Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

المراعي السويسرية


مُنتجو الألبان السويسريون يخوضون صراعاً من أجل البقاء


بقلم بيتر سيغنتالر


تفقد سويسرا سنويا ما بين 800 و 900 من المزارع المُخصّصة لإنتاج الألبان. (Keystone)

تفقد سويسرا سنويا ما بين 800 و 900 من المزارع المُخصّصة لإنتاج الألبان.

(Keystone)

لم تَنخفض أسعار الحليب إلى أدنى مستوياتها نتيجة إنتاج كميات تفوق الطلب في الأسواق الأوروبية فَحَسب، ولكنها تدنَّت في سويسرا أيضاً. مع ذلك، يضطر مزارعو الألبان باستمرار إلى اتباع أساليب إنتاجية أكثر كفاءة من أجل البقاء على قيد الحياة في هذا الصراع التنافسي. أحد مُربي الأبقار الغزيرة الإنتاج وأحد المزارعين الذي يدير منشأة عالية التقنية لإنتاج الألبان، يرويان قصة صمودهم (حتى الآن) أمام هذه الوفرة في الحليب.

تُعَدُّ حظيرة الأبقار التي يمتلكها من بين الأكبر والأحدث في قطاع صناعة الألبان السويسرية. حَلب الأبقار يتولاه روبوت كلما رغبت هي بذلك، كما تتم تغذيتها بشكل أوتوماتيكي تماماً. أما عملية تنظيف الحظيرة من الفضلات فتنجز من قبل روبوت آخر. "لقد تخصصنا في صناعة الألبان، واستثمرنا الملايين، ولجأنا إلى الترشيد ورفع مستوى الكفاءة"، كما قال مزارع الألبان الذي لم يرغب بنشر اسمه.

وكان سعر الحليب قد إنخفض للمرة الثانية خلال الأشهر الأخيرة ليصل إلى إقل من 50 سنتيماً للتر الواحد. وبالنسبة لهذه المنشأة الفائقة التقنية، كان السعر المُحدد بـ 55 سنتيماً هو المبلغ الأدنى لتغطية تكاليف الإنتاج بالكاد مع الحفاظ على الكفاءة التشغيلية المُثلى. "قبل أن أفتح باب الحظيرة، يتعيّن عليّ أن أدفع مائة فرنك أولاً"، كما يقول بسخرية تشوبها المرارة، بسبب خسارته للمال من عمله هذا وعدم تحقيقه لأية أرباح.

وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، إلّا أنّ مُزارع الألبان لا يفكر في التوقف. "أنا مكبَّل بالإنتاج بشكل ميئوس منه. وباستمرار ينبغي أن يكون كل شيء في عملي أكبر، وأكثر، وأسرع وأرخص، مؤمّلا في غضون ذلك أن يكون جاري هو من يخرج من السوق أولاً". وهو يعلم تماماً بأن هذا الأسلوب سوف يؤدي به إلى التهلكة بشكل أو بآخر، "ولكني خاسر في جميع الأحوال إذا لم أشارك في هذا السباق التنافسي"، كما يقول.

وبوصفه رب عمل يُشغّل عدداً من الموظفين، يتعيّن عليه أن يعيش على ما إدخره واستثمار الحد الأدنى فقط لإنقاذ عمله من مرحلة الأسعار المتدنية هذه كما يقول، مُعربا عن الأمل في حدوث زيادة وشيكة في الأسعار.

"إذا كنا نريد الحفاظ على سويسرا كبلد مُنتج للألبان، ينبغي أن تُغيّر السياسة الشروط الإطارية للعمل بالشكل الذي يُمكِننا من الإنتاج بشكل أكثر مؤاتاة"، كما يقول. وكمثال على ذلك، يضرب مُنتج الألبان مثلاً بالحماية الحدودية السويسرية للحبوب. "هذا الإجراء يُسعد مُزارِع الحبوب السويسري الذي يتوفر على أجر جيّد جدا للساعة، ولكنه يودي بعمل مزارعي الألبان، لأن هؤلاء يدفعون للأعلاف المُرَكّزة ما لا يقل عن ضعف المبلغ الذي يدفعه أقرانهم في ألمانيا".

دقة عسكرية

على الجانب الآخر، وعلى الرغم من انخفاض أسعار الحليب، إلّا أنَّ توني بيتيرهانز من بلدية "فيسليباخ" في كانتون آرغاو لا يودّ الشكوى. وكما يقول مربي الأبقار - الذي تُوِّج في عام 2013 كـ ‘أفضل مربي أبقار في كانتون آرغاو’ - تنتمي بقراته من سلالة ‘هولشتاين’ إلى "الأفضل في سويسرا".

وفي حين تدر بقرة سويسرية متوسطة نحو 23,000 لتر من الحليب في المعدل، "تدر أبقارنا 58,000 لتر حتى وصولها لمرحلة الذبح. كما ان أعمارها تصل إلى ضعف أعمار الأبقار العادية، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على وضع التكلفة والإيرادات".

في عام 2013، تُـوّج توني بيتيرهانز بلقب "أفضل مربي أبقار في كانتون آرغاو". (Toni Peterhans                                             )

في عام 2013، تُـوّج توني بيتيرهانز بلقب "أفضل مربي أبقار في كانتون آرغاو".

(Toni Peterhans )

منتجات عضوية ومحلية

على الرغم من ملائمة المروج السويسرية لصناعة الألبان-  ولا سيما في أقاليم الهضاب والمناطق الجبلية، إلّا أن سوق الحليب يمثل "مشكلة كبيرة" لبعض المنشآت المتخصصة بهذه الصناعة، وفقاً لـ ريغينا فوهرر رئيسة إتحاد صغار المزارعين، والتي تدير مع أسرتها مزرعة عضوية في منطقة برن.

وبحسب فوهرَر، فإن الأسعار أكثر إرتفاعاً حتى بالنسبة لمنتجي الحليب العضوي أو الشركات التي كانت قد وجدت لها مكاناً السوق. "نحن نمد مصنعاً صغيراً لإنتاج الجبنة المحلية بكميات قليلة نسبياً من الحليب العضوي بسعر مقارب لـ 80 سنتيماً للتر الواحد. وكما تقول، فأن المتضررين أكثر من هذه الأزمة هم الشركات المتوسطة والكبيرة.

ذلك أن إنتاج الحليب يتطلَّب استثمارات عالية، بسبب حاجته للأبنية، والمرافق، والآلات الخاصة والحيوانات التي لا يمكن استبدالها بين عشية وضحاها. "مَن استثمر الكثير من المال في هذا المجال، سوف يسقط سريعاً جداً في منطقة الخسارة في حالة تراجع الأسعار".

مع أسعار الحليب الحالية، لم تعد تغطية تكاليف الإنتاج ممكنة حتى عند مربي الأبقار الكفء هذا أيضا. ولكن إلى أي درجة وصل سوء الأوضاع بالنسبة للزملاء الأقل كفاءة، إذا كانت الخسائر لم تستثن حتى كبار المنتجين؟ "العديد منهم يُعاني من مشاكل في النوم، ويلجأ للإقتصاد، ويستغني عن الإستثمارات، ولا يدفع فواتيره إلّا متمهلا. الوضع في بعض المزارع يبدو سيئا"، كما يقول بيتيرهانز. لكنه يضيف بلهجة لا تخلو من الفخر: "هذا الوضع لا ينطبق علي. لقد إشترينا جراراً جديداً للتو بسعر 150,000 فرنك ودفعنا ثمنه كاملاً - دون تمويل من أحد.

أما تمكنه من شراء سيارة جديدة أيضاً، فيعود إلى الركائز الثلاثة الأخرى. ذلك أن بيتيرهانز - وخلافا لما يوصي به بعض المستشارين الزراعيين - لم يضع بيضه في سلة واحدة فقط. فعلى المساحة الممتدة عبر 52 هكتاراً، لا تتم مزاولة تربية الماشية فحسب، ولكن الزراعة أيضا بالإضافة إلى تشغيل نظام للطاقة الشمسية. فضلاً عن ذلك يستخدم بيتيرهانز مُعداته في عمليات تتجاوز المُتطلبات التشغيلية لعمله الخاص، ويقول: "نحن ننقل لمؤسسات أخرى مقابل أجور 11,000 لتر مكعب من السماد السائل إلى مصانع إنتاج الغاز الحيوي، كما أننا لا نُصَنِّع السيلاج لأنفسنا فحسب ولكن للآخرين أيضا".

معركة الإزاحة من السوق

بالمقارنة مع الإتحاد الأوروبي فإن سعر الحليب في سويسرا أعلى بكثير (أنظر المقارنة في الحاشية أسفله). "كان فرق السعر بالمقارنة مع الدول الأخرى يزيد بـ 10 سنتيمات في عام 2015، بسبب إنخفاض الأسعار في الإتحاد الأوروبي أكثر من تدنيها في سويسرا"، وفقاً لـ شتيفان كولر، المدير التنفيذي لـ ‘منظمة قطاع الحليب’ (Branchenorganisation Milch). وكما يضيف :"بحسب التقارير التي تردني، يُعاني مزارعو الألبان في الاتحاد الأوروبي من وضع مالي سيء جدا وصل مراحله النهائية".

لئن لم يستثن هذا الوضع السيء مُنتجي الحليب ومشتقات الألبان السويسريين أيضا مع إختفاء 800 إلى 900 مزرعة ألبان في الكنفدرالية سنوياً، بَيد أنه ليس بنفس القدر الذي تشهده أجزاء كبيرة من الإتحاد الأوروبي. وتعود أحد أسباب ذلك إلى عدم تحرير سوق منتجات الألبان إلى الإتحاد الأوروبي إلّا بشكل جزئي. وفي النطاق المشمول بالحماية، لايزال بالإمكان تحقيق قيمة مُضافة للمُنتجين المحليين كما يقول كولَر. وهكذا مثلاً، تكلف الزبدة المستهلكين السويسريين ثلاث أضعاف سعرها تقريباً مقارنة بالدول الأخرى، لكن المزارعين يحصلون على سعر أفضل للحليب.

على المستوى العالمي، لا تزال هياكل إنتاج الحليب في سويسرا صغيرة وقريبة من الطبيعة. وهكذا، تستطيع الأبقار مثلاً التوجّه للمرعي أو التحرك داخل الحظيرة على الأقل، بفضل التنظيمات القانونية في هذا المجال أو متطلبات هذا القطاع الصناعي.

وفي سويسرا يحدث التغير الهيكلي بشكل أبطأ. وهو أقل من التقدم في الإنتاج وفقاً لـ كولَر. ويعني هذا عدم إزاحة بعض منشآت الألبان من السوق على الرغم من ارتفاع تكاليف الإنتاج. "لم تتطلب البيئة السياسة الزراعية في السنوات الماضية صناعة ألبان مهنية بالضرورة. لكن على المدى البعيد لا مناص من تخلي بعض منتجي الألبان عن عملهم"، بحسب المدير التنفيذي لمنظمة قطاع الحليب.

فئات الحليب "أ" و"ب" و"ج"

بحسب ستيفان كولَر المدير التنفيذي لمنظمة قطاع الحليب، يعود الفضل في الوضع الأفضل نسبياً لمزارعي الحليب السويسريين، إلى ما يُسمى بالتقسيم، أي تصنيف الحليب إلى فئات هي "أ" و"ب" و"ج" وبأسعار مرجعية مختلفة (إعتماداً على السوق أو المستهلك النهائي المستهدف). ولاعلاقة لهذا التصنيف بنوعية الحليب، ولكنه إجراء وقائي لمكافحة الوفرة. وقد تم إدخال هذا النظام في عام 2011، أي بعد عامين من إلغاء نظام الحصص.

تدخل في الفئة "أ" منتجات الألبان المشمولة بإجراءات حماية الحدود والتي تستهدف السوق السويسرية، مثل الزبدة أو الحليب المخصص للشرب. أما منتجات الألبان من الفئة "ب" الأرخص سعرا فمخصصة لسوق الإتحاد الأوروبي في المقام الأول، في حين تُصَدَّر المنتجات الأدنى سعراً بكثير من فئة "ج" إلى الدول غير المنتمية للإتحاد الأوروبي.

من إجمالي سوق الحليب في سويسرا، خُصِصَت 83% من المنتجات هذا الربيع إلى الفئة "أ"، و12% إلى الفئة "ب"، و5% إلى الفئة "ج". وتحرص منظمة قطاع الحليب على ضمان التقيد بهذا التقسيم عبر سلسلة القيمة بأكملها – إبتداءً من المُنتجين وحتى التجار والمُصَنّعين وانتهاءً بتجار التجزئة، بغية الحيلولة دون قيام أحد المُصَنّعين بشراء حليب من فئة "ب" مثلاً لإنتاج زبدة للسوق المحلية.

ومن حيث المبدأ، لا يُمكن إجبار أحد المزارعين على إنتاج حليب من فئة "ج". لكنه لو شاء تسليم كمية من الحليب تفوق المنصوص عليها في العقد، فبإمكانه الإعلان عن الكمية الفائضة باعتبارها حليبا من فئة "ج"، والحصول على المبلغ الأدنى كثيراً المُخصّص لهذه الفئة.

أخيرا، ماذا عن سعر الحليب في البلد الذي تقيمون فيه؟ هل هو مقبول، منخفض أم مرتفع؟ 

×