تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

mussa

حصل فيرهاد موسى على الماجستير في الهندسة الطبية الحيوية من جامعة حلب السورية، وبعد انتقاله إلى سويسرا انضم في عمل تدريبي إلى مركز أرتورغ لبحوث الهندسة الطبية الحيوية التابع لجامعة برن.

(Daniel Rihs/13 Photo)

تتسبب الهجرة عادة في حرف مسيرة الإنسان عن مسارها الطبيعي، ويطرح حلول الإنسان بمكان لم يألفه من قبل تحديات ومصاعب جمة، قد يسعفه الحظ في بعض الأحيان، فيستأنف رحلة حياته المهنية من حيث توقّف قطارها في بلده الأصلي بيسر وسلاسة. وقد يجبره الواقع الجديد على بداية المشوار من نقطة الصفر، إن لم يظل يراوح مكانه لسنوات طويلة. 

وضع المهاجرين العرب في سويسرا ليس استثناءً في هذا الباب، وتكاد تتباين مساراتهم بعدد شخوصهم. ومن أجل تسليط الضوء على عدد من التجارب المهنية المتنوعة لأبناء هذه الجالية، اختارت swissinfo.ch الحديث إلى عيّنة منهم، فكانت هذه السلسلة من البورتريهات متعددة الألوان، وأستعرض معكم اليوم تجربة فرهاد موسى السورى الكردي الذي قدم إلى سويسرا في عام 2015 كطالب لجوء.

ولد فرهاد موسى في مدينة حلب من أسرة كردية سورية تعود أصولها إلى منطقة عفرين الواقعة بريف حلب. ويعرّفنا موسى على مدينة حلب التي قضّى فيها كل حياته قبل أن يُجبر على مغادرتها، فيقول متحدّثا إلى swissinfo.ch: "حلب هي العاصمة الصناعية ليس في سوريا فقط، بل على مستوى الشرق الأوسط ككل. وتعرف مدينة حلب بحرفها اليدوية، وصناعاتها الآلية".

أمّا الحلبيون فهم يتميّزون بـ "النشاط والعمل الدؤوب، ويتواصل نشاطهم إلى الهزيع الأخير من الليْل". كما يتعوّد أطفالهم منذ الصغر على "الإنصراف إلى العمل اليدوي خارج أوقات الدراسة، وفي أيام العطل، حتى إذا ما انتهى مشوارهم الدراسي، تكون بحوزتهم شهادات علمية وخبرات عملية، وبشكل عام فإن "الشعب الحلبي عرفان شو بدّو بالحياة"، يقول فرهاد موسى مبتسما. 

الدراسة والعمل قبل الهجرة 

عاش فرهاد موسى في هذه المدينة التي يمكن وصفها بالفسيفسائية. ورغم أنه من الأقلية الكردية بسوريا، يقول: "كان أصدقائي من العرب ومن الأرمن والشركس والتركمان، فالجميع كان يعيش في حلب في أمن وسلام"، الشيء الوحيد الذي لم يكن مسموحا به هو "الحديث في السياسة، أو الترشّح في انتخابات لمنافسة رئيس الدولة مثلا"، يضيف فرهاد موسى. 

في ظل هذا الوئام الإجتماعي، درس موسى الهندسة الإلكترونية في جامعة حلب حيث حصل أوّلا على الإجازة تم تابع دراساته العليا وحصل على الماجستير في الهندسة الطبية الحيوية من جامعة حلب أيضا. 

تردي الأوضاع بسبب عدم الاستقرار ذهب بكل فرص العمل، لذلك لم يتمكّن موسى من العمل قبل مغادرة سوريا سوى لبضعة شهور كمدرّس بإحدى الثانويات الصناعية، وبالتحديد لمواد لها علاقة بأساسيات الإلكترونيات والكهرباء وعلوم الحاسوب. 

رحلة السبعة أشهر 

إضطرّ فرهاد موسى ، بسبب انتشار الاعمال العدائية في كل ربوع سوريا، إلى خوض رحلة لفها الغموس منذ لحظاتها الأولى، قادته إلى تركيا ثم اليونان، ومنها إلى سويسرا. يقول فرهاد موسى: "عند الحدود التركية لاحقتنا دورية من حرس الحدود، وقامت بإطلاق النار فوق رؤوسنا لإخافتنا. لكننا واصلنا طريقنا إلى داخل تركيا مشيا على الأقدام". 

وفي الوقت الذي اتجه فيه السوريون في هجرة جماعية إلى ألمانيا، اختار فرهاد سويسرا: "كنت أعلم أن التعليم فيها متقدم، ومستوى العيش فيها جيد، وفرص العمل متوفّرة، والوضع العام مقدور عليه إذا ما تسلّح طالب اللجوء بالصبر خلال مرحلة الانتظار الأولى التي تستغرقها عملية فحص ودراسة مطالب اللجوء". 

