الآن.

ويحذر أندرياس آور أنه "هناك تناقض أساسي، لم يتمكن نظامنا الدستوري من حلِّـه إلى حد اليوم بطريقة مُـرضية، يتمثل في التناقض القائم بين سيادة المؤسس الديمقراطي (أي الشعب) واحترام القانون الدولي في مجال حقوق الإنسان".

أما إذا كانت هناك رغبة في الذهاب إلى أبعد من ذلك ونزع الصِّـبغة الشرعية عن المبادرات المتعارضة مع القانون الدولي، فلا مفرّ من مراجعة الدستور الفدرالي، مثلما يرى أندرياس آور. ففي الوقت الحاضر، لا زالت الحالات، التي يُـمكن فيها سحب المبادرات الشعبية عن تصويت الناخبين محدودة جدا، وهي تتعلق بالمبادرات التي تنتهك القواعد الموصوفة بـ "المُـطلَـقة" للقانون الدولي، وهي قواعد تشمل حظر التعذيب والإبادة واحترام النواة الصلبة للقانون الإنساني الدولي.

ومن بين هذه النواة الصلبة بالتحديد، مبدأ عدم الطرد، الذي قد يُـطيح بشكل كامل أو جزئي بالمبادرة الجديدة، التي أطلقها حزب الشعب السويسري مؤخرا بخصوص طرد المجرمين الأجانب.

سويس انفو مع الوكالات

اعتراضات خبير قانوني

درّس الفقيه الدستوري يورغ بول مولّـر، القانون العام والقانون الدولي وفلسفة القانون في جامعة برن من 1971 إلى 2001 وعمِـل قاضيا مناوبا في المحكمة الفدرالية، كما شارك في تحرير الدستور الفدرالي الجديد، وخاصة الجزء المتعلق بالحقوق الأساسية فيه.

عدّد الفقيه الدستوري يورغ بول مولّـر، الأسباب التي يُـفترض أن تدفع البرلمان إلى اعتبار نص المبادرة، التي صادق عليها مندوبو حزب الشعب السويسري يوم 30 يونيو 2007، والداعية إلى طرد المجرمين الأجانب، غير مقبول وغير قانوني.

في تصريحات أدلى بها إلى وكالة الأنباء السويسرية، أشار الفقيه الدستوري، إلى أن هذه المبادرة الشعبية تنتهك مبدأ عدم الطرد، الوارد في معاهدة الأمم المتحدة حول اللاجئين لعام 1951 وفي الدستور الفدرالي، وذكّـر بأن هذا المبدأ يحظر طرد أي شخص إلى البلدان، التي تمارس التعذيب، في حين أن المبادرة ستسمح – إذا ما تم إقرارها – بالقيام بذلك.

من جهة أخرى، تنتهك المبادرة ضمانات أخرى مترتبة عن مواد الدستور الفدرالي وبنود المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، وقد أورد يورغ بول مولّـر، مثالا على ذلك، يتمثل في "الحق في احترام الحياة العائلية وحظر الممارسات غير الإنسانية والمُـهينة".



وصلات

×