Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

محمد الديداوي: "الترجمة عمل إبداعي"




نشأ محمد الديداوي، رئيس قسم الترجمة العربية بالأمم المتحدة لمدة تزيد عن ربع قرن، في عائلة توارثت العلوم أبا عن جد، وكان محاطا منذ طفولته بالكتب الصفراء تعبق منها جمالية اللغة وكنوز التراث. وصادف دخوله إلى مرحلة التعليم الأولى أيام استقلال المغرب وما حملته المناسبة من نزعات وطنية وأناشيد قومية حماسية.

وإن هي إلا أيام معدودة، حتى ينعتق هذا الكاتب المبدع من أسر الوظيفة كما انعتق المغرب من أسر الاستعمار قبل نصف قرن، لينطلق حرا في عالم الكتابة والإبداع، زاده في ذلك تجربته المهنية الطويلة التي تحولت معها الأمم المتحدة إلى "مخبر لتجريب النظريات والخروج بالاستنتاجات من التطبيقات".

ويقول محمد الديداوي في حديث أدلى به إلى سويس انفو: "بعد أن عملت في مقار مختلفة لمنظمة الأمم المتحدة، في نيويورك وأديس أبابا، وفي فيينا وجنيف، وفي وظائف متعددة كمترجم ومراجع أولا، ثم كرئيس لقسم الترجمة العربية لسنوات طويلة، أصبحت الآن في موقع يسمح لي بأن أكرس جهودي لتحقيق ما قضيت سنوات وسنوات طوال أدعو إليه على بصيرة".

وعلى غير عادة الموظفين الذين ينظرون إلى التقاعد عن الوظيفة كفرصة للاستجمام وقضاء الوقت في الأسفار والتجوال، يعتقد محمد الديداوي أن أمامه فرصة يجب اقتناصها، حيث منى النفس طويلا بمرحلة يركن فيها إلى الكتابة والإسهام بفعالية في تطوير نظريات الترجمة والذود عن اللغة العربية وها هو يرى نفسه اليوم أمام هذه الفرصة الثمينة.

ومن فضل الأمم المتحدة على هذا الرجل، كما يقول هو نفسه: "إنها سمحت لي بحضور عدد كبير من المؤتمرات والندوات الدولية حول نظريات الترجمة والمفاهيم المصطلحية، نقلت صداها إلى العالم العربي، وأصّلت أطروحاتها وأردفتها بتطبيقات في عالم لغة الضاد"، وقد ساعده على ذلك، تتلمذه في الجامعات الفرنسية على نخبة من عمالقة النظرية التأويلية المبنية على الترجمة الشفوية".

هيام باللغة العربية وتراثها

ما زال محمد الديداوي يتذكّر أوّل يوم توجه فيه إلى مدرسة القرية في منطقة نائية بالجنوب الشرقي للملكة المغربية، حيث باشر دراسة اللغتين العربية والفرنسية في آن واحد، "لكنني، شعرت منذ الوهلة الأولى أن العربية منّي، إذ كانت تعابيرها راسخة في لهجتي قريبة محببة إلى نفسي"، حسب قوله.

ومما زاد في حبه وشغفه بهذه اللغة: "ما تلقنته من أساتذة أجلاء في ثانوية مولاي يوسف بالرباط، ومنهم من كان فرنسيا مستعربا، تعلمنا على يديه فن الترجمة ومتعة التنقل من لغة إلى أخرى، وكان الأستاذ ليو يأتي بالمقابلات تطوعا منه وحبا في العربية"، وعلى خلاف ما هو حادث الآن، "كانت المقررات الدراسية آنذاك زاخرة بالفوائد اللغوية وكانت كتب الأدب مصاغة بعناية كبيرة ومنهجية صائبة".

