Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

صفقة مثيرة للجدل


مقاتلات "غريبن" لحراسة الأجواء السويسرية؟


بقلم أوليفييه بوشار


 (Keystone)
(Keystone)

سلّط الإختطاف الأخير الذي تعرضت له طائرة مدنية وهبوطها في مطار جنيف الدولي الأضواء مجددا على أوجه القصور التي تعاني منها القوات الجوية السويسرية في التكفّل بمهمّتها الوحيدة، والمتمثلة في الحراسة الجوية. هذه الحادثة المثيرة جاءت أيضا في خضم نقاش حاد لم ينته حول صفقة مقاتلات "غريبن" السويدية، ومدى الحاجة إليها.

في ليلة 16 فبراير 2014، تم اختطاف إحدى طائرات الخطوط الجوية الأثيوبية التي كانت في طريقها إلى روما، وحُوّلت وجهتها إلى سويسرا. رافقت هذه الطائرة في البداية مقاتلات إيطالية من نوع "أوروفايتر"، ثم مقاتلات فرنسية من نوع "ميراج 2000" واصلت مراقبتها حتى هبوطها فوق مدرج مطار جنيف - كوانتران. في الأثناء سجلت القوات الجوية السويسرية غيابا كاملا، فيما اتضح أن السبب يتلخص في أن الطائرات الحربية السويسرية لا تعمل خارج أوقات الدوام المعتادة.

هذه الحادثة، التي انتهت لحسن الحظ من دون سقوط ضحايا، لم تمر من دون إثارة تعليقات ساخرة تجاوزت في مداها إلى ما وراء الحدود السويسرية، لكنها أيضا لم تثر الضحك فقط، حيث جاء رد فعل دينيس فروادفو، رئيس جمعية الضباط السويسريين مُغايرا، وقال في حديث أجري معه على موجات الإذاعة السويسرية العمومية: "كان بالإمكان أن تتحوّل هذه الحادثة التي شهدتها جنيف إلى مسألة خطيرة، وآمل أن تؤدّي إلى فتح أعين السياسيين".

وأيْن كانت مقاتلات F/A-18؟

وزير الدفاع أولي ماورر، عزا عدم قدرة الدفاعات الجوية السويسرية على التدخّل على مدار الساعة إلى نقص الموارد المتاحة، إلا أن هذه الوضعية تحتاج إلى تصحيح. فقد ذكّر الوزير بالقرار الذي أتّخذ في عام 2010 - عقب التماس برلماني - والقاضي بتعزيز قدرات القوات الجويّة لكي تصبح جاهزة للتدخّل في كل الأوقات. ومن المتعيّن أن تصبح حماية الأجواء السويسرية دائمة بحلول عام 2020، وهي فترة زمنية ضرورية لتجنيد وتدريب طيارين جدد.

مع ذلك، لن تكون الزيادة في عدد الموظفين وفي الموارد المالية كافية لتدارك الوضع. وفي هذا السياق، انتهز ماورر الفرصة للتأكيد على أن اقتناء مقاتلات "غريبن" السويدية أضحى ضروريا من أجل "تحسين القدرة على التدخّل بالنسبة للقوات الجوية بشكل مستدام"، مثلما هو الحال بالنسبة للشرطة الجوية، خاصّة وأن المقاتلات الأربع والخمسين من طراز F-5 التي هي بحوزة القوات الجوية وصلت إلى نهاية عمرها الإفتراضي، ومن المتوقع أن يتم التخلّي عن استخدامها نهائيا في عام 2016.

مع ذلك، لا بد من التذكير بأن سويسرا تمتلك أيضا أسطولا جويا يتكوّن من 32 مقاتلة من طراز F/A-18 في حالة ممتازة. ومن وجهة نظر المعارضين لاشتراء طائرات حربية جديدة، يبدو هذا الأسطول كافيا تماما لأداء مهمّة الشرطة الجوية، وهي الوظيفة الوحيدة التي ستواصل القوات الجوية السويسرية الإضطلاع بها. ذلك أن احتمال استدعاء هذه القوات في يوم من الأيام للتدخّل خارج حدود الكنفدرالية أو أن تتعرض للهجوم من قبل قوات أجنبية ضئيل للغاية.

المعارضون - وهم من اليسار - أشاروا على موقعهم الإلكتروني إلى أن "الجيش، وبفضل أسطول مقاتلات F/A-18 يمتلك ما يمكّنه من القيام بمهمة الشرطة الجوية، بل وأفضل مما تملكه البلدان المجاورة التي هي في حجم سويسرا. وقد قام الجيش مؤخرا بتحديثها من خلال تزويدها بأحدث التكنولوجيات، وهي عملية كلّفت الخزينة مئات الملايين من الفرنكات. وليس هناك حاجة للمزيد من المقاتلات لحماية فضاء جوي يمكن القول أنه محميّ أكثر مما هو مطلوب".

