Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

صراع جهوي متجدد


الجورا.. حجرٌ في مياه سويسرية راكـدة


بقلم أرماندو مومبيلّي


سكان دوليمون يحتفلون بإنشاء كانتون الجورا الذي وافق عليها الناخبون في استفتاء شعبي بنسبة تجاوزت 80% يوم 24 سبتمبر 1978. (Keystone)

سكان دوليمون يحتفلون بإنشاء كانتون الجورا الذي وافق عليها الناخبون في استفتاء شعبي بنسبة تجاوزت 80% يوم 24 سبتمبر 1978.

(Keystone)

سيتوجّه الناخبون في منطقة الجورا إلى صناديق الإقتراع يوم 24 نوفمبر 2013 للإدلاء بأصواتهم في الاستفتاء الذي من شأنه أن يضع حلا نهائيا لأهم صراع سياسي إقليمي نشب في سويسرا في فترة ما بعد الحرب العالمية. وبغض النظر عن النتيجة، فإن هذا التصويت ما هو إلا دليل آخر على قوة الدولة الفدرالية وعلى متانة نظام الديمقراطية المباشرة.

"لا أدري، هل ستنتهي مشكلة منطقة جورا فعليا هذه المرة أم لا، ولكن، بالتأكيد، يمكن اعتبار كامل العملية السياسية التي أدت إلى هذا التصويت نموذجية، لقد أتاحت لنا تأسيس ثقافة الحوار، وعوّدت الناس على التخاطب، ووحّدت بين طرفين كان يُعتقد بأنهما لا يمكن أن يجتمعا"، على حدّ قول نائب مجلس الشيوخ السابق ديك مارتي، رئيس المجلس الجوراسي المُشترك، الذي تشكلّ في عام 1994 بموجب اتفاق بين حكومتي كانتون برن وكانتون الجورا لتعزيز الحوار والتعاون بين الطرفين المتنازعين.

ويبدو أن المجلس قد حقّق فعلا الهدف من قيامه، ألا وهو إضفاء الطابع المؤسسي على الحوار للتوصل إلى تسوية للصراع الإقليمي، الذي تعود جذوره إلى عام 1815، حين قرر مؤتمر فيينا الحاق إقليم أسقفية بازل لسلطة كانتون برن، وبذلك وجدت منطقة الجورا الناطقة بالفرنسية، والتي تدين بغالبيتها للمذهب الكاثوليكي، نفسها تحت سيادة كانتون ذي أغلبية ساحقة ألمانية اللسان وبروتستانتية الديانة.

استمرت مظاهر الإستياء بشكل متقطع ولفترة طويلة من الزمن، بينما بدأ يظهر في النصف الأول من القرن الماضي شعور قوي بالتهميش الثقافي والإقتصادي، ولم تكن التلال والجبال فحسب هي التي تشكّل عازلا، بل تولّد أيضا شعور بأن هناك إهمال ولامبالاة من جانب سلطات كانتون برن، خاصة بالنسبة للخدمات والبنية التحتية والسكك الحديدية والطرق، أضف إلى ذلك، ظهور نوع من الإحساس بالامتعاض من تزايد "ألْمَنَة" (نسبة إلى هيمنة اللغة الألمانية) المناطق الواقعة في أقصى الجنوب حيث غدت تُستوطن أكثر فأكثر من قبل السويسريين الناطقين بالألمانية وخصوصا من أهالي برن.

صدع وجودي

بعد الحرب، بدأت تظهر بواكير حركات التمرد، كان منها التجمع الجوراسي، الذي تبلورت في إطاره مطالب الحكم الذاتي ثم الإستقلال عن كانتون برن، وفي نفس الوقت، نشطت حركة المعارضين للإنفصال من خلال تأسيس اتحاد الوطنيين الجوراسيين.

"في البداية، كانت المسألة الجوراسية أكثر ما تستقطب النُّخَب، وفي غضون سنوات قليلة، أصبح من شبه المستحيل أن يكون هناك من لا يتحيّز لطرف أو لآخر، وظهرت حالة من الإستقطاب الحتمي، كادت تحدث صدعا داخليا يهدد الوجود"، كما يذكر برنار فوتا، الأستاذ في معهد الدراسات الدولية والسياسية في جامعة لوزان.

بيرنار فوتا، الأستاذ في جامعة لوزان

بالنسبة للإنفصاليين، يشكل أهالي الجورا شعبا واحدا يجمع بين أفراده التاريخ العريق والهوية المشتركة، أما بالنسبة للمعارضين للإنفصال، فإن الزعم بأن هناك شعب جورا هو ضرب من الخيال

ارتكز النقاش في البداية حول تعريف هوية الجورا، استنادا إلى المعايير الإثنية والثقافية واللغوية والدينية. ويقول فوتا: "بالنسبة للإنفصاليين، يشكل أهالي الجورا شعبا واحدا يجمع بين أفراده التاريخ العريق والهوية المشتركة، أما بالنسبة للوحدويين المعارضين للإنفصال، فإن الزعم بأن هناك شعب جورا هو ضرب من الخيال، في ضوء وجود انقسام سواء على المستوى الجغرافي أو الثقافي أو الديني".

وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي، ما لبثت أن احتدمت المواجهة إثر ظهور حركات وجبهات جديدة: انفصالية (Béliers وجبهة تحرير الجورا)، ووحدوية (Sangliers)، وغالبا ما كان يحل محل لغة الحوار أعمال شغب صادمة، بل وأيضا أعمال عنف، فقد كان الإنفصاليون يضرمون النار في المباني الفدرالية والمزارع، ويملؤون الشوارع وواجهات البيوت بشعار "جورا حرّ"، ويحتلون السفارات السويسرية في الخارج، كما شيدوا جدارا رمزيا عند مدخل البرلمان الفدرالي في برن، وهكذا استضافت الحكومة الإسبانية في عهد فرانكو أول "لاجئ سياسي" سويسري.

الحق في تقرير المصير

في الأثناء، بدأت المسألة الجوراسية تلفت انتباه وسائل الإعلام الأجنبية، التي رأت فيها ما يشبه الصراعات القائمة في كل من أيرلندا الشمالية وإقليم الباسك وكورسيكا. غير أن كلود هاوزر، أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فريبورغ، يقول: "في الجورا، لم يصل العنف إلى مستوى ما كان عليه الحال في الصراعات الإقليمية الأخرى، حيث يمكن اعتبار الوضع في الجورا من قبيل الحركات الإقليمية التي عارضت الدولة المركزية في النصف الثاني من القرن الماضي، وكانت تقوم أساسا على مبدأ تقرير المصير، وجاءت على إثر انهاء الإستعمار".

وفي أواخر ستينات القرن الماضي، اضطرت السلطات الفدرالية للتدخل من أجل إيجاد حلّ للمسألة الجوراسية التي طالما أبقتها بين يدي كانتون برن، ولم يكن البحث عن حلّ بالأمر السهل، ذلك أن الجورا يطالب بأراض حدودية ذات هالة قدسية اكتسبتها منذ ولادة الدولة الحديثة في عام 1848، وهو ما أثار نزاعا يهدد على ما يبدو نظاما مركّبا من التوازنات التاريخية والفدرالية والثقافية واللغوية، تقوم عليه الدولة السويسرية.

"خلال تلك الحقبة، صار الجورا بمثابة المؤشر الذي يكشف مدى قدرة النظام الفدرالي السويسري على مواجهة المشاكل المستجدّة، لاسيّما بعد أن اشتدّ عوده وصَلُب قوامه بعد عقود من الزمان، لكن تبدو المسألة الجوراسية وكأنها عصا في عش دبابير، الأمر الذي اقتضى أن تتدبّر سويسرا أمرها وأن تُفكّر في حلول جديدة"، بحسب ما قال كلود هاوزر.

المجلس الجوراسي المُشترك

تم إنشاؤه في عام 1994 من قبل كانتوني برن ​​والجورا، بهدف تعزيز الحوار وإيجاد حل سياسي لما يُدعى في سويسرا بـ "المسألة الجوراسية".

كما أنه يرمي إلى تعزيز التعاون، وللغرض نفسه، إنشاء مؤسسات مشتركة بين الكانتونين اللذين تباعدت بينهما الشقة منذ ولادة كانتون الجورا في عام 1979.

يتكون المجلس من 12 ممثلا عن كانتون الجورا، ومثلهم عن كانتون برن، بالإضافة إلى رئيس معين من قبل الحكومة الفدرالية (وهو اعتبارا من عام 2011، نائب مجلس الشيوخ السابق عن كانتون تيتشينو ديك مارتي).

يتم حلّ المجلس بعد الإنتهاء من عملية التصويت على مستقبل المقاطعات الثلاث الواقعة جنوب الجورا، والتي ظلت تابعة لكانتون برن.

اهتمام خارجي

في السبعينات، بدأت تتبلور جملة من الحلول المستحدَثة، مدعومة بسلسلة متعاقبة من الإستفتاءات التي شملت جميع المستويات: البلدية والكانتونية والفدرالية، قادت في عام 1979 إلى ولادة الكانتون السادس العشرين في سويسرا، حيث انضمت المقاطعات الثلاث الواقعة في الشمال إلى بعضها لتُشكّل كانتون جورا، بينما قرّرت المقاطعات الثلاث الأخرى الواقعة في الجنوب البقاء ضمن كانتون برن، وبذلك حُلّت قضية جورا جزئيا فقط وبقيت المطالبات قائمة.

