Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

فلسطين - إسرائيل: الذاكرة السويسرية تتحدث..




كان جمهور مهرجان فريبورغ السينمائي الدولي يوم 7 مارس على موعد مع انطلاق سلسلة الأفلام المقترحة ضمن بانوراما "فلسطين - إسرائيل": ذاكرة سويسرية".

شريطان وثائقيان سافرا بالمشاهدين إلى الضفة الغربية، حيث يولدُ الاحتلال فقرا تشكو منه العيون والأجساد، لكن بكرامة ومقاومة مدهشتين، بينما اقترح فيلم ثالث تصورا جميلا للعيش معا.

تميز اليوم الثاني من الدورة الـ 19 لمهرجان فريبورغ السينمائي الدولي التي تتواصل من 6 إلى 13 مارس بانطلاق سلسلة الأفلام والأشرطة الوثائقية التي اقترحها الموزع السينمائي السويسري آلان بوتاريلي ضمن بانوراما "فلسطين/إٍسرائيل: ذاكرة سويسرية".

وتخزن الذاكرة السينمائية السويسرية ما لا يقل عن 20 شريطا مطولا أو قصيرا أو وثائقيا من تصوير مخرجين سويسريين أو "مقربين من سويسرا"، كما يصفهم السيد بوتاريلي، حاولوا نقل جوانب مختلفة من واقع الفلسطينيين والإسرائيليين على مدى 35 عاما.

وقبل عرض الأشرطة التي تمت برمجتها يوم الإثنين، حرص السيد بوتاريلي الذي رحب بالجمهور على التذكير بأن الأعمال السينمائية السويسرية حول الشرق الأوسط أثمرت إبداعات حديثة العهد مثل الشريط الوثائقي "العشاء الأخير" الذي مازال في غرفة المونتاج، والذي سيعرضه مهرجان فريبورغ للمرة الولى في نهاية الأسبوع، وهو للمخرجين السويسري نيكولا فاديموف والفسلطيني عيسى فريج.

الاحتلال "الخفي الظاهر"

وكانت إلى جانب السيد بوتاريلي المخرجة السويسرية ناتالي فلوكيغر التي رافقت الجمهور أثناء عرض شريطها الوثائقي "في أفق الحجر" (A l’Horizon des pierres) الذي افتتح سلسلة "فلسطين/إسرائيل: ذاكرة سويسرية".

شهد الشريط عام 1998 على مشاكل ومعاناة مجموعة صغيرة من النساء الفلسطينيات أثناء مشاركتهن في مشروع إقامة مركز نسائي مستقل في بلدة صغيرة بالضفة الغربية. وكانت هؤلاء النساء تـسعى إلى ضمان مكسب لائق وعيش كريم عبر نشاطات تعاونية. لكن الظروف السياسية والاجتماعية تحد من حرية تنقلهن وتكسر جهودهن.

قبل عرض الشريط الوثائقي، أوضحت المخرجة الشابة أن عملها هذا كاد أن يُـلغى في آخر لحظة وأن "ظروف التصوير لم تكن سهلة". فبعد وصولها إلى عين المكان، وجدت نفسها أمام وضع وصفته بـ"المشوش والمعقد". وفي الأخير، منُح للسيدات أجل ثلاثة أشهر ليتحول مشروعهن إلى مركز مستقل.

أرادت المخرجة أثناء مرافقتها لنساء القرية الصغيرة نقل حياة فلسطينية بعيدة عن مشاهد الاحتلال اليومية التي تلتقطها كاميرات وسائل الإعلام. لكن الواقع كان أقوى من إرادتها.

صحيح أن شريطها الوثائقي خال من أي تواجد "جسدي" للاحتلال: لا نرى جنديا إسرائيليا واحدا.. ولا دبابة، ولا دوي صاروخ أو تفجير.. لا أطفالا فلسطينيين يرمون الحجارة ولا مسلحين مقنعين...لا شيء مما يخطر على البال عندما تُذكر فلسطين أو إسرائيل.

لكن التواجد "الخفي" للاحتلال جلي، بل راسخ في ملامح النساء التي التقطتها كاميرا المخرجة فلوكيغر في بلدة ساسير (Sacir).

نساء قهرهن فقر ظاهر على هندامهن وطعامهن وكل ركن من بيوتهن. فقر نحت تقاسيمه على أيديهن التي نهشتها قسوة حياة تجهل وسائل الراحة. أياد تطبخ وتنظف وتغسل وتكنس وتُربي...لكنها أياد موهوبة تريد أيضا أن تنتج وتكسب. فهي أياد حرفية، أياد تطرز وتصنع "الديبس" (عجين العنب) وتطحن الزعتر وتجمع الزيتون وتزرع الفطر...

لكن الإنتاج شيء وتسويقه شيء آخر. فمن جهة، هناك الحصار الذي يحول دون تنقلهن لبيع سلعهن. ومن جهة أخرى، لا يقوى المستهلك الفلسطيني العادي على شراء منتجاتهن، مثل التطريز، لأن سعرها يظل مرتفعا مقارنة مع ما يتوفر في السوق. ثم إن معظم النساء الفلسطينيات تتقن فن الطرز ولا تحتجن إلى شراء أقمشة يمكن أن تصنعنها بأنفسهن.

