Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

في جبال الألب السويسرية


أطول نفق في العالم يخترق أحشاء جبل غوتهارد


بقلم إيزوبيل ليبولد


النور في آخر النفق: هكذا تسير الأشغال في ايرستفيلد ()

النور في آخر النفق: هكذا تسير الأشغال في ايرستفيلد

يعتبر شق نفق للسكة الحديدية في جبل غوتهارد مفخرة للعمل الهندسي، خاصة إذا علمنا بأن عملية الحفر بلغت نقطة الحسم، وأن النفق الموعود سيكون الأطول في العالم وسيبلغ طوله 57 كيلومترا.

ومع قرب الإعلان يوم 15 أكتوبر الجاري عن التقاء أعمال الحفر التي بدأت من طرفي النفق من الخارج باتجاه الداخل، فإن من الصعوبة بمكان تصور حجم التحديات الجيولوجية التي مرت بها مراحل إنجاز المشروع، فمن مواجهة ضغط الصخور وارتفاع درجات الحرارة إلى إزاحة وإخراج ملايين الأطنان من الصخور، إلى التغلب على عناد الطبيعة الأم.

ومن المفترض لنفق غوتهارد أن يشكل خط وصل محوري جديد يخترق جبال الألب على ارتفاع منخفض، لا يزيد في كامل مساره على 550 مترا فوق سطح البحر، أي بمستوى ارتفاع العاصمة الفدرالية برن، وبحيث يقرب المسافة بمقدار ساعة بين مدينتي زيورخ السويسرية وميلانو الإيطالية.

وبحسب هاينز اهربار مسؤول هيئة "ألبترانزيت" المشرفة على بناء النفق فإنه "من أجل انجاز مشروع بهذا الحجم، ينبغي الحفر من نقاط مختلفة، ولو اكتفينا بالحفر من النهايتين فقط لاستغرق إتمام كامل المشروع أكثر من 20 سنة". وأضاف: "لذلك، يوجد خمسة مواقع أشغال رئيسية وهي: ارستفلد وأمستيغ في الشمال، وسيدرون في الوسط، وفاييدو وبوديو في الجنوب"، وقد ساعد توزيع الأشغال على هذه الإتجاهات الخمسة في اختزال المدة التي يحتاجها الحفر إلى النصف، وتقرر افتتاح النفق في عام 2017.

هيكل النفق

ويتكون النفق الأساسي من قنطرتين مستقلتين مجهزتين بأنظمة التهوية والأمن ووسائل الإيضاح، وتفتحان على بعضيهما كل مسافة 325 مترا بواسطة أنفاق أو نقاط اتصال، ويمكن لأي قطار أن يُحوّل مساره من خط إلى آخر عند محطتي فاييدو وسيدرون متعددتي الوظائف.

كما توجد محطات للطوارئ كل عشرين كيلومترا، تُمَكّن من إجلاء الركاب في حالات الحوادث أو الحرائق. وقد ألمح هاينز إلى أن "المنظومة البنيوية لمشروع النفق تتكون من أكثر من 150 كيلومترا، وهذا تطلّب ويتطلب عملا مضنيا تحت الأرض".

وكان لابد في أعمال الحفر من استخدام المتفجرات، بالإضافة إلى استخدام آلات ومعدات الثقب والحفارات العملاقة التي يعود لها الفضل في القيام بنحو 60 ٪ من أعمال الحفر. وتشير التقديرات إلى أن انجاز المشروع سينجلي عن استخراج نحو 24 مليون طن من الصخور. وستبلغ تكاليفه 9,74 مليار فرنك سويسري أي ما يقرب من 7,4 مليار يورو.

لا سر ولا إعجاز

وعلى ذات الصعيد، أشار كالمان كوفاري، الأستاذ الفخري في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ والخبير الاستشاري لمشروع نفق غوتهارد، إلى أن فن تشييد الأنفاق لا ينضوي على خفايا وأنه أبسط بكثير مما قد يخطر ببال الكثيرين، وأنه مجرد علوم هندسية عادية تستخدم معطيات وعناصر طبيعية.

ويوضح كوفاري قائلا: "يعتقد الكثير من الناس بأننا نُعرّض أنفسنا للويلات الطبيعية، وليس الأمر كذلك"، كما أن الأمور تدرس جيدا وتحسب بدقة، إذ يقوم الجيولوجيون وخبراء الميكانيكا بعمل مسح شامل ودقيق للمنطقة، وبناء عليه تقوم مجموعة من الفنيين برسم الخرائط وتحديد المسلك الأفضل لمسار أشغال النفق.

إلا أن بناء نفق غوتهارد شكل تحديا باعتبار طوله من ناحية وعرضه من ناحية أخرى فضلا عن عمقه، وقد ألحظ كوفاري قائلا بأن: "العديد من المشاكل تنشأ بسبب العمق، خاصة تضاغط الطبقات الصخرية وارتفاع درجات الحرارة كما أن هنالك احتمال لوجود الضغط المائي العالي".

فعلى سبيل المثال، تم التغلب على مشكلة الإرتفاع في درجة الحرارة بخفضها من 45 إلى 28 درجة مائوية عبر تبريد الهواء داخل فراغات الأنفاق بواسطة نظام مداولة المياه المبرَّدة، ولولا ذلك لتعذرت المهمة ولما أمكن مواصلة الأشغال.