إذن، هل أن مقاتلات "غريبن" ضرورية، أم أنه لا لزوم لها؟ هنا، يُلاحظ ألكسندر فوترافير، رئيس تحرير "المجلّة العسكرية السويسرية" والخبير لدى جامعة ويبستر بجنيف، أنه لا بدّ من وضع قيمة ترسانة F/A-18 في نصابها.

وفي تصريحات أدلى بها إلى swissinfo.ch، قال: "بالطبع لدينا موارد تبدو هامة على الورق، ولكن المشكلة بالنسبة لسلاح الجوّ هو المدة الزمنية. كلمّا كان الأسطول أسرع استعدادا للتدخّل، كلما كانت جاهزيته أحسن، والصيانة هي الأخرى يجب أن تكون بمستوى التقنيات المستخدمة في المقاتلات. لقد أجرينا العمليات الحسابية مرات ومرات، وأدركنا أنه بانتهاء فترة زمنية محددة، فإن قيمة هذا الأسطول الذي يشتمل على 32 مقاتلة تتلاشى كالثلج عندما يخالط خيوط شمس دافئة. فهو لا يُمكّن من ضمان الجاهزية للتدخل على مدار الساعة لأكثر من ثلاثة أسابيع"، على حد قوله.  

سيارة "رباعية الدفع" بدلا من "فيراري"

بالإضافة إلى عدد المقاتلات، تثير نوعية هذه الطائرات الجدل أيضا. إذ لا يُوجد إجماع حتى في صفوف المؤيدين لاقتناء طائرات جديدة، حول مقاتلات "غريبن" السويدية، بل كان الكثير منهم يفضّلون شراء طائرات "رافال" الفرنسية أو "يوروفايتر" الأوروبية "الأكثر كفاءة"، حسب رأيهم.

مع ذلك، قبلت الأغلبية في البرلمان بقرار الحكومة اشتراء مقاتلات "غريبن"، لأسباب عدة لعلّ أهمّها انخفاض التكلفة بالمقارنة مع غيرها. وخلال المناقشات تحت قبة البرلمان أشارت كتلة الحزب الراديكالي – الليبرالي إلى أن سويسرا تريد أن تشتري مقاتلات تستجيب لاحتياجاتها أي "رباعية الدفع وليس فيراري".

هذا الرأي يُشاطره أيضا الخبراء في المجال الدفاعي، والذين بحسب رأيهم، كما يقول جون – دومينيك ميرشات، الصحفي المتخصص في المسائل العسكرية "تتناسب "غريبن" تماما مع مهمّة الشرطة الجوية، لأنها مهمّة بسيطة للغاية من الناحية الفنية. والشيء الوحيد المطلوب هو السرعة. ومن المعلوم أن غريبن أو رافال أو يوروفايتر، جميعها تتميّز بعامل السرعة".

  

ويؤكّد ألكسندر فوترافير أنه باقتناء مقتلات غريبن "يتم تلبية احتياجات عمل الشرطة الجوية وتجاوزها. فهذه الطائرات السويدية تمكّننا من تلبية الاحتياجات المتوقعة لمدة الثلاثين أو الأربعين سنة القادمة". وما هو مهمّ اليوم هو الدقّة ونوعية التسلّح والتقنيات ضد التدابير الإلكترونية. وبالتالي يمكن القول إنه حتى الطائرات الصغيرة مثل غريبن يمكن الحفاظ على مستواها التكنولوجي المتفوّق".  

المُهمّات بين "الروتينية" و"الطارئة"

تشتمل مهمّة الشرطة الجوية على نوعين من التدخّل:

"المهمّات العادية"، وهي مهمات روتينية. ويتعلّق الأمر في هذه الحالة بمراقبة طائرات البلدان الأجنبية التي تعبُر المجال الجوي السويسري في رحلات دبلوماسية. أما طائرات النقل الجوية العادية فلا تخضع للمراقبة، إلا في حالة حدوث مشكلة ما.

"المهمّات الطارئة"، هي مهمات التدخلات المستعجلة، أي رصد ومراقبة ومرافقة الطائرات التي تكون المراقبة الأرضية غير قادرة على إيجاد رابط راديوي معها أو تحليق طائرات في منطقة يُحظر فيها الطيران أو تحلق على علو غير مناسب.

