تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

خيبة أمل عندما تصطدم الأحلام بالواقع

كرسي في حديقة

صورة مأخوذة من مركز إشّين هوف للّاجئين في 19 أغسطوس 2017 أثناء زيارة الوزيرة في الحكومة الفدراليّة سيمونيتا سوماروغا للمركز. 

(Keystone)

"في آخر المطاف لن نستسلم" هذا ما قاله جكدار* للصّحفيّ في نهاية المقابلة الّتي أقامها معه في كانتون سولوتورن للحديث عن تجربته المهنيّة الشّخصيّة كلاجئ قدم إلى سويسرا ويعيش فيها منذ سنتين ونصف، وذلك بعد أن اندلعت الحرب في وطنه سوريا والّذي ما كان ليتركه لولاها.

لا يخفى على أحد اليوم وبعد أعوام ثمانية من الأحداث المأساويّة في سوريا حجم معاناة أهلها ممّن تركها وممّن قرّر البقاء على السواء، كما لا يخفى على أحد مدى صعوبة الهرب وخطورة الطّريق مع احتمال الغرق والموت، إلّا أنّ المرء يجد رغبة هنا وحاجة للتّشديد على فرديّة هذه التّجربة وأهميّة الحديث عن كلّ منها في حال سنحت الفرصة للقيام بذلك.

على الرّغم من أنّ تجربة جكدار لا تختلف كثيراً عن أمثالها إذا ما نظرنا إلى طريقة الهرب وسببه ووجهته، فالهرب من الموت وسببه الحرب ووجهته أوروبا، في البداية بلا تحديد لبلد معيّن فيها. أمّا بالنّسبة للشّاب ذي الأحلام الّتي لم تترك رغم ضخامة حجمها حدود ضيعته (قريته) في القامشلي، كانت جنيف وجهته لا سويسرا، حيث أنّه كان يسمع بالاجتماعات والقمم العالمية الّتي تُعقد فيها، من أجل السّلام ودفاعاً عن الحرّيّة واجتناباً لأحد الحروب ومنعاً لزيادة التّشرّد في العالم وغيرها.  هكذا بنى جكدار فكرته عن جنيف ومن ثمّ عندما طاله التّشرّد واضطرّ هو نفسه للهجرة اختار سويسرا.

أحلام ما قبل السّفر

قبل أن تبدأ الحرب كانت حياة طالب المدرسة جكدار لا تختلف عن حياة أيّ طالب وفرد في سوريا، يذهب إلى المدرسة ويرجع ليمارس هواياته أو ليعمل في محلّ أو أرض أو في مطعم العائلة كما فعل هو، فبعد دوام المدرسة أو في العطلة الصّيفيّة يشارك أخاه عمله في مطعمه رجاؤه أن يكمل تعليمه ويصل إلى درجة علميّة تخوّله الوصول إلى منصب إداريّ، ولما لا منصب رئيس البلديّة في ضيعته، والهدف هو تحويلها إلى جنّة واعطائها منظراً وشكلاً يميّزها عن غيرها من الضيع المجاورة. 

يقول جكدار: "كان حلمي أن أبني بيتاً مع حديقة بمنظر جميل وأن نعيش ونعمل معاً، أنا وعائلتي، كلّنا مع بعض ... كنت أفكّر بأن تصبح هذه الضيعة ضيعة مميّزة من بين كلّ الضيع". من العمل في مطعم أخيه في ضيعته إلى العمل في مطاعم عدّة في دمشق، حصل جكدار على خبرة تكفي للعمل على أقل تقدير في مطعم يقدّم المأكولات السّوريّة واللّبنانيّة والفلسطينيّة، وبالفعل وبعد معاناة البحث وتعلّم اللّغة الّتي لم تنته إلى اليوم، استطاع جكدار الحصول على تدريب مهنيّ في أحد الفنادق في كانتون سولوتورن، وذلك لم يكن ممكناً بحسب قوله لولا مساعدة أحد الجيران السّويسريّين له ممّن اهتمّ بوضعه وقدّم له العون أيضاً في أمور اللّغة والاندماج. لم يكن الأمر سهلاً عليه كعامل في مطعم من نوع جديد، فهذا المطعم يصنع المأكولات الأوروبيّة وبالتّحديد الفرنسيّة، وكما لم يكن من السّهل عليه التّواصل مع الآخرين من زملاء العمل إذ أنّه لا يتحدّث الألمانيّة بشكل كاف بعد.

سلسلة تجارب مهنية

يطرح حلول الإنسان بمكان لم يألفه من قبل تحديات ومصاعب جمة، قد يسعفه الحظ في بعض الأحيان، فيستأنف رحلة حياته المهنية من حيث توقّف قطارها في بلده الأصلي بيسر وسلاسة.. وقد يجبره الواقع الجديد على بداية المشوار من نقطة الصفر، إن لم يظل يراوح مكانه لسنوات طويلة. وضع المهاجرين العرب في سويسرا ليس استثناءً في هذا الباب، وتكاد تتباين مساراتهم بعدد شخوصهم. swissinfo.ch اختارت الحديث إلى عيّنة منهم، فكانت هذه السلسلة من البورتريهاترابط خارجي.