هذا الإعجاب باللغة يعززه فقه عميق بقواعدها ومعرفة واسعة بعلومها، "العربية محكمة البنيان، منطقية المنوال، يكاد يكون نحوها في هيئة الجبر، ومن حسناتها أن القرآن الكريم صانها من العبث ووشحها ببيانه الذي لا يُعلى عليه". وبدل اللهث وراء اللغات الأخرى، والقناعة منها بركاكة الأسلوب، يدعو الديداوي المؤلفين العرب إلى "تسخير الموروث الجميل والقيّم واستغلال إمكانات اللغة من أوزان وحروف جر وغيرها، فالبيان بالنسبة للنص العربي كالطرب بالنسبة للغناء".

ولا تتوقف العناية باللغة عند البُـعد الشعري أو الجمالي، بل لما لها من انعكاس مباشر عن المعاني والدلالات، وعن طرق التفكير ونقل المعارف، وشعورا منه بأهمية ذلك، وضع الديداوي الترجمة بمرتبة الكتابة، والمترجم بمرتبة الكاتب: "فهو يحصل المعاني في ذهنه من النص المترجم، ثم ينقلها بدقة إلى اللغة المترجم إليها"، وانسجاما مع ذلك، كانت الطريقة المثلى للترجمة هي: "التقيد بالأصل إلى أقصى درجة، والابتعاد عنه بقدر ما تستلزمه اللغة المترجم إليها".

التعريب وتكييف التعليم

لكن المجال الذي يشغل الديداوي ويأخذ منه الوقت والجهد، هو مجال التعريب، وما يعانيه هذا المجال من تشويش وتردد وارتجال. والخطيئة الكبرى، بحسب محاورنا، هو تخلي عدد كبير من البلدان العربية عن "الكتاتيب، لأنها كانت وسيلة ناجعة في غرس اللغة في الأفئدة والعقول، إذ فيها تتكون الملكة اللغوية، ويتشكل الأساس المتين والقاعدة الصلبة للتعلم فيما بعد".

ولا يقول الديداوي هذا من منطلق التعصب للغة العربية، وإن كان شغوفا بها كما سلف، بل "لأن التجربة أثبتت أن الإبداع والتفوق لا يتأتيان إلا باللغة الأم"، ويضرب لذلك مثل "اليابانيون الذين كانوا يأتون إلى مصر زمن محمد علي باشا للإطلاع على تجربة التعريب النشطة آنذاك"، ويأسف لتراجع المصريين عن ذلك الجهد، "في الوقت الذي رفع اليابانيون لواء لغتهم، وعلى أساس منها بنوا نهضتهم".

وللخروج من هذا التردد والإرتجالية، يدعو الديداوي إلى استئناف جهود عصر النهضة من خلال إجراء البحوث العلمية بالعربية، وتكييف التعليم مع متطلبات وحاجيات المجتمعات المحلية، وإعطاء دور فاعل للقطاع الخاص في دعم العملية التعليمية.

وفي سياق متصل، يعلق الدكتور محمد الديداوي أهمية كبيرة على المجامع اللغوية، والتي من أبرز مهامها الدفاع عن اللغة العربية وتنمية استخداماتها، لكنه يرى أن "الوتيرة التي تضع بها تلك المجامع المصطلحات، غير مجدية كثيرا، لأنها لا تستطيع اللحاق بالركب وهي قليلة الموارد".

ويبقى أمله معلقا بيوم يسترعى فيه التعريب اهتمام أصحاب القرار وتتطوّع أقلام الكتاب للذود عنه، وتوعية الجمهور بأهميته، ويستبشر خيرا بالمستقبل، "فهناك هيئات مثل مؤسسة الفكر العربي تتبنى مسألة الترجمة والتعريب، وأنشأت بلدان عربية مراكز للترجمة كالمركز القومي للترجمة بمصر، وإعلان تونس سنة 2008 سنة للترجمة، لكن يخشى كثيرا تمييع الأمر وتطفل البعض على الترجمة من غير أهل الإختصاص، في الوقت الذي تقتضي الترجمة التدرب المنهجي واتباع القواعد ووتوفر ملكة الكتابة ودقة الأداء".

