Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

العمل بدون مقابل


هل بدأت ظروف عمل المُتَدَرّبين في الأمم المتحدة بالتحسن حقا؟


بقلم سايمون برادلي , جنيف


قام نشطاء شبان من المتدربين بنصب مجموعة من الخيام خارج المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف للفت الأنظار إلى المشاكل المتعلقة بارتفاع تكلفة الحياة في المدينة.   (@UNPAIDisUNSEEN)

قام نشطاء شبان من المتدربين بنصب مجموعة من الخيام خارج المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف للفت الأنظار إلى المشاكل المتعلقة بارتفاع تكلفة الحياة في المدينة.  

(@UNPAIDisUNSEEN)

تصدَّرت مِحنة المُتدربين العاملين بدون تقاضي أجور على أعمالهم عناوين الصحف في العام الماضي، وَسَطَ الجدَل الواسع الذي أثير بشأن أحد المشاركين في برامج التدريب غير مدفوعة الأجر التي تديرها منظمة الأمم المتحدة للشباب، والذي كان يعيش في خيمة على ضفاف بحيرة جنيف. واليوم، وبعد إنقضاء سبعة أشهر على هذا الحادث، تبدو هناك بعض التطورات الإيجابية في الأفق. ولكن إلى أي مدى بالضبط؟

"أرى أنها كانت تجرُبة جيّدة أتاحت لي بناء شبكة من الإتصالات والمعارف وتَعَلُّم أشياء جديدة"، كما تقول تويتا توراني، وهي شابة ألبانية أكملت للتو دورة تدريبية داخلية غير مدفوعة الأجر استغرقت ستة أشهر في المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة بجنيف.

وكانت الأمم المتحدة قد أعلنت في عام 2014 عن توظيفها لنحو 4,000 شخص في برامجها التدريبية في كل من نيويورك وجنيف، كان معظمهم يعمل دون تقاضي أي أجر. وتوصلت دراسة أجرتها جمعية المتدربين في جنيف في عام 2013 إلى أن 68% من المُتدربين لدى هذه المنظمة الأممية لم يتلقوا أيّ أجرٍ بالمرة.

ديفيد هايد

في مقابلة أجرتها معه صحيفة لوتون [الصادرة بالفرنسية في لوزان] يوم 26 مارس 2016، أعرب ديفيد هايد، المتدرب النيوزيلندي الذي كان يعمل لدى الأمم المتحدة دون تقاضي أي أجر، والذي تصدَّر عناوين الصحف في أغسطس الماضي لنومه في خيمة أثناء فترة عمله في الأمم المتحدة، عن قناعته بأن ما خلقه من ضجة عالمية في وسائل الإعلام كان مُبرراً.

"كان اللجوء إلى هذا الأسلوب لإثارة الموضوع هو ما أسفر عن إجراء نقاشات بشأنه"، كما قال. "كانت وسائل الإعلام مُطّلِعة على المشكلة، لكنها كانت بحاجة الى صورة تَسمح لها بتناول الموضوع. وقد سلّط ذلك الضوء على وجود مشكلة حقيقية".

وكما قال مُختتماً : "سوف تدفع الأمم المتحدة أجوراً لمُتدربيها بالنتيجة. الأمور تسير بالإتجاه الصحيح. لقد اتفقت المنظمات غير الحكومية التي لم تدفع مُتدربيها على الإطلاق في السابق على القيام بذلك، كما تمنح الأمم المتحدة تخفيضاً لمتدربيها قدره 3 فرنكات في مطاعمها. إنها خطوة أولى، لكن القضية بِمُجملها تستحق ذلك".

ولتسليط الضوء على بعض القضايا التي كانت تواجها كمُتدرّبة تعمل مجاناً في هذه المنظمة الأممية، أطلقت توراني قبل ثلاثة أشهر مدونتها على تطبيق ‘إنستاغرام’ لتبادل الصور وكذلك على موقع شبكة التواصل الإجتماعي ‘تويتر’.

وفي صورها على إنستاغرام، تستخدم توراني زوجاً من الأحذية الفارغة لتوضيح الوضع القانوني "غير المرئي" للمُتدربين في برامج الأمم المتحدة، واستحالة العمل هناك بالنسبة للعديد من الشباب القادمين من دول أفقر حالاً بسبب الارتفاع الباهض في التكاليف.

