تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

فيلم عربي يفوز بالجائزة الكبرى في سولوتورن "لو لم يكن أسامة في قلبي.. ما التفتّ إلى قضية الاختفاء القسري"

المخرجة بثينة بوسلامة

التقطت هذه الصورة للمخرجة والفنانة التشكيلية التونسية بثينة بوسلامة في أيام سولوتورن السينمائية بعد تلقيها لجائزة سولوتورن لهذا العام، عن فيلمها "البحث عن أسامة الهبالي"، في 29 يناير 2020.

(moduleplus.ch)

هي رحلة بحث مُضنية عن صديق الطفولة السوري الذي اختفى فجأة في لبنان حيث كان يُعالج من إصابة تعرّض لها في بلده.. سردتها بُثينة بوسلامةرابط خارجي في شريط وثائقي مثير، دوافعه "أنانية" بل "شخصية" لكن إنسانية القضية المطروحة فيه بأسلوب فني مميّز أقنع لجنة التحكيم في الدورة الخامسة والخمسين لأيام سولوتورن السينمائية بمنح المخرجة التونسية "جائزة سولوتورن" لهذا العام.

خلال هذا المهرجان الوحيد المُخصّص في بداية كل سنة لعرض وتقييم أحدث أعمال السينما السويسرية، التقت swissinfo.ch مع مخرجة "رحلة البحث عن أسامة الهبالي"رابط خارجي، وأجرت معها الحوار التالي حول فيلمها المشارك في مسابقة المهرجان وقضية "التغييب القسري" التي يُعالجها من خلال قصة واقعية أليمة. 

swissinfo.ch: البحث عن أسامة هو أمر حقيقي، وقضية شخصية بالنسبة لك، فهو صديق طفولتك وقد اختفى فجأة، هل أردت منذ البداية تحويل مجريات عملية البحث هذه إلى عمل سينمائي؟

بثينة بوسلامة: أجل، هذه كانت الفكرة منذ اللحظة الأولى، وقد عرفت أيضاً أن هذا الفيلم سيكون أول عمل سينمائي طويل أقوم به. ولسخرية القدر والصدفة كان أول فيلم لي عن "التغييب القسري" وانتهاكات حقوق الإنسان، وعن الأشياء المؤلمة ولكن المتجذرة في ثقافتنا العربية.

swissinfo.ch: هل هي بالفعل صدفة؟ أم تأتي من اهتمامك بهذه القضايا؟

بثينة بوسلامة: في الحقيقة، هي تأتي من بنية تحتية (قاعدة اجتماعية) مبنية على الإحباط، على الخوف، على القمع. بداية الفيلم تتحدث عن تربية قمعية، تربينا على الخوف، من "الحيطان التي لها آذان"، كيف علمنا الأهل ألّا نتحدث عمّا يحدث داخل المنزل، كل هذه المكونات لشخصيتي، انفجرت عندما علمت باختفاء أسامة، فكان الفيلم نوعاً من الخروج من ظل الخوف الكبير الذي كنت أعيشه، والالتفات إليه ومواجهته، والقول له، أريد أن أعرف ماذا وراءك، أريد أن أمد يدي وأخرج صديقي وأخرج كرامتي.

swissinfo.ch: أنت ولدت في باريس، ومع ذلك نشأت على هذا الخوف وعايشتيه كطفلة ورافقك إلى لحظة قرارك الالتفات إليه ومواجهته، كيف تفسرين ذلك؟  

بثينة بوسلامة: ولدت في باريس لأبوين تونسيين عام 1982، وهي مخرجة وفنانة تشكيلية، تعيش وتعمل بين اسطنبول وباريس وجنيف. درست الفنون البصرية في مدرسة موناكو للفنون، وفي عام 2010 حصلت على درجة الماجستير مع تخصص مزدوج في الفنون التشكيلية والسينما من جامعة الفنون والتصميم في جنيف. كما عملت هناك كمساعدة ومحاضرة في قسم الفنون التشكيلية والتطبيقية. تعالج بوسلامة بشكل أساسي مواضيع تربط بين التجربة الشخصية والهياكل الاجتماعية والسياسية. وتركز في عملها في إسطنبول بشكل أساسي على التصوير الفوتوغرافي الوثائقي ومقاطع الفيديو، بما في ذلك فيلمها الوثائقي الطويل الأول "البحث عن أسامة" الذي يحكي قصة "الاختفاء القسري" لصديق طفولتها أسامة في سوريا. في عام 2019، تحصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي سويسري في مهرجان "رؤى الواقع" في مدينة نيون، كما فاز في 29 يناير 2020 بجائزة سولوتورن، وهي أهم جائزة تُمنح للمتسابقين في "أيام سولوتورن السينمائية".

