Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

محمد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب التونسي


"تونس بحاجة إلى مساهمة سويسرية أقوى وأهمّ في ميدان الإستثمارات"




اختتم يوم الجمعة 23 سبتمبر الجاري وفد برلماني تونسي يترأسه محمد الناصر، رئيس مجلس نواب الشعب زيارة رسمية استمرت أربعة أيام إلى سويسرا بدعوة من البرلمان الفدرالي، تخللتها لقاءات رسمية مع رئيسة مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ ومع أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، كما تزامنت مع الإعلان عن تشكيل مجموعة صداقة برلمانية سويسرية تونسية. 

ومع أن البرنامج المكثف للوفد الذي ضم في صفوفه نوابا من مختلف الكتل السياسية (من ضمنهم نائبان من سويسرا عن التونسيين المقيمين في الخارج) ومسؤولين إداريين في البرلمان التونسي تركز على التعريف بكيفية سير عمل السلطة التشريعية في سويسرا وعلاقتها بالسلطة التنفيذية إضافة إلى خصوصيات النظام اللامركزي وتقاسم السلطات والصلاحيات بين البلديات والكانتونات والكنفدرالية، إلا أن ملف التعاون الإقتصادي ومسألة تعزيز حضور الإستثمارات السويسرية العمومية والخاصة في تونس كانا حاضرين بقوة طيلة الزيارة، مثلما يشرح السيد محمد الناصر في هذه الحوار الخاص الذي أجرته معه swissinfo.ch في برن.

swissinfo.ch: في ختام هذه الزيارة الرسمية التي قمتم بها إلى سويسرا بدعوة من البرلمان الفدرالي، ما هي أبرز المسائل التي لفتت نظركم أو استرعت انتباهكم بعد اطلاعكم على الطريقة التي تُدار بها أشغال البرلمان السويسري؟

اطلعنا على طرُق عمل وعلى ثقافةِ تعامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية سنستفيد منها

محمد الناصر: كانت زيارتنا متزامنة مع نظر البرلمان في موضوع مهم يتعلق بالعلاقة بين الكنفدرالية والإتحاد الأوروبي فيما يتعلق بحرية تنقل الأشخاص وقد واكبتُ بعض النقاشات ولاحظتُ تنوع الأحزاب ومستوى النقاش ورأيت مثالا لبرلمان فيه أحزاب مختلفة وهو شأننا في تونس. فنحن لدينا برلمان فيه أحزاب كثيرة وكتل مختلفة ويمتاز بنقاشات تبدو فيها اختلافات وجهات النظر ولكن هذا يؤول في نهاية المطاف إلى وجود صيغة من التوافق التي إن لم تسفر عن إجماع فهي تحظى بأغلبية واسعة. هذا رأيته في البرلمان السويسري، حيث شاهدت مستوى النقاش والتنوع وكيفية التخاطب التي كانت هادئة بدون تشنج، وبطبيعة الحال، نحن نسير في تونس في نفس الإتجاه.

إضافة إلى ذلك، كان الهدف من زيارتنا الإستفادة من تجربة سويسرا فيما يتعلق بتمكين البرلمان من مراقبة السلطة التنفيذية، ذلك أن دور البرلمان - في تونس وغيرها - لا يقتصر على التشريع وسن القوانين فقط بل يشمل مراقبة السلطة التنفيذية أيضا. لقد جئنا واستفدنا واستمعنا ونظرنا وتمعّنا في كيفية العلاقة بين البرلمان والحكومة وفي كيفية مراقبة البرلمان لتنفيذ الحكومة لتعهداتها ولميزانيتها وللأهداف التي من أجلها تمت الموافقة على القوانين. وبالفعل اطلعنا على طرُق عمل وعلى ثقافة تعامل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية سنستفيد منها.

swissinfo.ch: كما تعلمون يتميّز النظام السياسي في سويسرا بالبحث الدؤوب عن التوافق والحلول الوسط على جميع المستويات. وفي تونس، يبدو أن العديد من التشريعات والقوانين تُراوح مكانها في مجلس نواب الشعب بسبب صعوبة التوصل إلى توافقات بين مختلف الكتل البرلمانية. ما هو رأيكم في تجربة المؤسسة التشريعية السويسرية في بلورة ونسج التوافقات؟

محمد الناصر: سؤالك يجرني إلى تصحيح ما ورد فيه. صحيح لدينا قوانين لم يتم النظر فيها بعدُ لكن السبب لا يعود إلى عدم وجود توافق فيما بيننا بشأنها بل لأن كثرتها ونسق تقديم مشاريع القوانين سواء من طرف الحكومة أو من طرف النواب (في إطار المبادرات التشريعية) ونسق العمل في اللجان أدى إلى تراكمها. لقد تمكنا في الدورة الحالية من المصادقة على 80 قانونا وهو عدد لا بأس به وصادقنا بالخصوص - خلافا لما يُقال ولما لمّحت له شخصيا - على القوانين المهمة التي من بينها بعثُ وتأسيس المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية وقانون الشراكة بين القطاع العام والخاص وقانون مقاومة الإرهاب وقانون الإستثمار الجديد. فكل القوانين المهمة مرت أمام المجلس ونظرنا فيها وأسجل هنا أننا عملنا في السنة الماضية وفي هذا العام أيضا في مدة الراحة السنوية ونحن الآن في دورة استثنائية حيث سنواصل حتى موفى شهر سبتمبر لإنهاء النظر في بعض القوانين ذات الصبغة الإستعجالية.

swissinfo.ch: إذن فالقضية لا تتعلق بالتوافق بقدر ما ترتبط بالعدد الكبير للقوانين المعروضة على التصويت..

محمد الناصر: نحاول أن نصل إلى التوافق ولكن مهما كان الأمر لا يُمكن تمرير أي قانون إلا إذا توفرت له أغلبية. نحن نحاول أن لا تكون هناك دائما أغلبية وأقلية ونسعى للوصول إلى قدر من التوافق، ولكن في حالة انعدام التوافق التام فلا بد من أغلبية حتى تُستكمل العملية التشريعية ويمر القانون. 

swissinfo.ch: كما هو معلوم، كانت سويسرا من الدول المبادرة إلى تقديم الدعم السياسي والقانوني والتنموي إلى عملية الإنتقال الديمقراطي في تونس. اليوم، بعد مرور حوالي 6 أعوام على اندلاع الثورة، ما الذي لا زالت تنتظره تونس من برن؟

محمد الناصر: فعلا، التعاون بين سويسرا وتونس كان تعاونا جيدا ومثمرا ونحن نثمّن فعلا مواكبة الكنفدرالية السويسرية لمجهود تونس، وخاصة في فترة الإنتقال الديمقراطي. كما نثمن ما تحمله السلط السويسرية من اهتمام بهذه التجربة التونسية الثرية. فالتعاون موجود في مختلف الميادين ونحن نثمنه ونقدره، لكن وضعنا اليوم ونوعية التحديات التي نجابهها.. وهي تحديات كبيرة أمنية واجتماعية واقتصادية ومالية تزامنت مع طلبات شعبية مهمة من بعض المناطق التي لم تأخذ نصيبها من التنمية ومن طرف شباب تحصل على شهائد علمية وتخرّج من الكليات ومن المعاهد ولا زال في انتظار التشغيل إلى درجة أن البعض منهم يصل إلى الهجرة السرية أو الإنتحار أو الإنضمام إلى جماعات العنف والتشدد.

هذا الوضع نريد أن نجابهه بخطة محكمة تعيد النشاط الإقتصادي إلى سالف عهده وتعيد الأمل في نفوس التونسيين وتبني على مراحل إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية واستكمال المرافق الضرورية في الجهات المحرومة وهو ما سنعمل على تجسيمه بقدراتنا الخاصة، ولكننا بحاجة إلى مساعدة أصدقائنا وفي هذا الصدد نحن نعتبر سويسرا في مقدمة الأصدقاء الذين يحبّون تونس ويعملون من أجل نجاحها.. إن نجاح تونس يتطلب اليوم مدنا بمساعدات تتماشى مع تطلعاتنا وطموحنا لتنفيذ هذه الخطة بمزيد الإستثمار السويسري في تونس. نحن بحاجة إلى مساهمة أقوى وأهمّ في ميدان الإستثمارات، لأن مشاكلنا اليوم ناجمة عن وجود خلل في التوازنات على مستوى ميزان الدفوعات وفي ميزانية الدولة وعن وجود خلل في التوازن بين الإدخار ومحصول الأداءات وما يتطلبه المجهود المالي لإنقاذ الإقتصاد الوطني وبناء المؤسسات وتنشيط الإقتصاد لخلق مواطن شغل وللإستجابة لحاجيات المناطق المحرومة. 

swissinfo.ch: هل لديكم مؤشرات أولية عن نوعية الرد السويسري على هذه الطلبات التونسية؟

محمد الناصر: تحدثت شخصيا والوفد المرافق لي مع رئيسة مجلس النواب ومع رئيس مجلس الشيوخ ومع لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان ومع الكثير من النواب الذين نعرفهم ويعرفوننا ووجدنا تفهما واستعدادا وقد سرنا كثيرا الإعلان (خلال هذه الزيارة) عن تشكيل مجموعة صداقة برلمانية سويسرية - تونسية برئاسة شخصيتين معروفتين في سويسرا وهما كلود هاش، الرئيس السابق لمجلس الشيوخ وكارلو سوماروغا، عضو مجلس النواب. هذه المجموعة تأتي مقابلة للجنة الصداقة البرلمانية التي سبق أن أسسناها في تونس في مجلس نواب الشعب (في مارس 2016 - التحرير)، وسنربط الإتصال مع هذه اللجنة حتى تساعد على التعريف بحاجيات تونس ولتوظيف - إن صح التعبير - الوزن المعنوي والسياسي لدفع التعاون المثمر بين سويسرا وتونس في الميدان الإقتصادي وخاصة في مجال الإستثمار.

المهم ليس في التفويض، بل في أن يكون ناجعا ويخدم الشعب والمواطن 

swissinfo.ch: لا زال التونسيون في انتظار تفعيل ما ورد في الباب السابع المتعلق بالحكم المحلي في دستور يناير 2014. ويوم الأربعاء الماضي (21 سبتمبر) قمتم بزيارة صحبة الوفد المرافق لكم إلى كانتون فريبورغ للإطلاع على كيفية ممارسة اللامركزية وإدارة العلاقات بين السلطات على المستوى البلدي والمحلي عموما. رغم اختلاف السياقين، ما الذي يُمكن أن تستفيده تونس من التجربة السويسرية في هذا المجال تحديدا؟

محمد الناصر: جئنا كذلك لنرى كيف تتم الأمور في هذا البلد الكنفدرالي المبني على الديمقراطية المباشرة والمؤسس على سلطة الشعب الممثلة في بلديات وكانتونات وكنفدرالية. فعلا، نصّ دستورنا على التوجه إلى لامركزية السلطة ومنحَ سلطات أقوى وأكثر للبلديات والجهات. لا زلنا في بداية الطريق، ونحن بصدد إعداد العدة لهذا الأمر، وهي لا تقتصر على التصميم أو على النصوص، بل في كيفية تفويض الدولة المركزية للبعض من سلطاتها إلى الجهات وإلى البلديات. ما هي السلطات التي يُمكن أن تفوّضها؟ وما هي الشروط التي يجب أن تتوفر لنجاح هذا التفويض؟ إذ أن المهم ليس في التفويض، بل في أن يكون ناجعا ويخدم الشعب والمواطن بشكل أكبر وأن يُحسّن في أداء الإدارة والمصالح العمومية للسكان.

لقد رأينا هنا كيف أن الحكم المحلي مبني على تقاليد يشترك فيها المواطن والسلطة، وهي تقاليد مبنية على كفاءات ممتازة خصوصا وأن سويسرا تشتهر بحب المواطن لعمله ورغبته في إتقانه. لذلك فإن السؤال هو: كيف يُمكن تفويض هذه السلطات لا فقط لسلطة قادرة أن تكون في مستوى المسؤولية وأن تتعامل مع المواطنين، ولكن كذلك إلى كفاءات متميّزة في مختلف مستويات المسؤوليات الجهوية والمحلية. خلاصة القول، يتطلب الموضوع النظر في كل هذه المسائل والتعمق فيها وتوفير أسباب نجاح هذه العملية لفائدة الشعب. يجب أن تكون النتيجة تحسينا في أداء هذه الإدارات، وشعور المواطن لا فقط بنخوة المسؤولية في تسيير شؤونه بنفسه، ولكن أيضا بوجود تحسّن في مستوى الخدمات التي يتطلبها لفائدته.

×