بل يُمكن القول أن خططه المستقبلية كانت على قدر كبيرا من الوضوح: "كنت أنوي وأنا في أيامي الأولى كلاجئ بسويسرا تعلّم اللغة الألمانية، والعمل على الإندماج بأسرع ما يمكن، والحرص على احترام ثقافة البلد وقوانينه، وتجنّب المساعدات الإجتماعية بالبحث عن عمل في مجال تخصّصي، والإعتماد على النفس". 

مرحلة اختبار الإرادات 

لكن تحقيق ما حدّث به فرهاد موسى نفسه وهو في الطريق إلى سويسرا سوف يصطدم بحقيقة الأوضاع الصعبة التي يوضع فيها اللاجئ في مراكز التسجيل. وبالفعل يقول فرهاد "خلال فترة إقامتي بالمركز لم تتح لي الفرصة لتعلّم اللغة أو العمل، او حتى المساعدة في الإلمام بقوانين البلد والنظام الاجتماعي فيه". و"قد ترك هذا الوضع السيء حالة احباط شديدة لديّ في البداية". 

ويقول عن هذه الفترة الصعبة من حياة اللاجئ القادم إلى سويسرا: "فقط الشخص القوي هو الذي يستطيع البقاء على قيد الحياة، والكثيرون يصابون بالإنهيار، وهناك أشخاص حاولوا الإنتحار، وآخرون أصبحوا متوتّرين يختلقون المشاكل من دون أسباب أو مبررات". و"الأولى بالحكومة السويسرية أن تسمح لطالبي اللجوء بتعلم اللغة من أجل تيسير اندماجهم في حالة بقوا في البلد"، يقول موسى.

ولكن في انتظار أن تغيّر سويسرا من سياستها تجاه طالبي اللجوء، لم يبق فرهاد مكتوف اليديْن في هذه الفترة، يقول: "رغم الوضع الصعب حاولت تعلّم اللغة الألمانية وقراءة بعض الكتب حول الوضع في سويسرا، وزيارة بعض المواقع الإلكترونية، والتواصل مع الموظفين في المركز للتعرّف من خلالهم على الواقع المحلي بشكل عام وعن التعليم ومناهجه، والمجتمع وثقافته، وخلقت من حولي شبكة من العلاقات من داخل المركز ومن خارجه". 

في هذه الفترة الصعبة، تمكّن هذا اللاجئ السوري من الحصول على اعتراف علمي بشهاداته العلمية من خلال مؤسسة swissuniversities  التي يوجد مقرّها في برن، فهي الجهة المسؤولة على معادلة الشهادات العلمية والإعتراف بها، وهي الجهة الممثلة أيضا لجميع الجامعات والمعاهد العلمية في سويسرا. وبهذه الطريقة يقول باعتزاز وفخر: "حصلت على الاعتراف بشهاداتي العلمية السابقة: الإجازة السورية تعادل الإجازة السويسرية، والماجستير التي درستها في حلب تعادل الماجستير السويسري في الهندسة، هكذا كان قرارهم". 

الاعتراف القانوني مفتاح الحياة العملية 

عن هذه المحطّة من حياته خارج بلده، يقول فرهاد موسى: "بالفعل حق الإقامة فتح عيني على بلد جديد، وعلى حياة جديدة". لكنه يستدرك حتى لا يساء فهمه "لكل مرحلة تحدياتها، ولكل واقع تطلعاته، ومن ذلك تحويل ما كان مجرد آمال وطموحات إلى وقائع وخطط قابلة للإنجاز". 

ورغم أنه مفهوم مطاط وحمّال أوجه، يظل التحدّي الأوّل لكل مهاجر الاندماج في مجتمع الإقامة. ويقاس أي تقدّم على هذه الطريق بمدى اتقان اللغات الوطنية والانخراط في سوق العمل. فما الذي أنجزه فرهاد في هذا الباب بعد ضمانه وضعا قانونيا مريحا؟ 

بمجرّد حصوله على الإقامة في سويسرا، التحق فرهاد موسى بمدرسة لتعلّم اللغة الألمانية.

(swissinfo.ch)

يجيب: "بعد حصولي على الإقامة، منحت فرصة لتقوية وتعزيز مهاراتي في اللغة الألمانية في إحدى المدارس المتخصصة، وترددت على هذه المؤسسة التعليمية سبعة أشهر في كورس يومي مكثّف". بعد ذلك لم يبق له سوى البحث عن عمل يحقق به استقلاله المادي، ويرفع عنه حرج المساعدات الإجتماعية. 

وبالفعل بعد مراسلات وبحث دؤوب عرض أحد الأساتذة الباحثين على فرهاد القيام بدورة تدريبية لمدة ثلاثة شهور في مركز بحثي تابع لجامعة برن هو مركز أرتورغ لبحوث الهندسة الطبية الحيويةرابط خارجي، ويتلخّص عمله في تطوير نموذج (peototype) اختبار لقياس نسبة السّماع لدى الأشخاص الذين يعانون من مشاكل في هذه الحاسّة. 