(swissinfo.ch)

بثينة بوسلامة: يولد هذا الخوف معنا، وترضعه مع الحليب، لا أتحدث فقط عن نفسي كتونسية ولكن كعربية، فهذه منظومة كبرنا عليها، ولكنها تخف وتشتد، أحياناً نعيش لحظات من الحرية، وأحيانا نعرف أن النظام القمعي كبر، ويجب التراجع.

swissinfo.ch: هل هذا حقاً شيء مشترك لدى العرب جميعاً؟

بثينة بوسلامة: نحن العرب نختلف على أشياء كثيرة: صحيح نتكلم نفس اللغة، ولكن عندنا صراعات داخلية، وصراعات حتى في كرة القدم، وغيرها من الأمور، ولكننا نشترك في ثقافة القمع والخوف.

swissinfo.ch: أسامة سوري، ونشط هناك ومن ثم اختفى هناك، ما هي علاقتك بسوريا؟

بثينة بوسلامة: في الحقيقة، وأيضاً لسخرية القدر، سوريا كانت بالنسبة لي بلد الحرية، عائلتي صارمة وشديدة، نحن خمسة أطفال، وفرضت علينا قواعد كثيرة، وكانت الرحلة إلى سوريا تمثل الإفلات من الأهل، والاستمتاع بالحرية. كانت فترة الخروج من القمع العائلي، وفي الصغر لم نكن نفهم القمع المجتمعي والسياسي، كنا نعرف فقط القمع العائلي. فيلمي يبدأ بمشاهد أظهر فيها كيف كنت أنا نفسي طفلة متنمرة على الآخرين، كيف نعادي نظام القمع الذي نراه داخل المجتمع وحتى النسيج الشخصي والعائلي.

swissinfo.ch: عملك السينمائي هذا يعالج الوضع السياسي والإنساني في سوريا، من خلال مسيرة أسامة وشهادة أصدقائه وبعض المختصين بالقانون الدولي والصحفيين، هل لك بشكل عام نشاطات سياسية أو إنسانية أخرى؟

بثينة بوسلامة: لا، أنا نشاطي كان فقط من خلال قصة أسامة، البحث عنه بالذات، ما جعلني في اتصال مستمر مع الناشطين، ولكن نشاطي فنّيّ فقط، يمكنك القول، هو نشاط فني عن قضية إنسانية. إنّها مشاركتي بالطريقة التي أعرفها والوسيلة التي اتقنها بتوثيق عمل الناشطين، حيث يظهر عملهم عبر وسائل أخرى، إدارية وحقوقية لا تخرج بشكل سهل إلى المجتمع الخارجي، من قراء ومشاهدين، أنا لا أعرف شخصاً يقول هيا بنا لنقرأ تقرير منظمة حقوق الإنسان. والأرقام المذكورة في الفيلم تأتي من هذه التقارير.

swissinfo.ch: ولكن الناس تقرأ الجرائد وتشاهد نشرات الأخبار، ويصلون إلى المعلومة في النهاية وإلى تلك الأرقام، ما خصوصية توثيق هذه الأرقام والأوضاع الإنسانية عبر عمل سينمائي وثائقي كفيلمك هذا؟

بثينة بوسلامة: أجل بالفعل، الصحافة توصل هذه المعلومات إلى الجميع، وإلى جمهور السينما أيضاً، في العمل السينمائي، ومع عمل الصحافة، نحاول أن نوصل الحقائق إلى الناس، كما يقول المصريون "نحنا عملنا اللي علينا والباقي على الله". الهدف هو التوثيق وإبقاء الذاكرة حية، أهم شيء ألّا ننسى، لأننا لو نسينا المعلومات تغيب، المشاعر تغيب، والناس تذهب.

swissinfo.ch: هل يمكن القول إنّ المشاعر التي يحملها المشاهد معه بعد خروجه من الفيلم هي الشيء الذي يضيفه العمل السينمائي على المعلومة؟

بثينة بوسلامة: بكل تأكيد، الناس التي شاهدت الفيلم اليوم، ربما تخرج وتنسى أعداد المغيبين قسراً بالضبط، وأسماء السجون، ما هو "فرع فيسطين" مثلاً، و"مستشفى المسلخ"، ربما لن تتذكر تشعب قضية "التغييب القسري"، ولكنها ستتذكر المشاعر التي هزتها خلال مشاهدة الفيلم، وربما يتذكرون مشاركتهم الضحك في بعض المشاهد، وصدمتهم بالمشهد الذي جاء بعدها، هي محاولة لتوثيق كل شيء.

swissinfo.ch: هناك الكثير من الأفلام التي انتجت عن سوريا وفيلمك نفسه يتطرق لها، مثل فيلم "العودة إلى حمص"، ولكن تلك الأفلام تظهر بعض مشاهد العنف، وأحياناً الكثير منها، عملك لا يظهر أي من تلك المشاهد، يقتصر على الكلام وشهادة المتحدثين، ما الفكرة وراء ذلك؟

