Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

صرخة فزع لليونسكو من جنيف


تحذيرات من تحول استهداف معالم الإرث الإنساني إلى "وسيلة حرب"


بقلم محمد شريف - جنيف


هكذا بدا المسجد الأموي في حلب بعد تعرضه للقصف واستهداف مئذنته في 24 أبريل 2013. (Keystone)

هكذا بدا المسجد الأموي في حلب بعد تعرضه للقصف واستهداف مئذنته في 24 أبريل 2013.

(Keystone)

بعد أن تحول نهبُ المواقع الأثرية، ومعالم الإرث الانساني في مناطق الصراعات المسلحة إلى "وسيلة حرب" وإلى إحدى أدوات "إخضاع الخصم وطمس هويته"، اعتبرت المديرة العامة لليونسكو أن مواجهة الظاهرة تستوجب "تشديد القوانين الدولية" لردع استهداف المعالم الثقافية والدينية، ولمنع نهبها من جهة، وللتسريع، من جهة أخرى بإعادة ترميمها لكي تبقى شاهدا بالنسبة للأجيال القادمة.

مساء الأربعاء 16 ابريل 2014، استعرضت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، البلغارية إيرينا بوكوفا، أمام حضور غفير تابع المحاضرة التي ألقتها في جامعة جنيف، الوضع الحالي للعديد من المعالم الأثرية المُدرجة على قائمة الإرث الإنساني العالمي التي تحولت إلى هدف تتقصده الجماعات المتطرفة أو تستهدفه شبكات الإجرام والتهريب المتخصصة.

ومثلما كان متوقعا، تعلقت العديد من الحالات التي تعرضت لها بالمعالم التاريخية والحضارية الموجودة في العالمين العربي والإسلامي من مالي إلى افغانستان مرورا بليبيا ومصر وسوريا والعراق.  

وسيلة لطمس الهوية الثقافية للآخر

إضافة الى التدمير والنهب الذي تتعرض له معالم الإرث الإنساني في مناطق الصراعات، شددت المديرة العامة لليونيسكو على الإستهداف الذي يُراد به طمس الهوية الثقافية للخصم. وهذا ما حدث مثلا في الحرب التي شهدتها يوغسلافيا السابقة في بداية التسعينات عندما "شرعت الأطراف المتصارعة في سراييفو ودوبروفنيك في حرق المكتبات واقتلاع لافتات أسماء الشوارع، من أجل إصابة العدو في العمق ومحو تاريخه وهويته"، على حد قولها. وهذا ما ينطبق أيضا على  تدمير جسر موستار في البوسنة والهرسك "الذي لم تكن له أي دلالة استراتيجية أو عسكرية، بل فقط لتعميق الهوة بين الطوائف وفصلها عن بعضها البعض"، كما قالت.

نفس السيناريو تجدد لاحقا في أفغانستان وبنفس المنطق، من خلال تحطيم تمثالي بودا في باميان (اللذان يُعاد ترميمهما حاليا بدعم إيطالي)، وفي العراق بتدمير مسجد الإمام العسكري (الذي أعيد بناؤه بمساعدة اليونسكو)، وفي ليبيا عندما تم تحطيم "زاوية الدهماني" مثلا بواسطة جرافة.

أما ما حدث في مالي على يد الجماعات المتطرفة، وبالأخص حرق الزوايا في تومبوكتو، وإتلاف كتب مكتبة أحمد بابا (التي تحتوي على حوالي 300 ألف كتاب ووثيقة مخطوطة لا زالت تحتاج الى تحليل ودراسة)، فقد وصفته المديرة العامة لليونيسكو بأنه كان "عبارة عن عمل مقصود يهدف لمحو هوية شعب وإرهاب السكان وإرغامهم على الخضوع".

وفي حالتي الصراع المسلح في مالي، ومتحف القاهرة أثناء أحداث الثورة المصرية، وجّهت المديرة العامة لليونسكو تحيّة إجلال وتقدير للمواطنين في البلدين الذين حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث الانساني الثمين، وقالت: "إن سكان تومبوكتو هم الذين قاموا بخزن الوثائق أو تهريبها إلى مناطق آمنة رغم المخاطر"، أما المصريون فقد "شكلوا سلسلة بشرية لحماية متحف القاهرة أثناء مظاهرات 2011".

في السياق، استخلصت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو أنه "إذا كان الإرث الثقافي الإنساني يُستهدف مباشرة فلأنه يحمل قيما ومعالم أساسية للحفاظ على الهوية. ولذلك يجب أن تُصبح حماية الإرث الثقافي الانساني جزءا لا يتجزأ  من العمليات الطارئة والتي لا يجب فصلها عن حماية الأرواح البشرية".

دعم سويسري لجهود اليونسكو لحماية التراث الإنساني

اعتبرت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو أن تنظيم ندوة حول حماية المعالم الأثرية والثقافية التي تدخل في إطار الإرث الإنساني في مدينة جنيف أمر بديهي، ذلك أن "هذه القيم هي في قلب التاريخ السويسري، وهو ما يجعل من سويسرا فاعلا هاما في نشاطات منظمة اليونسكو من خلال التزامها المعنوي والمادي إما على مستوى السلطات الرسمية، أو الوكالة السويسرية للتعاون والتنمية، أو المؤسسات الخاصة والجامعات، في إعادة تأهيل الإرث الإنساني في مالي، وافغانستان، وسوريا، إضافة إلى الإلتزام في مجالات الماء والتعليم للجميع "، على حد قول السيدة إيرينا بوكوفا.

فيما يتعلق بالأوضاع في مالي، تُسهم سويسرا بحوالي مليون يورو في عمليات ترميم الزوايا والمراكز الدينية التي تعرضت للتدمير أو التحطيم.

وفي الحالة المصرية، أسهمت برن في تكوين عمال المتاحف في مصر قبل ثورة 25 يناير 2011، وهو "ما سمح بلعب دور هام في التصدي للهجمات التي تعرض لها متحف القاهرة في شهر يناير، وفي حماية معالم أخرى"، مثلما قالت المديرة العامة لليونسكو.

للتذكير، أقدمت سويسرا قبل سنوات - وفي إطار محاربة عمليات الإتجار بالقطع الأثرية المنهوبة والمُهرّبة - على إعادة مجموعة من القطع الأثرية الى المتاحف العراقية بعد ضبطها في صفقة تجارية مشبوهة.

"وسيلة حرب" في القرن الحادي والعشرين

في سياق متصل، أقـــرّت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو بأنه "من الصعب، أثناء الصراعات المسلحة، وفي مواجهة هول وبشاعة الأزمات الإنسانية المترتبة عن ذلك، أن نتحدث عن الثقافة وعن الإرث الثقافي الإنساني"، لكنها اعتبرت أن "الإرث الثقافي الإنساني الذي كان يُنظر له في السابق على أنه اهتمام من الدرجة الثانية أثناء الصراعات المسلحة، تحول اليوم إلى واجهة الصراعات المسلحة في الحروب الجديدة التي شهدها القرن الحادي والعشرون، ليس فقط في الصراعات بين الدول بل أيضا في النزاعات الداخلية". وقدمت أمثلة على ذلك بما "حدث في تسعينيات القرن الماضي في سراييفو، وبعدها في افغانستان، فالعرق، وليبيا، ومالي".

المديرة العامة لليونسكو استعرضت بإسهاب ما تتعرض له المعالم الأثرية في سوريا من نهب وتدمير، وقالت: "هذا ما نشاهده اليوم أيضا في سوريا حيث أضيفت المأساة الثقافية الى المأساة الإنسانية الطارئة، مما يعمل على تعميق الجروح، والصدمة التي ستصيب المجتمع السوري على المدى الطويل".

السيدة إيرينا بوكوفا، أرفقت حديثها الذي تابعه الجمهور في مدرج جامعي مكتظ، بصور تُظهر المواقع الأثرية السورية قبل وبعد تعرضها للقصف والنهب، مثل "قلعة صلاح الدين (تُعرف أيضا بقلعة الأكراد أو قلعة الحصن) التي تحولت الى موقع عسكري، والمدينة القديمة في حلب التي تم نهبها، وصومعة المسجد الكبير التي تم تحطيمها، وآثار القصف التي أصابت مآثر تعود لعدة قرون في كل من بُصرى ودمشق وتدمر".

ومن خلال المعطيات التي أوردتها المديرة العامة لليونسكو، بدا واضحا أن المعالم الأثرية لم تكن ضحية لتأثيرات جانبية فرضتها ظروف الحرب أو المواجهات المسلحة، بل تعرضت لنهب مقصود ومخطط. وفي هذا الصدد، عرضت السيدة بوكوفا صورا لمواقع أثرية في تدمر وفي افاميا (قلعة المضيق) التي تعرضت "لعمليات بحث عن الآثار بشكل غير مشروع ومكثف تم فيها فصل بعض القطع التي يسهل فصلها ونقلها". وهو ما دفع المُحاضرة إلى الإستنتاج بأن "الإرث الانساني لم يعد مجرد ضحية ثانوية، بل أصبح مُستهدفا بالدرجة الأولى وبشكل مُتعمّد".

"تعزيز" القوانين و"تسريعُ" عمليات الترميم

في الأثناء، تعتبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة أن أفضل ردّ على هذا الإستهداف يتمثل في تعزيز المعايير الدولية لمنع عمليات التهريب وإعادة القطع المسروقة من جهة، والتسريع من جهة أخرى في إعادة تأهيل وترميم المعالم التي تعرضت للتحطيم والنهب.

ففي مجال الترميم، أشارت المديرة العامة الى "الإنتهاء من ترميم زاويتين من بين الأربعة عشر زاوية التي تم تحطيمها في مالي، وإعادة بناء تمثالي بودا في باميان بمشاركة إيطالية". من جهة أخرى، سمح ترميم جسر موستار سنة ألفين في البوسنة بتوجيه رسالة تحدّ لأولئك الذي سعوا إلى إيجاد قطيعة بين الطوائف العرقية والدينية في البلاد أثناء فترة الحرب.

أما على مستوى القوانين والمعايير الدولية، ذكّرت المديرة العامة في محاضرتها بالجهود التي بُذلت منذ حوالي 60 عاما، بدءا بمعاهدة لاهاي في عام 1954 التي تعتبر المعاهدة الدولية الوحيدة المتعلقة بحماية الإرث الثقافي أثناء الصراعات المسلحة، مرورا بمعاهدة عام 1970 المتعلقة بمكافحة الإتجار غير القانوني بالممتلكات الثقافية (التي تعتبر بمثابة المعاهدة الدولية لحماية الإرث الثقافي في وقت السلم)، وانتهاء بمعاهدة عام 1972 المتعلقة بالإرث العالمي والطبيعي.

وفي ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها طبيعة الحروب والنزاعات الحديثة، ترى المديرة العامة لليونسكو أن "القوانين الخاصة بحماية الإرث الثقافي تتطور بدورها"، واستشهدت بمثال السيدة فاتو بن سودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية التي "اعتبرت مؤخرا أن مهاجمة المعالم الثقافية والدينية في مالي هي بمثابة جريمة حرب بموجب ميثاق روما"، المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

في هذا السياق، يُذكر أن محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا سابقا قد اعتبرت في عام 2001 ، أن "الهجمات ضد الإرث الثقافي قد تشكل شكوى يمكن اعتمادها في جرائم الهجوم الذي تم ضد ميناء دوبروفنيك" الكرواتي في عام 1991.

أخيرا، اغتنمت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو الفرصة لكي تُذكّـر دول العالم بمسؤوليتها في الإنضمام إلى المعاهدات الدولية الحالية، وبدورها في العمل على تطوير قوانين وطنية تسمح بحماية المعالم الأثرية والإرث الثقافي الإنساني، وحث المجموعة الدولية ومجلس الأمن الدولي على إدماج المسائل المتعلقة بحماية معالم الإرث الثقافي الإنساني ضمن عمليات حفظ السلام التي تقرها الأمم المتحدة في مناطق الصراعات. 

swissinfo.ch



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×