في عام 2012، قامت القوات الجوية السويسرية بـ 10 "مهمات طارئة" و207 "مهمّة عادية" في مقابل 14 و350 على التوالي في عام 2011.

واجب الدفاع عن أراضيها

لقد أظهرت تطوّرات حادثة الإختطاف التي تعرّضت لها الطائرة الأثيوبية والتي انتهت أطوارها على أرضية مطار جنيف أن التعاون الدولي في مجال حماية الطيران يعمل بشكل فعال ومُجد. فقد سبق أن أبرمت سويسرا مع جيرانها اتفاقات تنص على "حقّ الملاحقة" تسمح للقوات الجوية للبلدان المتعاقدة بمواصلة المهام التي بدأتها في المجال الجوي السويسري. وعلى أساس من هذا الإتفاق أمكن للقوات الجوية الفرنسية مرافقة الطائرة الأثيوبية المخطوفة إلى حين هبوطها على مدرج مطار جنيف.

هذا التعاون قائم أيضا في إطار حماية التظاهرات العالمية الكبرى التي تنعقد فوق التراب السويسري، أو في ما يخصّ الإجتماع السنوي للمنتدى الإقتصادي العالمي بمنتجع دافوس، لكن تدخّل المقاتلات الأجنبية يقتصر على تقديم الدعم والمرافقة، ومن غير الوارد إطلاقا أن تقوم مثلا بإسقاط طائرة على الأراضي السويسرية في حالة حدوث مشكلة ما.

بناءً على هذه التجربة، لماذا لا تذهب سويسرا إلى أبعد من ذلك، وتوكل مهمّة الشرطة الجوية في أراضيها إلى البلدان المجاورة؟ هنا يردّ جون – دومينيك مارشيت: "بالفعل، يمكن لسويسرا أن تفعل ذلك. ولكن عليها أن تدفع ثمنا، وهذا من الناحية الفنية مُمكن جدا. وهناك حالات من هذا القبيل في أوروبا. فعلى سبيل المثال، تتكفّل إيطاليا بهذه المهمّة لصالح سلوفينيا، ويقوم بها حلف شمال الأطلسي لفائدة بلدان البلطيق".

من جهته، يُضيف ألكسندر فوترافير: "هناك ست دول في الإتحاد الأوروبي توكل مهمّة سلامتها الجوية إلى بلدان اخرى، وبإمكان هذه البلدان القيام بذلك بعد أن تكون قد ناقشت الأمر مع شريكاتها. ولكن سويسرا ليست عضوا لا في الإتحاد الأوروبي، ولا في حلف شمال الأطلسي، وتقع عليها بمقتضى القانون الدولي مهمّة حماية أراضيها. أضف إلى ذلك، فإنه من غير المتأكد أن يحصل اللجوء إلى خدمات طرف خارجي، من دون أن تكون لسويسرا قدرة على مراقبة هذا العمل وضبطه، على الدعم السياسي اللازم لمهمّة من هذا القبيل".

مقارنة بين حملتيْن

تأتي الحملة الإنتخابية التي تسبق اقتراع 18 مايو 2014 والتي سيوافق فيها الناخب السويسري أو يرفض  إشتراء الحكومة 22 طائرة مقاتلة من نوع "غريبن"، عشرون عاما بعد حملة سابقة مشابهة بشأن اشتراء 34 طائرة مقاتلة من نوع F/A-18 .

في مايو 1993، توجت المعركة السياسية خارج البرلمان في حدثيْن هاميْن. في ذلك الوقت نظّمت كل من المعارضة ممثلة في أحزاب اليسار، ومن المؤيدين ممثلين في اليمين مسيرات منفصلة في غضون ثمانية أيّام وقد حضر كل مسيرة منها أكثر من 20.000 شخص.

وخلال الإقتراع الوطني الذي شهدته سويسرا في 6 يونيو من ذلك العام، صوّت ضد تلك المبادرة 57.2% من الناخبين.

جاءت تلك المبادرة بعد 4 سنوات فقط من نجاح مجموعة سويسرا من دون جيش "GSoA" في الحصول على 36% من الناخبين المؤيدين لمقترحها الهادف إلى إلغاء مؤسسة الجيش.

هذه المرة ليس لمؤيدي اشتراء طائرات "غريبن" أو المعارضين لذلك أي خطة لتنظيم مسيرات شعبية. واقتصروا في حملاتهم على وسائل الإعلام العادية، والهجمات المتبادلة عبر الصحف لا سيما حول التدخّل المزعوم للسويد، البلد المنتج والمصدّر لتلك الطائرات.


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×