هدف هذا المشروع البحثي الذي أوكل إلى فرهاد قبل انتهاء سنتيْن من قدومه إلى سويسرا تطوير تكنولوجيا لقياس مدى الضرر الذي لحق بالقدرة على السماع لدى المرضى بالإستعانة بتكنولوجيا المعلوماتية والحواسيب، وتحويل هذه القياسات من الحالات الثابتة إلى الحالات المتحركة والدينامية. يقوم فرهاد "قمت بتصميم دارة، وببرمجة المتحكّمات الموجودة بهذه الدارة، بالإضافة إلى برمجة تطبيق على الهاتف للتحكم في الدّارة عن طريق البلوتوث، وتوصّنا في النهاية إلى النتيجة المرجوة". 

في الأثناء، عرضت عليه مؤسسة أخرى بكانتون سانت-غالن متخصصة في ترميم وصيانة الديكور الداخلي والخارجي للطائرات العمل معها. وبالفعل، ومباشرة بعد انتهاء فترة التدريب الأولى في مركز البحوث لجامعة برن، انضم فرهاد إلى هذه الشركة الجديدة وبدأ العمل معها منذ بضعة أسابيع. 

خلاصة هذه التجربة الإنسانية والمهنيّة يُوجزها فرهاد موسى من خلال نصيحة يُوجّهها لكل من رام القدوم إلى سويسرا قائلا: "من أراد النجاح عليه بالإنفتاح على الواقع والمبادرة بطرق الأبواب والإجتهاد في التواصل مع السكان المحليين، والإستفادة من إيجابيات البيئة الجديدة بدلا من رصد وتعداد سلبياتها".

وجهة نظر حول الوضع في سوريا

لماذا يحدث اليوم في سوريا كل هذا الدمار وهذه الحرب المجنونة بين المكوّنات السورية؟ كيف يفهم هذا المواطن السوري من أصل كردي ما يحصل اليوم في بلده الأصلي؟ 

يجيب فرهاد موسى: "التطوّرات ومجريات النزاع في سوريا غيّرت رؤيتي لما يحدث بشكل جذري: في البداية انتقض شعب ضد نظام دكتاتوري عانينا الأمريْن في ظل حكمه. وفي البداية كانت ثورة شعب ضد نظام. ولكن الامر تطوّر إلى وضع معقّد جدا، إلى درجة أننا نحن السوريين لا نفهم ما الذي يحدث في بلدنا. من الذي يقاتل من؟ هناك الكثير من المجموعات التي تقاتل في سوريا ليسوا سوريين، وهناك بلدان كثيرة دعمت مجموعات مسلحة في سوريا لخدمة أجنداتها الخاصة، وليس لخدمة الشعب السوري".

"في البداية كانت بالفعل ثورة شعبية ضد النظام، ولكن تبيّن أن النظام وحلفاؤه أذكى من المعارضة وحلفائها، ونجحوا في قلب الوضع إلى حرب طائفية، نموا خلالها الشرخ بين مكوّنات المجتمع السوري المتعدد بطبعه، ثم تعبئة هذه المكوّنات ضد بعضها البعض. وقاموا سرا بدعم مجموعات ضد مجموعات أخرى. ثم لاحقا تمت خيانة المعارضة السورية من طرف حلفائها، حيث انسحبت البلدان الداعمة لها تدريجيا، فضعف الشق المعتدل في هذه المعارضة وصعد نجم المتشددين والراديكاليين". يضيف موسى.

هذ التطوّر أدى إلى نفور الشعب السوري من هذه المعارضة، أما فرهاد فقد تغيّرت وجهة نظره تجاهها لهذا السبب كما يقول: "فضلا عن كوني كردي سوري، أنا مسلم سنّي، لكنني ضد التزمّت والتشدّد. ورغم أنني لست ضد الدين، لكنني أرفض أن يحكم سوريا نظام ديني". 

ما يرغب فيه فرهاد هو أن يرى "سوريا دولة تعددية ديمقراطية مدنية. لا دولة عسكرية، ولا دولة دينية راديكالية". 

للخروج من هذا الوضع، يقترح الآتي: "من وجهة نظري ككردي سوري، أنا أرى بعد كل ما حصل في سوريا، وخاصة التدخلات الخارجية، أن أفضل حل للواقع الراهن هو أن كل مكوّن من مكوّنات المجتمع السوري يبقى في المنطقة نفسها التي يوجد فيها الآن: الأكراد والعرب والدروز والمسيحيون، .. كل فئة تبقى حيث هي في منطقتها، وتحكم ذاتها بذاتها. هذه ليست دعوة لتقسيم سوريا بل من أجل تجنّب أي تماس بين هذه المكوّنات قد تنجرّ عنه حروب لا تتوقّف. وذلك إلى حين تهدأ الأوضاع. ومن ثم يتم التفكير في مستقبل سوريا. وأحد الحلول المستدامة الممكنة في المستقبل أن تتحوّل سوريا إلى فدرالية. وفي كل الأحوال، فإن العودة إلى ما كان قبل الحرب أمر غير واقعي وغير مُمكن أبدا".

نهاية الإطار التوضيحي

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×