نهاية الإطار التوضيحي

التّجربة المهنية في سويسرا

في مطعم أخيه في سوريا كان جكدار هو من يحضّر الطّعام ويجهّز السّندويشات ويبيعها ويستلم ثمنها ويشتري ما يحتاجه المطعم من لوازم للطّبخ وغيرها وفي كلّ ذلك كان هو رئيس نفسه، كطبّاخ وبائع في نفس الوقت، أمّا في مطعم الفندق في سولوتورن فقد كان عليه أن يقف وراء المجلى في إحدى غرف المطبخ يغسل الصّحون والأواني وما إلى ذلك ولم يكن باستطاعته في البداية حتّى المساعدة بقص الخضار وهذا ما قام به لاحقاً ولكن فقط في أوقات الذروة عندما يحتاج عمّال المطبخ الآخرون للمساعدة. 

لم يكن جكدار لوحده خلف ذلك المجلى إلّا أنّه كان الوحيد من بين زملائه الثّلاثة من يحمل في ذاكرته مرارة الحرب والهرب والهجرة وترك الأرض والأقارب ومن ثمّ الأحلام هناك في وطنه وبناء أحلام جديدة وآمال وضعها في سويسرا، ولكن قبل أن يتعرّف على حقيقة اللّجوء المرّة حتّى في بلد ينادي بكلّ أشكال العدالة والمساواة وعدم التّمييز كسويسرا. 

لقد خسر أوّل ما خسر جكدار في رحلة لجوئه إلى سويسرا معركته مع اللّغة ممّا أدّى به بعد ذلك إلى خسارة معركته التّالية المتمثّلة بالتّواصل مع زملاء العمل وهذا ما أدّى إلى ازدياد حالته النّفسيّة سوءاً وإلى ذلك بدأ عامل المطعم الطّموح بالشّعور بالتّعب الجسديّ وظهرت أعراض المرض عليه وكان عليه زيارة الطّبيب بين الحين والآخر، إلى أن قرّر بعد أن عمل في ذلك المطعم لمدّة ستّة أشهر تركه نهائيّاً، هذا ما قاله ردّاً على سؤال الصحفي له حول تركه العمل في المطعم، وأضاف أيضاً متحدّثاً عن أسباب البلاء في كلّ معاناته: "إنّ اللاجئين في كلّ مكان يعيشون على أمل الحصول على إقامة دائمة تسمح لهم بحياة كريمة وبالنّظر إلى الأمام وترك الماضي ونسيانه ولكن عندما تصلك الإقامة المؤقّتة (ف) تفقد كلّ طاقتك ورغبتك بفعل أيّ شيء، وخاصّة إذا ما كنت لا تزال تعاني من صعوبات نفسيّة وجسديّة بالإضافة إلى صعوبة التّواصل بسبب اللّغة".

سخرية القدر

 لا بدّ أنّ هذا هو الشّعور الطّبيعيّ بعد موت كلّ الأحلام والآمال لدى الإنسان، الّتي لم يتحقّق لجكدار منها شيئ، فهو من اضطرّ في البداية للرّحيل وتلاشى حلمه بالضّيعة المثاليّة والمميّزة والّتي يعيش ويعمل فيها مع عائلته الكبيرة وفي أرضه الّتي كان يملكها هناك، والّتي كانت لتغنيه عن الآخرين مهما وأيّاً كانوا، ومن ثمّ وبعد وصوله إلى سويسرا مات على إثر الاصطدام بالواقع حلم تعلّم اللّغة والاندماج في المجتمع وتكوين الأسرة والحياة المستتبّة وذلك في لحظة تلقّيه للإقامة المؤقّتة (ف). 

يقول من خاب أمله: "ماذا سأفعل بهذه الإقامة ولا أستطيع حتّى أن أُحضر زوجتي ولا أن أزور أحداً من أهلي ولا ...إلخ". لا نهاية لما لا يستطيع المرء فعله في حالة كهذه، والأهمّ من ذلك في وضع الشّابّ ذو الأصل الكرديّ أنّه عاش في سوريا كلّ طفولته وأغلب شبابه إلى 2011 وذلك قبل نشوب الحرب بقليل وهو بلا هويّة كالكثير من أكراد سوريا الّذين عاشوا قبل الحرب بدون هويّة شخصيّة أو جواز سفر سوريّ، وهكذا تستمرّ الحال على ما كانت عليه، فهو لا يملك اليوم أيّة أوراق ثبوتيّة تمكّنه من السفر إلى أيّة دولة وزيارة عائلته أو دعوتهم لزيارته هنا. وهكذا يبقى جكدار بلا هويّة بالمعنى الشّامل للكلمة.

إلّا أنّ معاناته على الرّغم من عِظَمِها لم تمنعه من الحديث عن امتنانه الكبير لسويسرا وللأشخاص الّذين وقفوا إلى جانبه فيها ورافقوه على طريق تعلّم اللّغة الشّاقّة بالنّسبة له ولا ينسى فضل من ساعده على الحصول على العمل الّذي تركه لأسباب تتعلّق بصعوبات صحّيّة ونفسيّة يعاني منها.

لم يُرِد جكدار أن ينهي المقابلة والتّشاؤم يحوم حول المكان في غرفة الجلوس في سكنه الجماعيّ الّذي يعيش فيه مع لاجئين آخرين يشاركونه تجربته ومصيره، ويضيف مصرّاً "الآن عدْت لتعلّم اللّغة وبشكل مكثّف وسأبحث عن عمل جديد، فلا بدّ من أن أصل إلى هدفي بالاستقرار".

*هوية المحاور معروفة لدى هيئة التّحرير.

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك