ظاهرة التزلج بعيداً عن المسارات الممهدة الإنهيارات الثلجية تتصدر عناوين الصحف لكن أعداد الضحايا في تراجع


بقلم
سايمون برادلي


التزلّج خارج المسارات المهيئة لذلك حلم الكثيرين، ولكن هل هم مستعدّون لتحمّل التبعات والمخاطر؟

التزلّج خارج المسارات المهيئة لذلك حلم الكثيرين، ولكن هل هم مستعدّون لتحمّل التبعات والمخاطر؟

(Keystone)

هل تُغوي الجبال المكسوة بالثلج الأبيض البِكر مُمارسي التزلج خارج المسارات المهيّئة والخاضعة للرقابة والصيانة بِخَوض مجازفات أكثر من ذي قبل؟ أم إن مُعدات التزلج الحديثة، وتوقعات الطقس الدقيقة، والتدريب الأفضل للمتزلجين المبتدئين هو ما يحافظ على مستوى متدن من ضحايا الانهيارات الثلجية سنوياً؟

تزيد السحب المنخفضة والثلوج الكثيفة من صعوبة مهمة مارتن في البحث. ومع إنحنائه نحو الأمام وصعوبة تنفسه، يناضل للصعود إلى أعلى المنحدر، ماداً أمامه جهاز كشف ضحايا الإنهيارات الثلجية الأخضر الزاهي.

السهم الرقمي وصوت التنبيه المنتظم الصادر من جهاز الإرسال والاستقبال يشيران عليه بالإستمرار في التوجه نحو اليمين، لكنه غير متيقن من ذلك. ومع شعوره بالحيرة، يدور حول نفسه متردداً ويعود أدراجه. وبعد مضي دقيقتين أو ثلاثة، تشتد الضوضاء الصادرة عن الجهاز بانتظام.

"انه هنا"! يصرخ مارتين. وفي لحظة خاطفة، يقوم بتجميع مِجَس الألمنيوم الخاص به، ويبدأ بإغرازه في الثلج بِحركة لولبية. وبعد ثوانٍ معدودة، يصطدم طرف المِجَس بجسم صلب.

"أحسنت العمل، لقد عَثَرَت عليه"، كما يصرخ الدليل المرافق لمارتن من قرية فيربييه (كانتون فالي)، الذي يراقب العملية عن كثب. هذه المرّة، لم يكن ال"شيء" الذي عثر عليه مارتن إحد ضحايا الإنهيارات الثلجية، ولكنه عبارة عن جهاز إرسال إلكتروني مدفون تحت طبقة عميقة من الثلج في متنزه فيربييه الثلجي، المُخَصَّص للتدريب على استخدام جهاز كشف ضحايا الإنهيارات الثلجية.

تدريب مجاني

ولحسن حظ مارتن لم يكن هذا سوى تمرين – وهو فرصة لتدريب الشاب اليافع على استخدام عدّة التزلج الجديدة التي كان والده قد إشتراها له.

"يبلغ مارتن الثانية عشر تقريباً، وهو متزلج جيد. عندما سيبلغ الخامسة أو السادسة عشر، سيرغب بالتزلج مع رفاقه، وعندها سوف ينتابني قلق شديد"، كما يقول والده، كريستيان شتروخر، الذي يقيم في نوشاتيل. "لقد أدركت أن أفضل طريقة كي لا ينتابني قلق بِشأنه في المستقبل هو تعليمه بالشكل الصحيح".

ومنذ عدة مواسم خلت، دأب منتجع فيربييه غرب سويسرا على تنظيم تدريب مجاني للوقاية من الإنهيارات الثلجية على المنحدرات لصالح زواره. وقد تنامت شعبية هذه الدروس التي لا تستغرق أكثر من ساعة، كما يقول يان ديكاييه، الذي يعمل كدليل محلي.

