Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

مصالحة بعد ماض مؤلم


عندما يتعايش الناجون من الإبادة مع جلاديهم في رواندا


بقلم سامويل جابرغ – عائد من رواندا


 (Keystone)
(Keystone)

رغم مرور ثمانية عشر عاما على أبشع عمليات إبادة وأعنفها شهدها التاريخ البشري المعاصر، يضلّ استرداد الممتلكات التي نهبت في رواندا اثناء الحرب الأهلية مصدرا رئيسيا للتوتّر. في هويه، الواقعة جنوب البلاد، تقوم جمعيات مدعومة من سويسرا، بتشجيع الجناة والضحايا على التواصل والمصالحة في ما بينهم.

على قمة إحدى التلال التي لا يحصى عددها في الجنوب الغربي برواندا، تبدو الحركة لا تتوقّف في سيانداغورو، قرية صغيرة في هذه الناحية. ساعات قليلة، وينطلق احتفال محلّي بمناسبة مرور الذكرى 25 لتأسيس الجبهة الوطنية الرواندية، الحزب الحاكم في البلاد منذ انتهاء الإبادة الجماعية في عام 1994. وبينما يسعى عدد من الرجال إلى إقامة القواعد الاساسية لخيمة سوف تستضيف هذا الحفل، هناك اجتماع آخر على وشك ان يبدأ في إحدى  القاعات المجاورة التابعة للبلدية.

وتلبية لدعوة من جمعية "متواضع وبريء"  (Modeste et Innocent) التي تدعمها وترعاها منظمة "إيرين سويسرا" غير الحكومية، يلتقي كل أسبوع حوالي أربعين شخصا من الناجين من الإبادة ومن السجناء السابقين المدانين بجرائم إبادة لمحاولة حلّ النزاع بينهم بشكل سلمي.

ورسميا، أصدرت، الغاكاكا، هذه المحاكم الشعبية المكلّفة بمحاكمة حوالي مليونيْ هوتو متهمين بالمشاركة في أعمال الإبادة الجماعية التي أودت بحياة 800.000 توتسي وهوتو معتدلين، آخر احكامها يوم 18 يونيو 2012. وكان الغرض من تنظيم هذه المحاكم ليس فقط تنفيس الإحتقان على المستوى الوطني، بل وأيضا إفراغ السجون وتخفيض الأحكام بالنسبة للذين اعترفوا بارتكابهم جرائم.

ولكن بالنسبة لكثير من الناجين، رؤية الجلادين يعودون إلى المجتمع أمرا لا يُطاق. فهؤلاء أُدينوا لأنهم نهبوا ودمّروا ممتلكات ضحاياهم، ولكن ليس بإمكانهم الآن جبر تلك الأضرار التي ألحقوها بغيرهم، وضع لا يوجد له حلا في الأفق، وهو مصدر من المحتمل أن يدفع إلى تجدد أعمال العنف والتقاتل اللذان لا يزالا حاضران بقوة في ذاكرة الروانديين.

 إعادة "الطمأنينة للقلوب"

يقول دافيد بازيرانكاندي، من جمعية "متواضع وبريء": "عندما شكّلنا مجموعات المصالحة ، كان السجناء السابقون يجلسون في ناحية من القاعة، والناجين من الإبادة يجلسون في الناحية المقابلة، ويرفضون الحديث إلى بعضهم البعض".

 سنتان بعد ذلك، تغيّر الوضع بشكل جذري, كانت إيماكولي موكانكانداي ، 56 عاما، المشاركة الاولى التي شرعت في الكلام. اما الآخرون فقد انصتوا إلى شهادتها في خشوع ووجوم، وقد قالت موكانكانداي: "لم أتصوّر يوما أن أكون قادرة على الاقتراب من الجلادين الذين عذّبوا افراد عائلتي. وبفضل هذه اللقاءات الجماعية، أسسنا لعلاقات وديّة بيننا".

تستند الطرق التي تعتمدها هذه الجمعية على العلاج الإجتماعي وعلى تجاوز الافكار المسبقة، وعلى التعبير على المشاعر المكبوتة، وعلى إدارة الإجهاد من خلال تمارين التنفّس. فالمرونة، و"طمأنينة القلب" كما يقول الروانديون، عامل أساسي في إنجاح هذا المسعى التصالحي.

 وترتكز عملية المصالحة هذه ايضا على إصلاح الممتلكات التي دمّرت وإسترداد ما نهب منها خلال حرب الإبادة الجماعية. وبالنسبة للدولة الرواندية، المشكلة حُلّت من طرف محاكم الغاكاكا. أما في الواقع، العديد من ترتيبات السداد لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ويوضّح جيروم شروبل، من الجمعية السويسرية "إيرين سويسرا" قائلا: "ازدادت الصراعات المرتبطة بإعادة الممتلكات المنهوبة بسبب تفشّي الخصاصة والفقر في المناطق القروية".  

وبالنسبة لأمين عام قرية "أثاناسي موكانغورا" من جملة 605 إجراءً قضائيا يتعلّق بإسترداد ممتلكات، والتي تمسّ 4924 شخصا، مازال 150 حكما لم يتم تنفيذه. ولكن بفضل دعم أعضاء جمعية "متواضع وبريء"، نحاول إيجاد حلول حالة بحالة. وبفضل اشتراكات شهرية محدودة  يتبرّع بها الأعضاء، استطاعت غاتيفا موامزابامدورا تعويض ثلاثة قروين عن الأضرار التي أحلقها بهم زوجها في الماضي.

منطقة ذات أولوية حيوية بالنسبة لسويسرا

بسبب الترابط التاريخي، والجيو سياسي والإقتصادي بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوراندي، تعتمد سويسرا نهج التعاون الإقليمي وخطة واحدة في مجال مساعدات التنمية. وفي عام 2012، انفقت الحكومة الفدرالية 37.7 مليون فرنك في هذه المنطقة، خاصة في مجال الصحة والحوكمة الرشيدة.

واعتبارا من عام 2013، فإن منطقة البحيرات الكبرى سوف تصبح جزءًا من المناطق ذات الأولوية بالنسبة للتعاون السويسري. وسوف يؤدي ذلك إلى إطلاق مشاريع في مجال التنمية الإقتصادية، على وجه الخصوص في مجال التدريب المهني والزراعة وانتاج مواد البناء الصديق للبيئة.

وتقدّر وزارة الخارجية السويسرية أنه "منذ الأحداث المؤلمة والمؤسفة التي شهدتها المنطقة سنة 1994، قطعت رواندا خطوات هامة في مجال الصحة، والتعليم، والزراعة. وقد تمّ كذلك تنفيذ العديد من الإصلاحات المهمّة، مما سمح للمواطنين بالإستفادة من العديد من الخدمات الاساسية". 

في المقابل، تؤكد الوزارة الخارجية على أن "التنمية الإقتصادية والإجتماعية لا ينبغي أن تكون على حساب توسيع مجال الديمقراطية، وهو الإتجاه السائد في رواندا. ففي الواقع، حرية التعبير لا تزال مقيّدة، ووسائل الإعلام لا تستطيع لعب دورها كاملا".

 أنشطة زراعية مشتركة

إجراء آخر، يتنزّل في نفس السياق، ويتمثّل في تنظيم، وبشكل دوري، انشطة زراعية على مساحات تعود ملكيتها إلى إحدى الضحايا، وهو ما يساهم في جبر الأضرار التي لحقت بها بسرعة وباستخلاص الديون المستحقّة على الطرف الذي تعدّى على ممتلكاتها.

وعن هذه التجربة تقول بارتيلد موكانياندوي، التي تبدو سعيدة جدا لكونها استطاعت ان تعيد لاحد افراد المجموعة عددا من الأشجار التي سرقتها منه خلال الحرب الأهلية: "في نهاية يوم العمل، نتقاسم الغذاء والجعة. وتُبنى الثقة بيننا من جديد". أما دافيد بازيرانكاندي، فيضيف: "هذه الانشطة المشتركة تساعد ايضا في تبديد الخوف من استخدام المعاول والمناجل التي أستخدمت بكثافة أثناء عمليات الإبادة الجماعية، والتي أصبحت من خلال هذه التجربة مجرد أدوات زراعية بسيطة جدا".  

 وعندما يتعلّق الامر بمبالغ مالية كبيرة، تدعو جمعية ""متواضع وبريء" الضحايا إلى إبداء المزيد من الليونة، وإظهار شيئا من المرونة من اجل التوصّل إلى اتفاق بشأن طرق التعويض وآجاله، بشرط أن يظهر الجناة شعورا صادقا بالندم عما ارتكبوه. ولكن الامر ليس دائما سهلا أو في المتناول. حيث تشتكي جينيروس موكارفيغو فتقول: "لا أزال انتظر استعادة ممتلكاتي التي تصل قيمتها إلى 35.000.000 فرنك رواندي (60.000 فرنك سويسري) وهي تكلفة ما نهب من محلّي التجاري، ونتيجة الدمار الذي لحق بمنزلي، وقتلهم لقطيع أبقاري".  

من حين إلى آخر، يحتدم النقاش، ولكن بسرعة ما ينفجر أحدهم ضاحكا، مما لا يترك مجالا للشك في الخطوات الهامة التي تحققت على هذا الطريق. ويقول  دافيد بازيرانكاندي بتفاؤل: "ما تحقّق أكثر بكثير مما كنا نتوقّع فلا أحد كان يعتقد أنه بعد ما عاشته رواندا خلال حرب الإبادة الجماعية أن سكان هذا البلد يمكنهم ان يعيشوا مع بعضهم البعض من جديد".


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×