Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

حفاظا على التراث وحماية للطبيعة


لأسباب وجيهة.. يُحوّل السويسريون الشوكولاته إلى ذهب!


بقلم دانييلي مارياني


 انظر لغات أخرى 5  لغات أخرى 5

لا يكاد يُوجد في سويسرا من لا يعرف السَبيكة المُذَهّبة الشهيرة بـ "التولار الذهبي"، وهي شوكولاته "نفيسة" تُباع على شكل قطع نقدية، أتاحت على مدى سبعين عاما فرصة تمويل مشاريع المحافظة على الموائل الطبيعية والمواقع التراثية، فسطرت بذلك قصة نجاح رائدها جحافل التلاميذ الذين يشاركون كل عام في عملية بيعها وترويجها في كل الأوساط. 

إذا ما كانت بُحيرة "سيلز" Sils اليوم سليمة من التلوث إلى حد كبير، فإن الفضل يعود إلى "سبائك الشوكولاتة" بالأساس.   (Keystone)

إذا ما كانت بُحيرة "سيلز" Sils اليوم سليمة من التلوث إلى حد كبير، فإن الفضل يعود إلى "سبائك الشوكولاتة" بالأساس.  

(Keystone)

"صباح الخير، أترغبون في شراء سبائك شوكولاته؟"

"نعم، حسنا سأشتري أربعة".

مَن بوسعه أن يقول لا لطفلين رنّا لتوَهما جرس الباب؟ إنه مشهد مألوف لأهل سويسرا، ويصعب على المرء أن يُفلت من شراء الشوكولاته الشهيرة على شكل قطع نقدية مغلّفة بورقة من الألمنيوم المُذهّب.

خلال شهر سبتمبر من كل عام، ينطلق آلاف الطلاب، الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و 12 سنة، يجوبون أنحاء البلاد لبيع السبائك النّفيسة بسعر خمسة فرنكات للقطعة الواحدة، فيما تذهب العائدات لتمويل مشاريع الجمعيتين صاحبتا المبادرة، وهما "برو ناتورا Pro Natura"، المعنية بالحفاظ على الطبيعة، و"هايماتشوتس Heimatschutz" التي تعتبر الجمعية الرئيسية المعنية بالحفاظ على التراث الوطني.

ووفقا لإيفلين اينجلي، مديرة صندوق السبائك المُذهّبة، فإن "هذا العام، على سبيل المثال، هو عام الحدائق والمنتزهات، والهدف هو رفع مستوى الوعي لدى العامة بأهمية المساحات الخضراء، من خلال سلسلة من النشاطات".

إنقاذ بحيرة سيلس

يشار إلى أن هذا التقليد يتكرر منذ سبعين عاما، وبمناسبة الذكرى السنوية لهذا العام، نشرت كلتا الجمعيتين "برو ناتورا" و"هايماتشوتس" في أوائل شهر مارس 2016 كتيبا يتتبع تاريخ هذا النوع من الشوكولاته.

القصة تبدأ في منطقة إينغادينا (كانتون غراوبوندن، جنوب شرقي البلاد)، حيث توجد بحيرة سيلس Sils، التي اعتاد فريدريك نيتشه التّنَزّه على ضفافها خلال العديد من زياراته إلى المنطقة، والتي لولا سبائك الشوكولاته المذهّبة لكانت بالتأكيد قد فقدت كثيرا من سحرها وألقها.

بالفعل، هدّد مشروع سد لتوليد الطاقة الكهرومائية البحيرة في بدايات الأربعينات من القرن الماضي، لولا أن تمكّن المعارضون من إقناع المسؤولين في بلديتي القريتين المعنيتين (وهما سيلس وستامبا)، بالتخلي عن المشروع مقابل 300 ألف فرنك. ولكن، كيف سيكون بالإمكان جمع مبلغ بهذا الحجم من السكان الذين أنهِكوا من التبرع لصالح ضحايا الحرب الكونية الثانية، لاسيما وأن الأمر مُتعلّق بمبادرة بدت في نهاية الصراع المدمر وكأنها مهزلة؟

هنا برزت لدى إرنست لاوير، الأمين العام لجمعية هايماتشوتس للتراث الوطني حينها، فكرة تبدو رائعة: بيع مُنتَج سويسري لأجل قضية ذات مغزى، وهو مُنتَج يحبه الجميع ولكنه صعب المنال (آنذاك)، إنه الشوكولاته! وبفضل الدعم المقدّم من وزير الإقتصاد فالتر شتانفلي، تمكّن لاوير من بيع كمية تبلغ 20 طنا من الشوكولاتة، مُصنّعة على شكل سبائك مغلّفة بورق من الألمنيوم المُذهب، ومنقوش عليها بحيرة سيلس.

وفي عام 1946، تمكّن أكثر من 20 ألف طالب من جميع أنحاء سويسرا من بيع ما مجموعه 823420 سبيكة شوكولاته، بلغ صافي أرباحها حوالي نصف مليون فرنك، الأمر الذي شكّل نجاحا باهرا ومكّن من توفير طوق النجاة لبحيرة سيلس.

مبادرة فريدة من نوعها

منذ عام 1946، أتاحت مبيعات الشوكولاته امكانية تمويل عدد من المشاريع المهمة. ولئن أصبحت اليوم جزر بريسّاغو، الواقعة في كانتون تيتشينو منتزها يحوي مختلف أنواع النباتات والزهور ويقصده جمهور المواطنين، فإن الفضل يعود إلى مشروع سبائك الشوكولاته (في عام 1950). كذلك أتاح مشروع بيع الشكولاته في عام 1969 تمويل مشروع انقاذ دير سان جوفانّي باتيستا في موستير (كانتون غراوبوندن)، والذي أصبح فيما بعدُ مُدرجا على قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو.

ولعلّ الشكر الجزيل لمبادرة جمعيتي "برو ناتورا" و"هايماتشوتس" يأتي أيضا من قبل مجموعة من الحيوانات، لكونها أتاحت بفضل عائداتها في عام 1957 من تمويل استقدام القندس إلى سويسرا من جديد، كما موّلت في وقت لاحق مشاريع لصالح الفراشات والضفادع والبرمائيات.

ومما لا شك به، أن فكرة تكليف طلاب المدارس بمهمة بيع سبائك الشوكولاته كانت موفقة، بل وفريدة من نوعها. وفي هذا الصدد، تقول إيفلين إينجلي: "منذ ثلاث سنوات وأنا أعمل كمسؤولة، ولم يحصل قط أن سمعت بأحد قام بجهد مماثل في الدول الأخرى، ولست أستبعد حدوث ذلك، غير أنه لم يصل إلى علمي".

تراجع المبيعات

في الأثناء، تُعاني سبائك الشوكولاته منذ سنوات من زيادة المنافسة. ذلك أن "أنجح الفترات كانت ما بين أواخر عام 1980 وأوائل عام 1990، وبعدها حصل التراجع"، كما ذكرت إيفلين اينجلي، مشيرة إلى أن المبيعات قد بلغت في تلك السنوات حوالي مليون سبيكة، سعر الواحدة منها 3 فرنكات (يتم إنتاج سبائك الشوكولاته منذ عام 1998 باستخدام الكاكاو من صنف "ماكس هافلار"، وتباع بسعر خمسة فرنكات للحبة الواحدة) . 

في عام 2015، باع حوالي 30 ألف طالب، من 1350 فصلا مدرسيا، ما يزيد قليلا عن 328 ألف حبة، بقيمة إجمالية بلغت 1,6 مليون فرنك (الربح الصافي حوالي مليون فرنك).

إيفلين اينجلي أوضحت بأن "هناك عددا من المؤسسات الأخرى التي تتعامل مع المدارس، مثل "برو جوفينتوت" و"الصندوق العالمي للطبيعة" WWF، ويتعيّن على السلطات المدرسية أن تقرر أي منظمة ستدعم وأي مُنتَج ستُوزّع، فهي لا تريد أصنافا كثيرة، وإنما صنفا واحدا فقط".

وأضافت قائلة: "في الوقت الحاضر، هناك ضغط كبير على المدرسين، وتتطلّب البرامج الدراسية الجديدة، وزيادة التنوع في المكوّن الطلابي، من المعلّمين جهدا أكبر في التحضير، وتحتاج الدروس إلى وقت أطول"، مما يجعل الكوادر التعليمية أقل استعدادا وتحمسا للمشاركة في مبادرات تزيد من أعبائهم.

قوة التقاليد

بالرغم من ذلك، أمكن في عام 2015، ولو قليلا، عكس الإتجاه وتحسين النتائج عمّا كانت عليه في العام السابق، ونوّهت ايفلين اينجلي إلى أن الفضل يعود لنظام البيع والترويج عبر الإنترنت، الذي أتى أكله حيث "سهّل على المعلمين المساهمة، وهناك جوائز مخصصة للفصول المدرسية التي تشارك في المنافسات، ويتم تنظيم أنشطة في المدارس، ويتلقى المعلمون، على جناح السرعة، معلومات حول الموضوع، ويعرضونها على الطلاب، ويُعرّفوهم بالأهداف وإلى أين تذهب الأموال التي يتم جمعها". إضافة إلى ذلك، تحصل الأقسام المدرسية المشاركة على 10٪ من إجمالي قيمة ما يبيعون، وهي تستفيد منها في تمويل الرحلات وغيرها من الأنشطة.

ربما تكون سبائك الشوكولاته قد فقدت شيئا من البريق الذي كانت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين، مع ذلك سيكون بمقدورها الإعتماد على سند آخر، وهو ما أكّدته إيفلين اينجلي قائلة: "قال لي كثير من المعلمين بأنهم يُقدّرونها كثيرا، ويعتبرونها شيئا من التقاليد، فلقد باعها آباؤهم، وبقيت هي، هي، كما كانت منذ سبعين سنة".

×