"الترجمة ترجمات"

الترجمة ترجماتٌ. هكذا يجيبك الديداوي، عندما تسأله عن تعريف الترجمة ومناهجها، ذلك أن أهمية وطريقة أي علم تتحدد بحسب الغرض منه. وبالنسبة للعالم العربي، يرى الديداوي ان "هناك نوعان رئيسيان من الترجمة يصلحان له: الترجمة البيانية والترجمة التعريبية. فالترجمة البيانية هي التي يُتَوخّى فيها البيان والوضوح والدقة والتكييف الكامل مع مقتضيات العربية"، ويمكن الإستفادة منها عربيا من خلال التعامل مع كبريات دور النشر والحصول على الكتب القيمة، وخاصة العلمية منها، أثناء إعدادها للنشر في اللغة الأصلية وتوزيعها على ثُلَّة من العلماء العرب القادرين على النقل، ثم إصدار الكتاب في زمن قياسي ، على أن يستعان بالوسائل الحاسوبية، ومنها شبكة الإتنرنت" في نشرها والإعلام بها.

وأما النمط الثاني، فهو الترجمة التعريبية، وهي تسمى كذلك "لأنها توظف أكثر من لغة، وفيها يستوعب الإختصاصي العربي الملم باللغات والقادر على الكتابة بالعربية المعلومات في موضوع من اختصاصه في لغات متعدّدة، ويأتي بعصارتها مع التكييف اللازم والإضافة المستحسنة".

وفي هذا النوع من الترجمة، "اختصار للوقت وادخار للمورد وربح للمال". فالكتاب الواحد يغني عن ترجمة العديد من الكتب، والأهم من هذا وذاك أنه يُقْدر العربية على احتواء العلوم الحديثة بعد أن أثبتت قدرتها من قبل. وتظل الترجمة ضرورة ملحة للتواصل بين الشعوب وتيسير التفاهم والتعايش وإشاعة السلام في العالم. ويقول محمد الديداوي، وهو الخبير بأسرار المنظمة التي عمل فيها لعقود ثلاثة: "تهتم الأمم المتحدة أيما اهتمام بالتعدد اللغوي، ولقد اعتمدت الجمعية العامة قرارات هامة في نفس السياق، ومنها اعتبار سنة 2008 سنة دولية للإحتفال باللغات".

العربية قادرة على الإستيعاب

وقد ساهم دخول اللغة العربية للأمم المتحدة سنة 1973 في بلورة المصطلح العربي المتخصص، ويساهم المترجم العربي في المنظمة مساهمة فعالة في تحيين الإستعمالات اللغوية العربية وربطها بقضايا العصر والمعارف المستحدثة. واستثمارا لهذه المكاسب، صدرت توصية عن مؤتمر التعاون الدولي في مجال المصطلح، المعقود في تونس في عام 1987، تدعو إلى استغلال الرصيد المصطلحي للمنظمات الدولية.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن هذه المصطلحات متوفرة حاليًّا ومتاحة على الشبكة العالمية للإنترنت، وأصبح هناك اهتمام أكبر ومُمَنْهَج في دائرة الترجمة العربية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك وغيرها على نطاق أضيق، وتدقيق المفاهيم المصطلحية ووضع قوائم بها تدريجياًّ وعرضها للمناقشة.

كما أن شبكة "أحسن"، وهي شبكة تعريب العلوم الصحية في المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، تلعب دوراً بارزاً في تعريب الطب. وأكد الدكتور محمد الديداوي، رئيس مكتب الترجمة بمنظمة الأمم المتحدة بجنيف لسويس إنفو أن "العربية أثبتت دوليًّا، بما لا يدع مجالاً للشك، كفاءتها ومقدرتها على المسايرة والاستيعاب في جميع ميادين العلوم والتخصصات، يساعدها في ذلك بيانها واشتقاقها ومطواعيتها".