"لقد رأينا أن عملية البحث في غاية السهولة حتى لصبي في الحادية عشر من العمر. ولكن هذا لا يمثل سوى جزء قصير من عملية الإنقاذ. نحن نبدأ بالبحث، ثُمَّ بالتحقق، ومن ثَمَّ بالحفر، وهو الجزء الأهم والأصعب. فلكي تُخرِج شخصاً مغطى بالثلج لما يزيد عن المتر، ينبغي عليك إزالة 1,5 طن من الثلج"، وفق ديكاييه.

ولم يكن قد مضى سوى يوم واحد فقط على إخراج 5 متزلجين إيطاليين كانوا في جولة للتزلج من تحت الثلج في منطقة ممر سان برنار العظيم قرب الحدود السويسرية الايطالية التي تبعد نحو 20 كيلومترا، بعد أن جرفهم إنهيار ثلجي. وقد توفيت سيدتان ورجلان منهم في وقت لاحق في المستشفى.

عدد الضحايا بين الواقع والمتداول

وبهذا الحادث، يرتفع عدد ضحايا الإنهيارات الثلجية في سويسرا هذا الموسم إلى 25 شخصاً. وفي أوائل شهر فبراير المنصرم، لقى 12 شخصاً حتفهم في غضون ثلاثة أيام فقط بعد تساقط الثلوج بكثافة، رغم التحذيرات بخطورة التزلج بعيداً عن المسارات المخصصة لهذه الرياضة، أو ما يطلق عليه الأوروبيون مصطلح "باككونتري"، أي التزلج خارج المناطق التي تحظى بالصيانة الروتينية، أو دوريات السلامة التي تضطلع بهاُ منطقة التزلج.

وقد وجد هذا العدد الكبير من القتلى صداه في عناوين الصحف السويسرية. ولكن تصاعد عدد الوفيات نتيجة الإنهيارات الثلجية هذا العام يبقى مضللاً، إذ يبدو أن الإحصاءات تروي حكاية مختلفة.

وفي حين ارتفع عدد مُمارسي جولات التزلج ( وهو نوع من التزلج تستخدم فيه زحافات تزلج خاصة تُمَكِّن من التنقل صعوداً وهبوطاً دون الحاجة إلى إزالة الزحافات)، ومُزاولي التزلّج الحر على الثلوج بمزلاجة في الأعوام الأخيرة - حيث ارتفع عدد القائمين بجولات التزلج أربعة أضعاف على مدى الأعوام الثلاثين الماضية ليبلغ 240,000 شخصاً وفق نادي جبال الألب السويسريرابط خارجي - إلّا أنَّ عدد الحوادث الناجمة عن الإنهيارات الثلجية شهد إنخفاضاً مطرداً.

وكان متوسط عدد ضحايا الإنهيارات الثلجية - سواء أثناء التزلج العادي أو باستخدام المزلاجة الأحادية – قد انخفض إلى 22 شخصاً سنوياً على مدى الأعوام العشرين الماضية، بعد أن كان 25 شخصاً خلال الأعوام ال 77 المنصرمة.

وكما أخبر دومينيك بيري، المختص في رياضة التزلج الحررابط خارجي صحيفة "لوماتان ديمونش" (الصادرة بالفرنسية يوم الأحد في لوزان)، لا يعود السبب الرئيسي في تزايد أعداد المتزلجين خارج المنحدرات المخصصة والخاضعة للصيانة والرقابة إلى كون هذه الممارسة باتت "موضة شائعة"، ولكن لوجود شركات نقل جوي منخفضة التكلفة، تجعل ممارسة هذه الرياضة في متناول اليد. "أصبح الإنتقال من لندن إلى جبل مونت فور (في منطقة فيربييه في كانتون فالي) ممكناً في ست ساعات"، كما نقلت الصحيفة عن بيري، الذي أضاف: "اليوم يأتي العديد من الهواة من دول لا وجود لجبال الألب فيها".