لم يبق إذن سوى إيجاد مستهلكين في الخارج أو إقناع سياح بشرائها في الداخل. لكن كيف الوصول إلى قنوات في الخارج في جمعية صغيرة تتخبط لتكوين نفسها وبدأت تفقد أعصابها تحت ظروف الاحتلال؟ وهل تزخر شوارع منطقة محتلة بالسياح؟

بعد مشاهدة الشريط، أخبرت المخرجة فلوكيغر الجمهور أن مشروع النساء حصل على تمديد أجل التنفيذ لمدة ثلاثة أشهر إضافية... وأنه لم ير النور أبدا... وعندما سألتها سويس انفو عن أقوى أثر تركته فيها تلك التجربة، أجابت "كل شيء يتحول إلى شأن سياسي (...) فمثلا عندما تتحدث نساء الشريط عن السياسة، تتحدثن كسياسيات محترفات، إنه أمر بهرني (...) حضور السياسة في كل أوجه الحياة شكّـل صدمة بالنسبة لي".

"أحلى عيشة عايشين"..في سجن!

تابع الجمهور أحداث الشريط الوثائقي الثاني للمخرج السويسري فابريس لوسيغو والذي يحمل عنوان "الحرية المحبوبة" (Liberté chérie).

محبوبة بالفعل. وقد لا يحبها ويقدرها أكثر من فاقدها. الشريط الذي صور عام 2003 ينقل واقعا مؤثرا وأليما جدا. مجموعة من العمال الذين فروا من قطاع غزة للعمل سرا في رام الله بالضفة الغربية، يظلون محبوسين لمدة 24 شهرا داخل معمل خياطة بسبب حظر التجول الذي تفرضه القوات الإسرائيلية.

أحدهم لم ير بعد طفله الذي ولد بعد خمسة أشهر من مغادرته غزة. يتصل بأسرته بالهاتف فيسأله أحد أبنائه: "ما لون بشرتك يا أبي؟". يقول لهم "أعتقد أنني سأعود قريبا"، وكأنه مهاجر في أستراليا أو البرازيل وهو لا تفصله سوى حواجز إسرائيلية عن بيته.

يعيش العمال مكدسين في غرف تشبه الزنزانات. فيها ينامون ويأكلون ويدخنون السجائر والشيشة ويشاهدون القنوات الفضائية على شاشة صغيرة، نافذتهم الوحيدة على العالم. يغسلون ملابسهم وينشرونها على الأسلاك المحيطة بمعملهم، يترددون قبل الخروج لشراء متطلباتهم خوفا من إطلاق النار.

يقومون بنفس الحركات يوميا في المعمل. قص وخياطة وكي..قص وخياطة وكي.. قص وخياطة وكي..لكن الابتسامة لا تغيب لا عن العيون ولا عن الوجوه ولا عن القلوب.

عمال في عز الشباب والقوة. يحلمون بالحرية والحب والزواج. يحرصون على أناقتهم وسط سجنهم، يتزينون ويحلقون رؤوسهم بانتظام. لا يستسلمون للهم. يقاومون العنف الذي يغلي في أجسادهم بممارسة الملاكمة وفنون الحرب في غرفة من المعمل. يرقصون ويتغنون، حتى البكم منهم.

أحدهم يواجه كاميرا المخرج لوسيغو ويقول بثقة وتفاؤل يُخجل من يشتكي من مشاكل يومية تافهة في مجتمع "حر": "ما لها عيشتنا؟ أحلى عيشة عايشين، إحنا مـِش مُدمرين".

نفس الشاب يصرخ: "العالم لا يسمعنا"، "لكن سيأتي يوم سنكون فيه أحرارا".

ما قـل ودل

أما الشريط الثالث الذي عرض على الجمهور، فلم يتجاوز ثمان دقائق للمخرج السويسري الشاب لويس هوسلر. كان تجسيدا جميلا لمثل "خير الكلام ما قل ودل"، أو ربما "خير الصور ما قل ودل" في لغة السينما.

الشريط يحمل عنوان "الملعب" (Le Terrain)، صوِّر عام 2000. أما الأبطال فهم أطفال فلسطينيون وإسرائيليون يتصارعون من أجل امتلاك ملعب كرة قدم. قرروا خوض مباراة تحدد نهائيا صاحب الملعب. قصة تجسد نزاع أرض متواصل بين الطرفين، وتقترح تصورا للعيش معا بسلام.

بدأت المقابلة ..تمريرات ومراوغات..وطفلتان فلسطينيتان خجولتان تتأملان براعم كرة القدم في الفريقين. طفل إسرائيلي يسقط ويصاب بتوعك. الفريق الفلسطيني يقترح تعويض اللاعب الإسرائيلي بلاعب فلسطيني. المباراة تتواصل.

الطفل الإسرائيلي المصاب ينعزل لتضميد إصابته، وإحدى الطفلتين الفلسطينيتين تتفقد حاله بابتسامة خجولة وبعيون مُعجبة.. لكن صاحبتها تناديها فتنسل بسرعة. الفريقان يكملان المباراة إلى سقوط الظلام. عميدا الفريقين يقرران مواصلة المقابلة اليوم الموالي ومزج الفريقين...

فهل يمكن بعد انسجام الفريقين تحديد المنتصر أو مالك واحد للملعب؟ أو بالأحرى هل ستصل رسالة هؤلاء الصغار إلى الكبار في كلا الطرفين؟

إصلاح بخات - سويس انفو - فريبورغ



وصلات

×