مدير منظمة كاريتاس الخيرية: "لدينا مشكلة فقر حقيقية في سويسرا"

هوغو فازيل مدير منظمة كاريتاس الخيرية :" التعليم هو أحد النُقاط الأساسية في مُحاربة الفقر".

هوغو فازيل مدير منظمة كاريتاس الخيرية :" التعليم هو أحد النُقاط الأساسية في مُحاربة الفقر".

(Keystone)

سَلَّط أولُ مؤتمر وطني حول الفَقر في سويسرا الضوء على مُشكلة لا تُربَط بالكنفدرالية "الغنية" في العادة. وشَدَد المؤتمر الذي التأم يوم 9 نوفمبر من العام الجاري على ضرورة بَذل المزيد من الجهود لمكافحة العوَز. وكما يقول هوغو فازيل، مدير منظمة "كاريتاس" الخيرية فإنَّ التعليم المبكر وتكافؤ الفرص يلعبان دوراً مركزياً في التغلُّب على هذه االظاهرة.

و في تصريح خاص إلى swissinfo.ch، أشارَ فازيل الى إنَّ أكثر من ربع مليون طفل سويسري يعيشون تحت خط الفقر، في الوقت الذي لا يُفتَرَض أن يُشَكِّل الفَقْر أي قضية (في بلد مثل سويسرا). كما اعتبر فازيل السياسة السويسرية المُتَّبعة في مجال الأسرة "مُتخلَّفة عن الركب" بالمُقارنة مع دول الشمال (التي تطلق عليها تسَمية الدول الإسكندنافية أيضاً).

و قد تأسَسَت منظمة "كاريتاس" الخيرية الدولية في مدينة فرايبورغ الألمانية. هي عبارة عن إتحاد 164 مُنظمة إغاثة وتَنمية و خِدمة إجتماعية كاثوليكية تعمل في أكثر من 200 بلداً وإقليماً في جميع أنحاء العالم. و تهدف المُنَظمة الى العمل - بشكلٍ فردي أو جَماعي - من أجل بناء عالم أفضل، ولا سيما للفقراء والمظلومين.

و أشار تقرير أصدرته وزارة الداخلية السويسرية في شهر أغسطس من العام الجاري بعنوان "إستراتيجيات عالمية لمكافحة الفقر في سويسرا"، الى إتخاذ العديد من الخطوات لمَنع ومُكافحة هذه الظاهرة. وتوصَّل مسؤولون في الوزارة الى "النهَج السياسي المناسب" المُكَوّن من ثلاثة إجراءات هي : تحَسين قضايا المُساواة، العمل من أجل تحسين فرص الحصول على التدريب المِهَني و الوصول الى سوق العمل، ومُكافحة الفَقر على مستوى الأسرة.

swissinfo.ch: في المؤتمر الذي عُقِدَ لمُناقشة الفَقر، ألقيَت العديد من الخطابات من قبَل أشخاصٍ لم تَمَسَّهم المشكلة بشكلٍ مُباشِر كما لا يعرفون عنها أكثَر مِما يَصِلَهم عن طريق الأخبار المُتَناقَلة. فهل كان الإعلان الختامي أكثر من مجرد "نمر من ورق"؟

هوغو فازيل: البيان الختامي هو بداية لعملية تالية .و ماهو جدير بالذكر عَلَى أي حال، هو إستِعداد الحكومة السويسرية لِتَناول هذه القضية و مُعالجتها.
حتى اليوم، كان التعامل مع مسألة الفَقر من مَهام الكانتونات والبلديات. غير أنَّ الحكومة الفدرالية أدرَكَت بأن عليها أن أن تلعب دورها في التنسيق و القيادة، ولا سيما في سوق العِمِل.
من المهم أن يحصل الناس على وظيفة، ومن غير المقبول حصول العديد من الناس على رواتب لا تسمح لهم أن بتَخَطي حاجز الفَقر. و اليوم هناك نحو 2,000 شخص يفقدون مُستحقاتهم من صناديق البطالة شهرياً على إثر انتهاء الفترة القانونية المَمنوحة اليهم، دون العثور على وظيفة جديدة. ولا يبقى لدى هؤلاء و الحال هذه سوى اللجوء الى مؤسسات المُساعدة الإجتماعية. ومن المُفتَرَض أن تبدأ مرحلة التدخل لِعَكس هذا التوجه من هذه النقطةا.
لقد كان المؤتمر الذي ناقش ظاهرة الفَقر في سويسرا هو الأول من نوعه، ولا يزال هناك مجال للإرتقاء في بعض الأمور، كأن يكون إشراك الأشخاص المَعْنيين في العملية بشكل اكثر فعّالية على سبيل المثال. و من المؤكد انَّ أمامنا الكثير لنتَعَلَّمه.

swissinfo.ch: لماذا يُشَكِّل الفَقر قضية بالأصل في سويسرا الغنية؟

هوغو فازيل: لفترة طويلة، لم يكُن الفَقْرموضوعاً للنِقاش على الإطلاق. ولم يكن الناس يرغبون بالحديث عن حقيقة أنَّ شخصاً من بين كل عشرة أشخاصٍ مُهَدَّدٌ بالفقر في سويسرا. إنّها حالة جديدة بالفعل، وقد أكد هذا المؤتمر وجود مُشكلة فَقرٍ حقيقية في الكنفدرالية.

كيف تتعامل سويسرا مع مشكلة الفقر بالمُقارنة مع الدوَل الأخرى؟

هوغو فازيل: المقارنات الدولية صعبة للغاية. وبِقَدَر تعلُّق الأمر بسياسات الأسرة، فإنّ دول الشمال (وتسمى بالدول الإسكندنافية أيضاً وتشمل منطقة في شمال أوروبا وشمال الأطلسي وتتكون من الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد والأراضي المُرتبطة بها والتي تشمل جزر فارو وغرونلاند ، سفالبارد وآلاند). مُتَقَدِّمة على سويسرا بفارقٍ كبير. ولدينا اليوم في سويسرا نحو 260,000 طفل يعيشون في حالة فَقر، في الوقت الذي نُلاحظ فيه أنَّ السياسات المُتَعَلِّقة بالأسرة في هذه الدول مُتَقَدَّمة بِفارقٍ كبير. وهناك مجالات اخرى تصبح المُقارنة فيها أصعب بكثير.

يخجل العديد من الأشخاص في سويسرا من اللجوء الى مؤسسات المساعدة الإجتماعية، في حين يُسئ البعض الآخر إستخدامها. هل ترون أنَّ هذا النظام عادل؟

هوغو فازيل: بِشَكلٍ عام، لا تشكِل الإنتهاكات (أو سوء الإستخدام) لمؤسسات المساعدة الإجتماعية نسبة عالية في سويسرا. ولا يهدف الجَدل الدائر حول الفقر إلى إستحداث خدماتٍ إجتماعية جديدة، ولكنه يرمي إلى مَنع الفَقر. نحن نرغب بِمَنح الشباب تدريباً مِهنياً بدلاً عن المساعدات الإجتماعية كي لا يصبحوا فريسة للفَقر في المُستَقبل نتيجة عدم حصولهم على موردٍ كاف. و بدلاً عن منح الأُسَر الكبيرة العدد مساعدات مالية للإنفاق على أطفالهم، نهدِف الى زيادة المُخَصَصات المَمْنوحة لهؤلاء الأطفال ولمَنْحِهِم مزايا تكميلية من أجل تأمين حصولهم على تعليمٍ و تدريبٍ مهني جَيِّد، بدلاً من العيش في نفس الفَقر الذي عانى منه الوالدين، والفَرق بين الحالتين جوهري.

إذن يلعب التعليم الدور الرئيسي في مكافحة الفقر؟

هوغو فازيل: التعليم هو أحَد النقاط الرئيسية، حيث يُعاني الشباب الذين لا يملكون مؤهلاً جيداً من صعوباتٍ للحصول موطئ قدم في سوق العمل. أمّا الموظفين الأكبر سِنّاً والذين لم يحصلوا على تدريب مُستَمِر، فهم يُعانون من مشكِلة أيضاً. ومع إنَّهم ما زالوا يَملكون درجتهم العلمية (تدريبهم الإبتدائي)، إلا أنَّهم، لا "يستوفون" المَعايير الحالية لسوق العمل. وهذا يعود بنا الى نفس النتيجة السابقة، التي تُقَدِّم التدريب المُستَمِر كنقطةٍ مركزية جداً.