وفي المسافة المؤدية إلى جبل مونت فور (بالقرب من فيربيه)، يختفي التلفريك بين الغيوم، حاملاً معه المتزلجين القادمين من جميع انحاء العالم، برفقة زلاجاتهم الضخمة ووسائدهم الهوائية السميكة، والحالمين بالممرات المغطاة بالثلج الكثيف.

سلوك المتزلجين بين الحذر والمخاطرة

ومن قمة الجبل على ارتفاع 3,329 متراً، يوفر الجبل لمتزلجيه مشاهد خلابة، وفرصة الوصول الفوري تقريباً إلى مجموعة واسعة من إمكانيات التزلج بعيداً عن المسارات المُخَصَّصة لهذه الرياضة.

وقد أدى التوجه الأخير لممارسة التزلج خارج المسارات المهيئة والخاضعة للصيانة والرقابة، وارتفاع عدد الوفيات، إلى تصاعد بعض الأصوات المُنتَقِدة لجيل الشباب من المُتزلجين، والحديثي العهد بهذه الرياضة النامية، الذين قد يُقَدَّمون ثقتَهم بالتكنولوجيا الحديثة على التجربة والخبرة، وفق ما كان متعارفاً عليه في السابق.

وفي هذا السياق، أنحى فيرنير مولَّر، الخبير السويسري في الإنهيارات الثلجية والدليل السابق باللائمة على ما أسماه بعقلية "جيل السيلفي" (الصورة الذاتية)، حيث يتسابق الأشخاص ليكونوا أول التاركين لآثارهم على الحقول الثلجية البيضاء البِكر.

وكما أعلم الخبير البالغ من العمر 73 عاماً صحيفة لوماتين "هناك نقص حاد فيما يخص المعرفة بالإنهيارات الثلجية، ما يدفع بالمتزلجين إلى خوض الكثير من المجازفات" .

ويرى الدليل السابق أن جهاز الكشف عن ضحايا الإنهيارات الثلجية والوسائد الهوائيةرابط خارجي، تمنح الناس شعوراً زائفاً بالأمان. واليوم، ومع أحدث طراز من الزلاجات الكبيرة والعريضة للتزلّج الحر في الجبال، فإن باستطاعة المتزلجين المتوسطي الخبرة التزلج إلى أسفل أنواع من المنحدرات الشديدة التي كانت محصورة في السابق بكبار المتزلجين المُتَمَرّسين فقط.

مع ذلك، دافع بيري من جهته عن جيل الشباب بالقول:" الجيل الجديد مُجَهَّز بشكل جيد عموماً، كما يتحلى بالمسؤولية في الواقع. وكما تشير الإحصاءات، فإن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 35 - 55 عاماً هم أكثر تعرضاً للخطر من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 35 عاماً".

أما ديكاييه، فلا يشاطر الرأي القائل بأن الناس اليوم أكثر تهوراً. "أعتقد أن الناس مدربون أكثر ويدركون أن ليس بإمكانهم الإنطلاق والتزلج دون قيود أو حدود. يراودني الشعور بأنهم أكثر حذراً إلى حدٍ ما، كما أنَّهم يعرفون معداتهم بشكل أفضل قليلاً".

وكما تشير التقارير، كان المتزلجين الذين لاقوا حتفهم في ممر سان برنار العظيم، والآخرين الذين توفوا في جبل "بيتس فيلان" في كانتون غراوبوندن في شهر فبراير المنقضي، من ذوي الخبرة في هذا المجال، وقد خرجوا لمُمارسة التزلج مع أن خطر الانهيار الثلجي كان يسجل درجتان وثلاث درجات على التوالي، في مقياس مكون من خمس درجات.