سويس انفو - عبد الحفيظ العبدلي - جنيف

محمد الديداوي، المؤلف والكاتب

يمتلك الدكتور محمد الديداوي تجربة واسعة في مجال الترجمة والتأليف، وله أبحاث متميزة تقدم بها إلى أزيد من 50 مؤتمر دولي عن الترجمة وعلم المصطلحات في أقطار عربية وفي أوروبا وأمريكا باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية.
ويتمتع الديداوي بخبرة تزيد عن 28 سنة في مضمار الترجمة في الأمم المتحدة، وعمل مترجما ورئيسا لقسم الترجمة في اربعة مقار مختلفة للمنظمة الدولية، في نيويورك، وأديس أبابا، وفي فيينا. وقضى الثماني سنوات الأخيرة في المقر الاوروبي للمنظمة بجنيف.

كذلك عمل مدرسا في العديد من الجامعات والمدارس العليا منها مدرسة الملك فهد للترجمة بطنجة، ومدرسة الترجمة بجامعة جنيف، وقسم الترجمة بالجامعة اللبنانية ببيروت.

حصل محمد الديداوي على الإجازة في الترجمة التحريرية والفورية، وعلى الدراسات المعمقة في اللسانيات، وعلى الدكتورا في علم الترجمة ونظرياتها.

من مؤلفات الدكتور الديداوي:

دليل المترجم: تصور وإسهام وإشراف ومراجعة (مصطلحات متخصصة ومختصرات ومعلومات أساسية)
نشرات مصطلحية إنكليزية - عربية حول مواضيع تخصّصية (الطاقة والتجارب النووية والمخدرات ومكافحة الجريمة، إلخ)
علم الترجمة بين النظرية والتطبيق. مكتبة المعارف: سوسة، تونس (1992)
الترجمة والتواصل.دراسات عملية تحليلية لإشكالية الإصطلاح ودور المترجم. المركز الثقافي العربي: بيروت / الدار البيضاء (2000)
الترجمة والتعريب بين اللغة البيانية واللغة الحاسوبية. المركز الثقافي العربي، بيروت\الدار البيضاء (2002)
منهاج المترجم: بين الكتابة والاصطلاح والهواية والاحتراف، المركزالثقافي العربي، بيروت\الدارالبيضاء (2005)
أبحاث منشورة في مجلات متخصصة عربية، منها اللسان العربي التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية، ومجلات متخصصة غير عربية

2008.. سنة دولية للغات

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2008، سنة دولية للغات، وأسندت لليونسكو مهمة تنسيق الأنشطة المتعلقة بهذه المناسبة.وبهذا القرار تكشف المنظمة عن وعيها الحاسم بأهمية اللغات ودورها في التصدي للتحديات العديدة التي سيتعين على الأمم مواجهتها خلال العقود المقبلة. وترى الأمم المتحدة "أن اللغات من المقومات الجوهرية لهوية الأفراد والجماعات وعنصر أساسي في تعايشهم السلمي، كما انها عامل إستراتيجي للتقدم نحو التنمية المستدامة، فضلا عن كونها شرط لابد منه لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية".

واللغة، بحسب ما تضمنت رسالة لليونسكو : "عامل أساسي للإندماج الإجتماعي، وتؤدي دورا إستراتيجيا في القضاء على الفقر والامية وفي نقل المعارف واكتسابها، وفي مكافحة الامراض والفيروسات، فالقيام بحملات ناجحةفي أي مجال من المجالات يتطلب مخاطبة الناس بلغاتهم المحلية".

كذلك ترتبط هذه المبادرة بالخشية من الإنعكاسات الضارة للعولمة، على التنوع والتعدد الثقافي. فالإحصاءات تشير إلى أن 50 % من اللغات المحكية حاليا في العالم، والبالغ عددها 7000 لغة معرضة للإندثار في غضون بضعة اجيال، وأقل من ربع هذه اللغات يستخدم حاليا في التعليم وعلى شبكة الإنترنت، وبشكل غير منتظم.

وقد ساهم دخول اللغة العربية للأمم المتحدة سنة 1973، في بلورة المصطلح العربي المتخصص ولعب المترجم العربي في المنظمة أدوارا فعالة في تحيين الإستعمالات اللغوية العربية وربطها بقضايا العصر والمعارف المستحدثة وإتاحتها على أوسع نطاق عبر شبكة الإنترنت.



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×