وفي 24 نوفمبر 2013، سيتعين على أهالي الجورا التوجه إلى صناديق الاقتراع من جديد للتقرير في مصير المقاطعات الثلاث الجنوبية. ومن المفروض أن تسير عمليات التصويت في أجواء مريحة بعيدا عن التوترات التي سادت حقبة السبعينات، ويعود الفضل في ذلك إلى الجهود التي قام بها المجلس الجوراسي المشترك الذي استطاع على مدى عشرين عاما من الوساطة بين الطرفين، أن يهيّئ الظروف المناسبة لإجراء الاستفتاء.

وجدير بالذكر، أن هناك أطرافا عدة من الخارج أبدت اهتماما كبيرا بهذا الاستفتاء وبمعاينته عن كثب. فخلال الأشهر الأخيرة، زار سويسرا وفد لبناني، ووفود من أكثر من عشرة بلدان أوروبية شرقية للإطلاع على سير الأحداث في العملية الديمقراطية لحل المسألة الجوراسية، وهو ما علّق عليه ديك مارتي قائلا: "بينما تُسند مهمة معالجة المشاكل الداخلية في كثير من البلدان إلى أطراف أخرى، في سويسرا أُسندت المسألة الجوراسية إلى أهلها، وبالتأكيد أن أسلوب المعالجة وفق أدوات الديمقراطية المباشرة وفّق إلى تنفيس جملة من التوترات".

اختبار للمستقبل

ووفقا لنائب مجلس الشيوخ السابق، يُمثّل الاستفتاء في الجورا اختبارا مهما لسويسرا الغد، إذ سيعيد نوعا ما رسم خارطة حدود الكانتونات بشكل عام: "الحاصل أن الكانتونات الحالية تخسر وبسرعة أهميتها على المستوى السياسي: ففي سياق العلاقات الدولية المتزايدة، أصبحت كثير من القرارات تُتّخذ على مستوى فدرالي، ولا تكاد تمر جلسة برلمانية دون نقل صلاحيات كانتونية إلى السلطة الفدرالية".

"كما فقدت التقسيمات الكانتونية اهتمامها لدى المواطنين، فمعظم السويسريين يقطنون في كانتون ويعملون في آخر، وفي ظني أنه في غضون 10 أو 20 عاما ستكثر الإستفتاءات التي تنادي بضم بعض الكانتونات إلى أخرى، بحيث لن يبقى سوى 7 أو 8 كانتونات على وجه الإحتمال، لا سيّما وأن عمليات اندماج مماثلة جرت منذ سنوات وما زالت تجري على مستوى البلديات"، كما يقول ديك مارتي.

محطات رئيسية في تاريخ الصراع الجوراسي

في عام 1815، بعد سقوط نابليون، قرر مؤتمر فيينا إلحاق إمارة أسقفية بازل بكانتون برن، علما بأن هذه الإمارة تضم سبعة أقاليم وهي: بورونتروي، ودوليمون، لي فرانش مونتاني، وموتيي، وكورتولاري، ولانوفيل، ولوفون.

منذ الخمسينات، بدأت دعوات انفصالية تنتشر في مناطق الجورا التابعة لكانتون برن.

في عام 1974، أبدى غالبية سكان الجورا عبر صناديق الإقتراع موافقتهم على إنشاء كانتون الجورا، حيث وافقت كل من بورونتروي ودوليمون، ولي فرانش مونتانيْ على الإنفصال بينما عارضته الأقاليم الجنوبية. 

في عام 1978، وافق الشعب السويسري بنسبة 82,3٪ على قيام الكانتون الجديد، الذي يتألف من مقاطعات دوليمون وبورونتروي ولي فرانش مونتاني.

في عام 1979، أصبح كانتون الجورا سياديا.

 

يناير 1993: مقتل ناشط انفصالي في برن على إثر تفجير قنبلته اليدوية الصنع.

في عام 1994، بعد تجدد التوترات، تم إنشاء هيئة للمصالحة تحت مسمى المجلس الجوراسي المُشترك مهمته السعي لوضع حل نهائي للنزاع.

في عام 2012، بناء على المقترح الذي تقدّم به المجلس وقّع كانتونا برن والجورا على إعلان نوايا ينص على تنظيم استفتاءين في وقت واحد في كل من كانتون الجورا وإقليم جورا برن.

في عام 2013، يُبدي مواطنو كل من كانتون الجورا والمناطق جنوب الجورا التابعة لسلطة كانتون برن، رأيهم بشأن اقتراح يقضي بدمج القسمين في كانتون جديد

swissinfo.ch



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×