في كثير من الأحيان يفتَقِر الفقراء الى إمكانية الوصول على وسائل الإتصال الجديدة كالإنترنت. هل تشكل الفجوة الرقمية قضية أيضا ؟

هوغو فازيل : نحن لا نزال نقف في أقصى البداية فيما يتعلّق بهذه القضايا. ومن المُلاحَظ بأنَّ الفَقر عاملٌ مُشتَرَك بين عدة قطاعات، فهو يؤثِر على التعليم والمهارات اللغوية، وعدد الأطفال، والخلفية الاجتماعية. ويعني هذا بالنتيجة تطبيق أدوات مُختلفة لأسباب فقرٍ مُختَلِفة. وإذا كان الآباء يُعانون من الفَقر، فقد يكون هذا هو مصير الأطفال أيضاً، وربما عاد السبب الى إفتقادهم للمُعِدّات الالكترونية الضرورية. كانت لدَيّ فكرة بضرورة إمتلاك جميع الأطفال في المرحلة الإبتدائية الثالثة أو الرابعة لجهاز كمبيوتر مَحمول، إذ من المُلاحَظ بأن الأطفال الذين لا يملكون جهازاً مثل هذا يكونون مُتَخَلَّفين في الدراسة عن أقرانهم، وهذا مِثال على إنعدام تكافؤ الفرص.

في العالم الثالث، هناك مشروع يُسَمّى "حاسوب مَحمول لكل طفل". لِمَ لا يبدو هذا الموضوع مهما في سويسرا؟

هوغو فازيل: انها مسألة مثيرة حقاً ، إذ نرى أنَّ كل طفلٍ في أوروغواي (وهي دولة تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من قارة أمريكا الجنوبية) مثلاً يملك جهاز حاسوب بسيط إعتباراً من سِنٍّ معينة لإن ذلك جزء أساسي من مسألة تكافؤ الفرص. وفي السابق كان لكلٍ طفل في سويسرا سبورته الخاصة وثَمَّ دفاتره المدرسية المجانية.

وفقا لدراسة حديثة تملك نسبة 3 % من سكان سويسرا نصف ثروة البلاد، كما توسَعَت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الاونة الخيرة، ما السبب وراء ذلك؟

هوغو فازيل : تكمن المشكلة الحقيقية بالفِعل في أنَّ توزيع الثروة في سويسرا أصبح أكثر إفتقاراً للعدالة. وفي الحقيقة لا تملك سويسرا أي "ضرورة" تجعلها تعاني من الفَقر، ذلك أنَّ الثروة موجودة، و تكمن المسألة بصورة بَحتة في التوزيع. لهذا السبب يجب علينا أن مُمارسة الضغط من أجل الحصول على الكفاية من الأجور الجَيدة. فلا يُمكن لعائلة لا يَزيد دخلها الشهري عن 3000 فرنك أن تَتَدَبَّر معيشتها. ومن المُفتَرَض أن لا نُوفر فُرَص عملٍ بِمُرَتَّبات لا تَسمح بالعَيش الكريم، و تحتِم على الدولة بالتالي توفير مُساعدات إضافية.

"الفقر والشيخوخة" قضية تم تهميشها في المؤتمر، لماذا؟

هوغو فازيل : مع مثل هذا الحَدَث الكبير هناك دائمًا عدد من القضايا التي تبقى في نهاية القائمة. في نفس المؤتمر لم يتم التَطَرُّق الى علاقة الفَقر بالصحة أيضاً. نحن نعلم جيداً بأنَّ الفقراء يعيشون لمدة أقل، و لكن هذا المسألة لم تُناقش كذلك. بالنتيجة، فإنني أرحِّب كثيراً بإعتزام الحكومة السويسرية عَقد مثل هذا المؤتمر كل سَنَتَين على الأقل، مع تكفلها بالنَظَر الى المواضيع التي َبقيتْ من دون إجابة خلال هذه الفترة. وكمُديرٍ لمنظمة "كاريتاس" سأتكفل بدوري بإبقاء هذه الأسئلة في موقع الصدارة.

الفَقر في سويسرا

من أجل تعريف الفَقر، إستندَ المؤتمر السويسري للمُساعدة الاجتماعية (SKOS) على ثلاثة جوانب أساسية هي: النفقات اليومية، وأقساط التأمين الصحي، وتكلفة الإيجار.

تختلف حدود الفَقر من شخص الى آخر، إذ يقع الحَد الأدنى بالنسبة لشخصٍ الواحد عند دخلٍ شهري مقداره 2300 فرنك سويسري. وبالنسبة لعائلة مكونة من طفلين يُعيلهما أحد الوالدَين (نتيجة للإنفصال أو لغيره من الأسباب)، يقع الحد الأدنى عند 3900 فرنك. أمّا العائلة المُكونة من كلا الوالدين مع طفلين، فيقع معدل الفقر لديها عند 4800 فرنك.

إستناداً على تعريف المؤتمر السنوي للمساعدة الإجتماعية، أظهرت إحصائية قام بها المكتب الفدرالي للإحصاء في عام 2007، بأنَّ 9% من الأشخاص في سن العمل يعيشون تحت خط الفقر في سويسرا.

تَعْتَمد المصادر الأخرى لقياس الفَقر في سويسرا على الأرقام المُعلنة من قِبَل مؤسسة المساعدة الاجتماعية و"العُمّال الفقراء" (وهو من يعمل بدوام إسبوعي كامل ورغم ذلك لا يستطيع الوفاء بإلتزامتِه المالية سواء كفرد أو كمُعيلٍ مسؤول عن اسرة كاملة).

في عام 2008 ، بلغت نسبة "العمّال الفقراء" 3,8%، في حين بلغت نسبة مُتَلَقي المُساعدات الإجتماعية 2,9%.

وفقاً لمنظمة التعاون و التنمية الإقتصادية OECD يعيش 9,3% من الأطفال في سويسرا في ظروف فَقرٍ نسبي.

يحتاج 12% من المتقاعدين إلى مُساعدات إجتماعية بالإضافة الى رواتبهم التقاعدية من اجل تغطية نفقات معيشتهم. وبالرغم من هذه المساعدات لا يزال ثُلث العدد الكلّي للمتقاعدين - 45,000 شخص - يعيش في فَقر.

تبلغ نسبة الوالدَين الذين يعيلون عوائلهم بصورة إنفرادية ومِمَن يُحسبون ضِمن "العمّال الفقراء" 10%. ويعني ذلك أنهم يعيشون في فقر نِسبي على الرغم من مُمارسَتهم لعمل بدوام كامل طيلة أيام الأسبوع، نظراً الى دخلهم الشهري المُنخَفض. وفي عام 2006 ، تلقى 18% من هؤلاء مساعدات إجتماعية.

في نهاية شهر مارس 2010 قامت الحكومة السويسرية بنشرِ تقريرٍ حول الفَقر في الكنفدرالية. وقد دعا التقرير الى تكافؤ فرص التعليم، وتحسين إعادة الإندماج في سوق العمل، والى إتخاذ تدابير لمكافحة الفَقر بين العائلات. كما أوصت الحكومة بِمَنح السلطات المحلية و سلطات الكانتونات مساعدات إجتماعية إضافية للعائلات المُحتاجة.

قدرت مؤسسة "كاريتاس" الخيرية التابعة للكنيسة الكاثوليكية في وقت سابق من هذا العام أن ما يصل إلى 900,000 شخص - أي ما يقدر بـ 12% من سكان سويسرا - هم بحاجة إلى الرعاية الإجتماعية. غير أن منظمات ومؤسسات أخرى إختَلَفَت معها في تحديد هذا العدد.

في هذه السنة، قدمت مؤسسة "كاريتاس" تدابير لِخفض معدل الفقر في سويسرا إلى حد النصف بحلول عام 2020، كجزء من "السنة الأوروبية لمكافحة الفقر والتهميش الاجتماعي".

مطالب ومقترحات منظمة "كاريتاس"

1. إعداد تقرير حول الفَقر في كل كانتون سويسري. ومن أجل تطوير سياسات جَيّدة، ينبغي أن يكون التطور معلوماً.

2. تعزيز إجراءات الإندماج والتكامل في سوق العمل. وبالرغم من وجود العديد من هذه الأدوات في الوقت الراهن، إلا أنَّها تفتقد الى التنسيق فيما بينها.

3. تحمُل القطاع الإقتصادي (أي الشركات وأرباب العمل والمؤسسات المالية) لمسؤوليته بشكلٍ أكبر، وتوفير الشركات أجورَ عملٍ تكفل العيش الكريم لصاحبها.

4. توفير المزيد من الشركات الإجتماعية، ومَنْح الأشخاص الذين عانوا من فُقدانهم لعملهم فرصة ثانية للعمل.

هوغو فازيل

ولد في كانتون فريبورغ في عام 1955. وهو يشغل منصب مدير منظمة "كاريتاس" الخيرية منذ أكتوبر 2008.

منذ عام 1991 وحتى 2008، شغل فازيل، الإقتصادي والنقابي السابق، مَقعداً في مجلس النواب السويسري مُمَثِلاً عن الحزب الديمقراطي المسيحي.

swissinfo.ch



وصلات

×