ولا تنكر توراني فائدة فترة التدريب وأهميتها لإثراء سيرتها الذاتية، ولكنها تعترف أن الإقامة في واحدة من أغلى مدن العالم، بالإضافة إلى العمل مجانا، جعلها تتكبد خسائر مالية لا يُستهان بها.

وفي حين يبلغ متوسط ما يتقاضاه مواطن ألباني نحو 350 يورو (382 فرنك سويسري) شهرياً، فإن فترة تدريبية غير مدفوعة الأجر لستة أشهر في جنيف تقتضي توفير ميزانية لا تقل عن 8,000 فرنك (حوالي 8,296 دولار).

"لقد تغيرت أولوياتي"، كما توضح المتدربة السابقة الشابة. "لقد ظننت في البداية أني سأبقى في منظومة الأمم المتحدة لبضعة أعوام، لكني سرعان ما أدركت أن تسلق سلّم الأمم المتحدة الوظيفي بطيء جدا، إضافة لكونه مستحيلاً من الناحية المالية". وقد دفعها هذا الإستنتاج إلى الإنضمام للعمل في القطاع الخاص كمُحللة في مجال الأعمال.

للتذكير، فإن قضية المُتدربين غير مدفوعي الأجر ليست وليدة الساعة، حيث أنها كانت تختمر منذ بضعة أعوام خلت. وفي شهر أغسطس 2015، بلغت هذه المسألة ذروتها مع ظهور تقارير تصدرت عناوين العديد من الصحف الرئيسية حول المتدرب الشاب ديفيد هايد. وكان النيوزيلندي البالغ من العمر 22 عاماً، قد إضطر للإقامة في خيمة بجنيف عندما كان يعمل في برامج التدريب غير مدفوعة الأجر للأمم المتحدة ، بعد أن أدرك أنه لن يستطيع تحمُّل التكلفة العالية للحياة في المدينة الواقعة على ضفاف بحيرة ليمان، وأن المنظمة الأممية لن تقوم بشيء حيال ذلك.

لكن هايد إعترف في وقت لاحق أنه اختار أن يعيش في الخيمة لجذب الإنتباه إلى معاناة المتدربين الذين لا يتقاضون أجوراَ عن عملهم.

أجـواءٌ جديدة

وعلى الرغم من انقضاء سبعة أشهر على هذه الحادثة، إلّا أنَّ الشك مازال يراود توراني بشأن حدوث أي تغيّر حقيقي. "بعد ردود الأفعال الغاضبة التي أعقبت قصة خيمة هايد، بدأت الأمم المتحدة بمناقشة هذه المسألة بشكل أكبر، كما شهدت أجواء العمل بعض التغيير. ولكن باستثناء المناقشات الأكثر انفتاحاً، لم تحدث هناك أي تغييرات تُذكر، كما أنه لا يُمكن العثور على جدول زمني لخطوات ملموسة".

مع ذلك، ظلت مجموعة من المُتدربين وعدد من الطلاب والمهنيين الشباب الذين إجتمعوا في العام الماضي تحت شعار"إدفع أجوراً لمتدربيك" تناضل من أجل إبقاء هذه المسألة في مقدمة قضايا الأمم المتحدة وأجندات الدول الأعضاء فيها.

في الأثناء، توسعت "مبادرة التدريب العادل"، كما أصبحت تُعرف الآن، لتصل من جنيف إلى نيويورك وباريس وفيينا. وفي يوم 8 مارس 2016، قامت مجموعة الناشطين الشباب بنَصب خيام خارج مقر الأمم المتحدة في جنيف، لتسليط الضوء على مشاكل إرتفاع تكلفة المعيشة.

وبالرغم من المتابعة الجيدة لهذه التظاهرة على شبكة الإنترنت، إلّا أنها فشلت بتبوء موقع الصدارة في عناوين الصحف العالمية في هذا الوقت. مع ذلك، يرى ماتيو*، وهو شاب ايطالي سبق أن أكمل عمله كمتدرب - غير مدفوع الأجر - في خمسة برامج تدريب مُتتالية، وجود نوع من الزخم المتنامي باتجاه حل المشكلة منذ العام المنقضي.