تحديات المشروع

ومن جانب آخر، هنالك التنوع الجيولوجي لجبال الألب، وهو مشكلة في حدّ ذاته، باعتبار وجود صخور لها صلابة الجرانيت وأخرى أكثر هشاشة من الزبدة، ويؤكد هاينز اهربار: "كنا نعرف بأننا سنتعرض خلال حفر النفق لإشكالات ولصعوبات".

ومن بين هذه الإشكالات، ما يطلق عليه تسمية "جعبة بيورا"، حيث أبانت الاختبارات الأولية وجود منطقة صخور جيرية حبيبية مختلطة بالماء، الأمر الذي تسبب بتعليق مؤقت للأشغال ريثما يتم إيجاد حل لهذه المعضلة. ومن خلال دراسات واختبارات إضافية، تبين أن هذه الطبقة من الصخور التعيسة لا تمتد إلى طبقات النفق السفلية، كما كان يُخشى، فتم استئناف الأشغال.

وثمة منطقة أخرى حدث فيها إشكال، وهي الواقعة شمال سيدرون، حيث الصخور عرضة للانهيار وتخضع لضغط شديد. وحيث أن الحلول التقليدية غير مجدية، فقد قرر الخبراء، لأول مرة في تاريخ بناء الأنفاق، استخدام تقنيات التعدين، ومنه استخدام أقواس الصلب لدعم تغليف النفق.

ومع ذلك، لم يساور اهربار – كما يقول - أدنى شك في إمكانية إنجاز المشروع، لاسيما وأن الأمور سارت بعد ذلك على ما يرام، ويكشف اهربار النقاب قائلا: "وحاليا نقوم بدراسة إمكانية افتتاح النفق قبل عام من الموعد المحدد".

رواد في الماضي وفي الحاضر

ومن المؤكد، برأي كالمان كوفاري، أن الجانب الريادي في نفق غوتهارد يكمن في القدرة على التنفيذ، مع القدرة على مواجهة التحديات كما وقع في سيدرون، ولقد كان لتضاريس البلاد دورا هاما في صقل قدرة سويسرا على القيام بمثل هذه المشاريع.

وأوعز كوفاري قائلا: "لدينا مهارة خاصة ولّدتها الحاجة وأنتجتها خبرة ما يقرب من 150 عاما"، ويُذكَر بأنه خلال بناء نفق غوتهارد الأول (عام 1882) ونفق سيمبلون (عام 1906) واجهت المهندسين والعاملين ظروف صعبة جدا.

وفي غضون ذلك، تحسنت ظروف العمل كما تحسنت التقنيات. وفي المقام، يسجل كل من كوفاري واهربار إعجابهما وامتنانهما لأسلافهما في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويُذَكّر هاينز اهربار بفضل هذا الرعيل الأول قائلا: "أيضا، نفقي غوتهارد وسيمبلون للسكك الحديدية، كانا في زمانهما الأطول في العالم"، وتابع: "أعتقد أن علينا أن نكنّ كامل الاحترام والتقدير لما حققه أجدادنا".

رقم قياسي عالمي

عند اكتمال نفق غوتهارد الجديد، فإنه سيعيد لسويسرا رقمها القياسي العالمي باعتبار أن لديها أطول نفق في العالم، وبذلك ينتقل نفق شيكان في اليابان (54 كلم) إلى المرتبة الثانية.

سبق لسويسرا أن تربعت لعقود على العرش العالمي لأطول الأنفاق في العالم، وذلك بفضل أول نفق للسكة الحديدية في غوتهارد (عام 1882) ثم نفق سيمبلون (عام 1906).

سيتفوق "ألبترانزيت Alptransit" (57 كلم ) بطوله على النفق الأوروبي الذي يربط تحت نهر المانش بين انكلترا وفرنسا (53 كلم).

كما سيتفوق أيضا على مشروعين مشابهين سيكونان قيد الإنشاء في ايطاليا خلال العشر سنوات القادمة وهما: نفق برينيرو (55 كلم) ونفق مونتشينيزيو (53 كلم).

نفق القرن

من المقرر أن يتم تدشين نفق غوتهارد للسكة الحديدية في عام 2017، بينما سيتم افتتاح نفق تشينيري في عام 2019، بحيث يشكلان محور ما يعرف بـ "السكة الحديدية المنبسطة" التي تصل خط القطارات بين مدينتي زيورخ وميلانو والتي لن يتجاوز أعلى ارتفاع فيها الـ 550 مترا فوق سطح البحر (بينما هي اليوم: 1150 مترا).

سيتيح الاستواء في امتداد هذه السكة الحديدية المرتقبة، وعدم احتوائها على منحنيات معيقة، من قطع المسار بسرعة أعلى بكثير مما هي عليه اليوم، الأمر الذي سيمكّن قطارات الشحن على سبيل المثال من مضاعفة سرعتها (من إلى 160 كم / ساعة) وحمولتها (إلى 4 آلاف طن).

وبالنسبة للمسافرين، ستستغرق رحلتهم بين مدينتي ميلانو وزيورخ ساعتين وأربعين دقيقة، حيث أن الخط الجديد سيوفر قدر ساعة من الزمن.

swissinfo.ch



وصلات

×