أوَلي موسيمان، عضو مجموعة عمل السلامة في الجبال (SAC)، يرفض هو الآخر فكرة أن المتزلجين اليوم أقلّ إحساسا للمسؤولية - بل إنه في الواقع يرى عكس ذلك تماماً. وقد كشف مقال كتبه في نشرة "جبال الألب" الخاصة بمجموعة عمل السلامة في الجبالرابط خارجي خلال العام الماضي حول مخاطر الرياضة في أعالي الجبال، عن تدني المخاطر المُميتة في ممارسة جولات التزلج: حيث انخفض عدد هذه الحوادث من 11 في السنة لكل 100,000 شخص مُشارك في هذه الرياضة في الفترة الممتدة بين 1984 و1993، إلى 4 للفترة الفاصلة بين 2004 و2013.

كما أكَّد أن التزلج في خارج المسارات المهيّئة والخاضعة للصيانة والرقابة يُمارَس بشكل مختلف من مُمارسي جولات التزلج والتزحلق الحر.

" بعض الأشخاص يستقلون المصاعد إلى القمة دون أي تحضير وتحليل للمنحدر، ثم ينطلقون أسفل الحقل الثلجي"، كما قال.

وهو يشعر أن جولات التزلج وتسلق الجبال أصبحت أكثر أمناً بكثير، بسبب التدريب الأفضل والمعلومات المُتاحة، والمسارات الأكثر أمناً، والمعدات المتوفرة، مثل أجهزة الكشف عن ضحايا الإنهيارات الثلجية، والهواتف الذكية، والإستجابات الأسرع للإنقاذ، مع عدم إغفال النشرات الخاصة بتوقعات الانهيارات الثلجية. 

البقاء على قيد الحياة عند التعرض للإنهيارات الثلجية

تسببت الإنهيارات الثلجية في سويسرا بمقتل 227 شخصاً خلال السنوات العشر الماضية، توفي 40% منهم في كانتون فالي. وحتى الوقت الراهن، لقي 25 شخصاً حتفهم خلال هذا الموسم الشتوي.

ووفقاً للاحصاءات، لا يستطيع سوى شخص واحد بين كل إثنين دفنوا تماماً تحت الثلج (مع الرأس داخل الثلج) البقاء على قيد الحياة. والسبب الأكثر شيوعاً للوفاة في هذه الحالة هو الاختناق، لإن الثلج عادة ما يقطع الإتصال بالهواء الخارجي فيما عدا جيب صغير. لذا، تقل فرص بقاء شخص على قيد الحياة عند دفنه بالكامل بالثلج إلى حدٍ كبير بعد انقضاء 15 دقيقة فقط. وهذا هو السبب في أهمية تدريب رجال الإنقاذ من الانهيارات على السرعة في العمل.

مع ذلك، تبقى هناك مخاطر كبيرة حتى في الإنهيار الثلجي الذي لا يؤدي إلى دفن الشخص تحت الثلج تماماً، حيث تنتج حالة واحدة من كل سبعة حالات وفاة بسبب حدوث إصابة خطيرة.

ويتسبب نحو 90% من الضحايا أنفسهم بحدوث الإنهيارات الثلجية التي تودي بحياتهم، وغالباً ما يتسبب بحدوثها الرجال (في 75% من الحالات)، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 – 30 عاماً، والذين يخرجون في مجاميع مؤلفة من شخصين إلى أربعة أشخاص دون رفقة دليل. وتحدث الإنهيارات عندما تُسجل مستويات الخطر الرسمية ثلاث درجات (في 57% من الحالات)، أو درجتين (في 31% من الحالات) في مقياس مكون من خمس درجات.

وكشفت أبحاث معهد بحوث الثلج والإنهيارات الثلجية العائدة إلى عام 2013، عن مساهمة أساليب الوقاية المُحَسَّنة، وعمليات الإنقاذ الأسرع والأكثر كفاءة، في التقليل من متوسط الوقت الذي يبقى فيه الشخص مدفونا بالكامل تحت الثلج ب 30 دقيقة.

معهد بحوث الثلج والإنهيارات الثلجية (SLF)رابط خارجي

×