"بشكل عام، أشعر بتصاعد مشاعر عدم الإرتياح لدى المنظمات بشأن الترويج لبرامجهم التدريبية بدون أجر"، كما يقول. ويضيف :"في الإجتماع الأخير لمنتدى الشباب للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي عُقِدَ في نيويورك برعاية الأمم المتحدة في وقت سابق من هذا العام، قدمت منظمة العمل الدولية برنامجا جديداً حول موضوع توظيف الشباب، كما أثارت مجموعة من الصحفيين والشباب موضوع التدريب غير مدفوع الأجر. وتساءل هؤلاء عن السبب الذي يدفع بالأمم المتحدة لاقتراح مثل هذه البرامج، في الوقت الذي تروِّج فيه لمشاركتها في تحقيق أهداف التنمية المُستدامة. وقد قوبل هذا الأمر بعاصفة من التصفيق".

"دعم مُؤات"

وبالنظر إلى عدم قدرتها على توسيع ميزانياتها وتعين موظفين نظاميين جُدُد، تلتجئ إدارات الأمم المتحدة بشكل متزايد لتشغيل الخريجين الشباب الراغبين بالعمل في برامجها التدريبية غير مدفوعة الأجر لفترات تمتد من شهرين إلى ستة أشهر. وتقول الجهات المعنية في الأمم المتحدة إنها راغبة بدفع مرتبات للمُتدربين، ولكنها تدَّعي أن أيديها مغلولة بسبب قرار صادر في عام 1997، يَحظَر دفع أي أجور لغير الموظفين [الذي يعملون بعقد عمل نظامي]، وتقول نفس المصادر "إن الأمر متروك للدول الأعضاء لتغيير هذا الوضع".

ومنذ شهر أغسطس المُنقضي، عقدت مجموعة من الناشطين الشباب لقاءات مع 15 بعثة دبلوماسية ومنظمات حكومية دولية لِحَثهم على متابعة هذه القضية، وتلقوا "دعماً مؤاتيا" من أكثر من نصف هؤلاء.

ووفقاً لـ ماتيو، "كان ممثلو الدول الأعضاء إيجابيين خلال معظم اللقاءات، ولكنهم لم يستطيعوا الخروج بموقف رسمي بسبب حاجتهم إلى موافقة من عواصمهم".

مع ذلك، كان هناك إستثناء ملحوظ تمثل بوزيرة التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسية نجاة فالو - بلقاسم، التي راسلت في ديسمبر الماضي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مُطالبة بـ "تغيير هذه السياسة".

وبالرغم من كل هذه الجهود، مازال وضع "الدجاجة أم البيضة أولا" قائما إلى يوم الناس هذا. ومع أن الأمم المتحدة تبدي مزيداً من الإنفتاح على هذه القضية، إلّا أنها تحتفظ بموقفها القائل بأن مسؤولية دفع أجور المُتدربين تقع على عاتق الدول الأعضاء في نهاية المطاف. وبدوره، إجتمع مبعوث الأمم المتحدة للشباب أحمد الهنداوي مع أعضاء "مبادرة التدريب العادل" وقام بتسهيل محادثات مع الجهات الفاعلة في الأمم المتحدة ذات الصلة، ولكن دون التعهد بأي التزامات.

في السياق ذاته، تشير التقارير الصادرة في الوقت الراهن، إلى عمل إدارات الموارد البشرية للأمم المتحدة على مقارنة سياسات برامجها التدريبية عَبر كامل النظام والهيئات. وفي حين تقوم أعداد قليلة من الوكالات التابعة للأمم المتحدة في جنيف بدفع أجور لمتدربيها (حيث تدفع منظمة العمل الدولية مبلغ 1,850 فرنك شهرياً منذ عام 2011 مثلاً)، إلّا أنها تظل مجرد قلة ضئيلة.

في الأثناء، حدثت تطورات من خارج منظومة الأمم المتحدة من قبل لاعبين أصغر حجماً، يأمل النشطاء أن يكون لها تأثير قطع الدومينو. وكانت مجموعة من 27 منظمة غير حكومية في جنيف قد تعهدت في شهر مارس 2016 بدفع مرتبات لمتدربيها لا تقل عن 500 فرنك شهرياً.

ووفقاً لـ ماتيو، فإنه من الصعب التنبؤ ما إذا كانت هذه التطورات ستؤدي إلى تغيير في السياسة القائمة، ويقول: "لقد أظهرت الدول الأعضاء انفتاحاً أكبر من الأمانة العامة للأمم المتحدة. علينا الإستمرار بالدفع بقوة، لأن هذه إدارات ضخمة لا تستجيب للتغيير بسرعة. هذا سيستغرق بعض الوقت. ويبقى السؤال المطروح حول وجود رغبة حقيقية في التغيير".

×