بثينة بوسلامة: بالفعل، وهذا كان أول قرار اتخذته عندما بدأت بإخراج فيلمي، في الفيلم نفسه يركز المتحدثون على عدم جدوى اظهار تلك المشاهد، فهم يقتلون أمام الكاميرات، ولكن تلك الصور بكثرتها فقدت مفعولها. ولذلك قررت منذ بداية الفيلم أن أغري (أجذب الناس لمشاهدة الفيلم) المشاهد بطرق أخرى، ومن ثم في النهاية، الجميع يستطيع رؤية تلك المشاهد عبر الإنترنت، ومن الواضح أنّهم لا يريدون رؤيتها، فهي متوافرة في كل مكان. بالإضافة إلى شعور شخصي، بأننا يجب أن نحترم هؤلاء الموتى والمعذبين. أريد أن أحترم حرمة هذه الجثث التي لم تحترم حرمة حياتها.

swissinfo.ch: ما هي العناصر الفنية التي اعتمدت عليها في اخراج فيلمك؟

بثينة بوسلامة: هناك عنصران يرتكز عليهما الفيلم، الأول هو الخطاب الشخصي، وهو جزء من عملي، فأنا فنانة تشكيلية، وكان هذا الخطاب هو أسلوبي في أعمالي كفنانة، هناك مقولة مفادها "الشخصي مسيّس"، لذلك أعتمد في الكثير من أعمالي على الخطاب الشخصي كمدخل للتحدّث عن مواضيع يهمني التحدث عنها. سواء كان ذلك في فيلم أو في فيديو أو في صورة، أو في لوحة تشكيلية. والعنصر الثاني هو عدم اظهار العنف.

swissinfo.ch: الأسلوب الشخصي جلي في عملك، حيث يبدأ الفيلم بالحديث عن طفولتك ويستمر في متابعة مقتطفات من حياتك، هل كان من الممكن أن يستبدل أسامة بمغيب آخر وهم كثر؟

بثينة بوسلامة: لا، يجب أن أعترف بأنّ الأنانية هي من حركتي، لو لم يكن أسامة في قلبي منذ 20 سنة، لما التفت إلى قضية "التغييب القسري" ولما تحدثت عنها ولما ذهبت إلى الحدود وتحدثت عن انتهاكات حقوق الإنسان. حركني الولد الذي كان يجلب لي الكرز وكأنه يجلب لي الدنيا، فقررت ان أعيده إلى الدنيا. كان اهتمامي بكل صراحة بشخص واحد بأسامة.

swissinfo.ch: هل تعملين أو تخططين لأعمال سينمائية جديد وعمّا تتحدث؟

بثينة بوسلامة: عملي المقبل الأول يتناول انتخابات البلدية التي أعيش فيها في إسطنبول، ما بين الانتخابات الأولى التي ألغيت والثانية، بعكس فيلمي الذي عرض اليوم، الذي استمر التصوير من أجله 4 سنوات، استمر التصوير هنا فقط 19 يوماً. ما يحدث في البلدية يؤثر علينا مباشرة، فالفيلم يركز من جديد على الناحية الشخصية، على حياتي اليومية في تلك الفترة. المشروع الثاني له علاقة بتونس، عن مسيرة جدتي، التي كانت من أشهر مصممات الأزياء التقليدية في الحمامات، الآن أقوم ببحث عن أعمالها، لأن مع وفاتها ووفاة جيلها ممن يقمن بتصميم الأزياء التقليدية، تحتضر هذه الأزياء. فهي عملية بحث عن هذه الثقافة التقليدية، التي تنقرض حالياً كالديناصورات.

swissinfo.ch: كيف تعيشين هذه التنقل بين الثقافات والبيئات المختلفة؟

بثينة بوسلامة: هذه الحالة تُعاش على مستويين، الأول إداري والثاني شخصي. بالنسبة للمستوى الإداري فأنا عشت الرفض والترحيل، وأصبحت لدي قاعدة أن الهجرة هي عبارة عن وثائق تحرك، لا أكثر ولا أقل، وليست عملية بحث عن هوية. أما على المستوى الشخصي، فأنا عمري 37 سنة، ومررت بالعديد من مراحل الضياع، والبحث وأحياناً الغرور، فنحن أحيانا نتشبث بشيء ما للهروب من الواقع ونستخرج منه القوة أو الهوية، وأنا مررت بكل هذه المراحل. 

boutheyna

Neuer Inhalt

Horizontal Line


Instagram FR

Rejoins-nous sur Instagram

Rejoins-nous sur Instagram

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك