Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

مستقبل السرية المصرفية


النقاش الدائر حول التبادل الآلي للمعلومات المصرفية.. يحتدم!


بقلم أندرياس كايزر


 (Keystone)
(Keystone)

رؤيتان متضاربتان تُـحدِّدان النقاش الداخلي حول مستقبل الساحة المالية السويسرية حيث يتمحور الخلاف حول كيفية الرد على ما تتعرض لها من هجمات، بين المتمسكين بضرورة الحفاظ على السيادة والداعين إلى التحرك لسحب البساط من تحت أقدام الضغوط الدولية على السرية المصرفية.

حتى الآن، لم تفلح الجهود الرامية لصياغة نموذج ضريبة مُقتطعة من المصدر من أجل الحيلولة دون إيداع الأموال المهربة وغير المصرح بها لدى مصالح الجباية الوطنية في المصارف السويسرية. فقد رفضت ألمانيا رسميا ذلك، وترى فرنسا أنها "عبارة عن عفو يتمتع به المتهرِّبون من دفع الضرائب". ولم يتم إبرام اتفاقية من هذا النوع لحد اليوم، سوى مع النمسا وبريطانيا.

ومنذ عدة أعوام، طالب الاتحاد الأوروبي من سويسرا بالشروع في تبادل آلي وتلقائي للمعلومات، وهو ما يعني عمليا أن تقوم البنوك السويسرية مرتين في العام بإطلاع المصالح المالية في البلد المعني بحجم الأرباح المجنية من حسابات الحرفاء الأجانب (الذين يحملون جنسيته).

في الوقت الحاضر، تطمح البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية إلى البدء في تبادل هذا الصنف من المعلومات على المدى المتوسط، كما توجد استعدادات بين الولايات المتحدة وسويسرا، في إطار اتفاقية "فاكتا FACTA" للشروع في تبادل للمعلومات المصرفية في اتجاه واحد.

دوقية اللوكسمبورغ - التي تعتبر إلى جانب النمسا - أكبر حليف لسويسرا داخل الإتحاد الأوروبي في الصراع الذي تخوضه من أجل الحفاظ على السر المصرفي، ستقوم قريبا بالتوقيع على اتفاقية "فاكتا" مع الولايات المتحدة، وتبعا لذلك سيُـصر الإتحاد على الحصول من البلد العضو فيه (أي اللوكسمبورغ) على نفس المعاملة، وهو ما سيعمل على ممارسة ضغط إضافي على سويسرا من أجل إقرار نظام التبادل الآلي للمعلومات مع دول الإتحاد.

الضريبة المُقتطعة

نتيجة للضغوط الكبيرة المُـمارَسة على السر المصرفي، ترغب سويسرا في إبرام أكبر قدر ممكن من اتفاقيات منع الإزدواج الضريبي، التي تسمح بمعالجة موضوع التهرب الضريبي بواسطة فرض ضريبة مُقتطعة، وهو ما يسمح بالإحتفاظ بسرية هوية عميل المصرف.

في المقابل، تراهن الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية وفي الإتحاد الأوروبي، على إقرار التبادل الآلي للمعلومات بخصوص مواطنيها الذين لديهم حسابات في المصارف السويسرية.

إلى حد الآن، لم تفلح سويسرا في إبرام اتفاقية تقر فرض ضريبة مقتطعة من المصدر إلا مع النمسا وبريطانيا. وقد دخلت الإتفاقيتان حيِّـز التنفيذ في أول يناير 2013.

بعد مفاوضات مضنية، فشل الإتفاق مع ألمانيا بسبب رفض مجلس المقاطعات له، كما أبدت فرنسا معارضتها لهذا التمشي.

متاعب وزيرة المالية

في سويسرا، لازالت الجهات الرسمية مصرة على التمسك بنموذج فرض ضريبة مُقتطعة، وهي رسوم تقوم المصارف بتحصيلها دوريا من مختلف المعاملات التي يقوم بها حساب مفتوح لديها، وإثر ذلك يتم تحويلها إلى المصالح الجبائية في البلد المعني (أي الموطن الأصلي لصاحب الحساب).  

وفي الآونة الأخيرة، قامت الحكومة الفدرالية بتكليف لجنة خبراء بإعداد دراسة حول السبل الكفيلة بتمهيد الطريق لإقامة ساحة مصرفية نظيفة. ومن بين هذه الطرق المُمكنة، إعتماد نظام التبادل الآلي للمعلومات.

وعندما قامت وزيرة المالية إيفلين فيدمر – شلومبف قبل بضعة أسابيع بالتصريح، بأن على سويسرا ان تتخذ موقفا من النقاش الدائر بخصوص تبادل المعلومات، أدى ذلك إلى إثارة ردود فعل قوية من الجهات السياسية البورجوازية. واعتبرت بعض الأصوات المتطرّفة أنها "قامت بطعن الحكومة الفدرالية من الخلف"، وبالتالي "يجب سحب الملف منها"، حسب رأيهم.  

مزايا البنوك

في تصريحات لـ swissinfo.ch، يقول بيتر كونتس، أستاذ القانون الإقتصادي والقانون المقارن في جامعة برن: "إن الموقف الذي التزمنا به طوال الأربعين عاما الماضية، والمتمثل في الإنتظار وإصدار ردود الفعل، لم يعد موقفا ملائما منذ أربع أو خمس سنوات مضت"، وأضاف "أعتقد أننا ضيَّـعنا الفرصة الملائمة لتغيير الإستراتيجية، ولكننا لم نضيِّـع الفرصة كاملة. وأعتقد بأن الأمر يتطلب إدخال تغيير نشيط، ولي أمل قوي في أن تقدم لجنة الخبراء اقتراحات تسير في هذا الإتجاه".

من الواضح أن ما يقصده البروفسور كونتس بعبارة " في هذا الإتجاه"، هو تبادل المعلومات، إذ يرى أن في ذلك "فائدة اقتصادية بالنسبة للمصارف المعنية، إذ عليها تقديم المعلومات المتوفرة لديها دون أن تُضطَـر إلى القيام بحسابات إضافية وجبي الضرائب وتحويل الأموال للدول المعنية، مثلما هو الحال في  نظام الضريبة الثابتة".

تجارب سلبية

على العكس من ذلك، يرى الخبير السويسري في مجال البنوك مارتان يانسن من مدينة زيورخ، بالنظر إلى فرض الضريبة المُقتطعة، أنه "ليس هناك ما يُـبرر  قيامنا نحن بإدخال نظام تبادل المعلومات، نظرا لأننا مستعدون لتحويل الأموال. وإذا كانت دول ترغب في الحصول على أكثر، فإن الأمر لا يتعلق بالحصول على الأموال (المُهربة)، بل لممارسة قمعٍ ضد مواطنيها، وهذا ما علينا تجنّـب أن تكون لنا يد فيه".

لكن الإتحاد الأوروبي له تجربة سلبية في مجال تبادل المعلومات، مثلما يشير الى ذلك تقرير أعده الاتحاد في ربيع عام 2012، إذ لم تعتمده كل الدول لحد اليوم. كما أن العديد من مصالح جباية الضرائب، ليست لديها القدرة على معالجة الكمّ الهائل من المعلومات، حيث يقول ماريو تيور، الناطق باسم كتابة الدولة للقضايا المالية الدولية في حديث لـ swissinfo.ch: "إن غالبية هذه المصالح المالية لا تقوى حتى على معالجة القسم الأكبر من المعلومات المتعلقة بالمواطنين المنضبطين (الذين لا يتحايلون على الضرائب ). لذلك، يبدو الأمر أكثر صعوبة عندما يتعلق الأمر بالعثور على المتحايلين على الضرائب. يُضاف الى ذلك أن هذه المعلومات تصل بمعايير مختلفة".   

تبادل المعلومات

ينص اقتراح الاتحاد الأوروبي على قيام البنوك مرتين في العام، بتقديم حجم الأرباح التي يحصلون عليها لمصالح المالية  في البلدان المعنية. وما يتم تقديمه من معلومات هو اسم الزبون وعنوانه وحجم الأرباح.

وتقوم 24 دولة من بين الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي منذ ثمانية أعوام بتبادل المعلومات اوتوماتيكيا في إطار بنك المعلومات الضريبية. ولكن النتيجة دون المستوى، مثلما يشير الى ذلك تقرير شهر مارس 2012.

يُضاف الى ذلك، أن نظام تبادل المعلومات فشل حتى في التعرف الواضح على دافع الضرائب، نظرا لعدم التوافق على إدراج رقم ضريبي موحد والمعروف بـ (TIN).

ولا تعرف غالبية دول الاتحاد الأووربي ، باستثناء الدنمارك، ما إذا كانت عملية التبادل الأوتوماتيكي للمعلومات ستسمح  بتعزيز نزاهة في مجال جني الضرائب.

لكن من بين تأثيرات نظام تبادل المعلومات، التأثير الردعي، أي كون مرتكبي عملية التهرب الضريبي الذين يعرفون جيدا بأن المعلومات الخاصة بهم ستنتهي في يوم من الأيام بين أيدي مصلحة الضرائب، سيدفع حوالي 40% منهم الى سلوك صادق مع مصلحة الضرائب، مثلما أشارت الى ذلك دراسة أمريكية.

مشكلة الشرعية

لكن ماريو تيور في تِـعداده لمزايا نظام الضريبة المُقتطعة، يرى أنه "باعتماد نظام الضريبة المُقتطعة، سيتم على العكس من ذلك ، جبي الضرائب من كل شخص، نظرا  للاكتفاء بحجزها. يُضاف الى ذلك أنه يتم جرد، ليس فقط سِعر الفائدة، بل أيضا إيرادات الأسهُـم وإيرادات الاستثمارات، وهو مجهود لا تتحمله البنوك الأجنبية وحدها، بل ايضا البنوك السويسرية أيضا".

ويُبدي اقتناعا من أن "نظام الضريبية المُقتطعة، هو بمثابة نظام كان صالحا لما مضى، ولكنه حل ذكي يصلح على المدى الطويل للمستقبل. كما أنه حلُّ جيد من الناحية القانونية، نظرا لكونه من غير المقبول بكل بساطة، تسليم الزبائن الذين تحايلوا على بلدانهم في مجال الضرائب، لأن ذلك سيكون بمثابة انتهاك للعقد المُـبرم بين الزبون والبنك أثناء فتح الحساب البنكي  والمتعلق بضمان السرية المصرفية".

كما يصف كونتس نظام الضريبة المُقتطعة كحل للأعباء الضريبية القديمة بأنه "حل منطقي"، نظرا لكونه يحترم  السرية التي وعدت بها البنوك. وفي حال عدم التمكن من فرض نظام الضريبية الثابتة، عندها يتوجب على سويسرا  أن "تتفاوض مع الدول الأجنبية من أجل فرض عفو على الأشخاص المعنيين".

العفو كصفقة

بالنسبة للمستقبل، يراهن كونتس على إدخال نظام تبادل المعلومات الأوتوماتيكي، لأن كما يقول "علينا أن لا نكترث  لكيفية معاملة ألمانيا لدافعي الضرائب من رعاياها. فإذا كان بلد يُـسيء معاملة دافعي الضرائب فيه، فهذا ليس من اختصاصنا، بل على الرعايا الألمان ان يعملوا عبر الوسائل السياسية على تغيير الأمور".

لكن هناك مشكلة ستبقى قائمة بالنسبة للبنوك السويسرية، إذ يقول كونتس "إذا ما تم على سبيل المثال تقديم المعلومات المصرفية لألمانيا، فإن مصلحة الضرائب فيها ستتعرف على كون هذا الحساب أو ذاك تم فتحه مؤخرا او أنه قائم منذ مدة".

ومن أجل معالجة الأعباء القديمة، أي الأموال المهربة منذ عدة سنوات في حسابات بنكية سويسرية، يتطلب الأمر "إما ضريية مُقتطعة أو  إصدار عفو يستفيد منه مرتكبو المخالفات".


(نقله من الألمانية وعالجه: محمد شريف), swissinfo.ch



وصلات

×