Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

من دفاتر الحرب الكونية الأولى


تقارير سطّرها مُحاربون سويسريون في حرب الخنادق 1914-1918


بقلم ماتيو فون بارشم


 انظر لغة أخرى 1  لغة أخرى 1
رتل عسكري فرنسي يسير نحو جحيم فردان Verdun شمال شرق فرنسا (AFP)

رتل عسكري فرنسي يسير نحو جحيم فردان Verdun شمال شرق فرنسا

(AFP)

مع نشوب الحرب العالمية الأولى، التي تُحيي دول أوروبا ذكراها المائوية هذا العام، انطلق آلاف السويسريين للقتال في صفوف الجيش الفرنسي. وقد خلّف البعض من هؤلاء تقارير مؤثرة حول حياتهم في جبهة القتال، منهم على سبيل المثال، بليز سيندرار وفالدو باربي وإدوار جونو.

28 سبتمبر 1915، الفوج الثاني (2) للفيلق الأجنبي الفرنسي (الذي أنشِئ خصيصاً للأجانب الراغبين بالخدمة في القوات المسلحة الفرنسية)، يشن هجوماً شمال نهر المارن على مزرعة نافارين التي احتلها الـ "شفابن" (تسمية كانت تطلق على الألمان نسبة إلى منطقة شفابيا جنوب ألمانيا). الساعة تقارب الثالثة والربع، العريف ساوزَر يتعرض تحت الأمطار المنهمرة إلى وابل من الطلقات النارية للمدافع الرشاشة لقوات المشاة الألمان، يفقد على إثرها ذراعه اليمنى. 

"ذراع بشرية، ما انفكّت الدماء تنضح منها. ذراع مزّقتها النيران من تحت المرفق، لم تزل يدها الحية تحفر في الأرض، وكأنها تريد أن تطلق جذوراً، كما يروي فريدريك - لويس ساوزر، الكاتب والمغامر السويسري المعروف أيضاً باسم بليز سيندرار، في كتابه "La Main coupée" (اليد المقطوعة).

 وفي اللحظة التي انتهت فيها الحرب بهذا الشكل المؤلم للكاتب، كان غيره من السويسريين يشهدون الجحيم في سهل منطقة شمبان (شمال شرق فرنسا). وفي يوم 28 سبتمبر هذا، أرسل النقيب إدوارد جونو بِضع كلمات لشقيقته من الخندق: "أنا أكتب في الظلام. اليوم كان رهيباً. نحن نتقدّم ببطء. العدو قوي ومدفعيته التي تقذفنا دون انقطاع بشكل يدعو للإعجاب، تفقدنا القدرة على القتال بسبب الغازات السامة. لا وجود لهدنة، لا في النهار ولا في الليل. الجو ممطر. شعاع ضوء خافت. الشمس شاحبة، نحن نرتعش. المعنويات ممتازة، لا أفهم لِمَ ما زلت واقفاً".

 بعد ظهيرة هذا اليوم، يسقط إدوار جونو القادم من جنيف "إثر إصابته برصاص الرشاشات الألمانية التي كانت مخبّأة في الغابة". وكما يقول الصحفي بول سايبل "لقِي مصرعه بعمر 40 عاماً في حرب قصيرة، وفظيعة بشكل لم يسبق له مثيل".

متطوع ومرتزق

بين سيندرار وجونو عوالم بعيدة. فالكاjب المولود في لا شو- دو - فون  Chaux-de-Fonds (كانتون نوشاتيل) في عام 1887، انخرط في صفوف الفيلق الأجنبي الفرنسي طوعاً. وفي شهر أغسطس من عام 1914، وجه سيندرار نداءً في الصحافة الباريسية جاء فيه: "هناك ضرورة قصوى لأن يمد أصدقاء فرنسا يد المساعدة للبلد". من ثم، انضم إلى صفوف الفيلق متوجِّها إلى ساحات الوغى في أرتوا Artois بداية، وبعدها إلى شمبان Champagne.

جونو على الجانب الآخر، هو من المرتزقة، وفقاً للتقاليد العسكرية السويسرية القديمة. وقد عرض خدماته على الفيلق كضابط سويسري وشارك في الحملات في المغرب وتونكين (شمال فيتنام) وجزيرة مدغشقر. وخلال معركة أرتوا الدامية (9مايو - 23 يوليو 1915)، كتب معاصره الكاتب والشاعر ألبرت أيرلاند في وصفه: "النقيب جونو، قَدَمٌ على درجة سلَّم حُفِر بمعولٍ ومجرفة، السيجارة الروسية في فمه والسوط في يده، يأمر سريته بصوت ناعم وبنظرة باردة تشعل فيهم الحماس: "إلى الأمام يا أولادي! كونوا شجعان"!

 بدوره لقي جونو حتفه من أجل لا شيء، أو للا شيء تقريباً. ومع أن الهجوم الذي قاده الجنرال جوفري، القائد العام للقوات المسلحة الفرنسية في منطقة شمبان قد نتج عن تقدّم بنحو 4 كيلومترات، إلا أن الخسائر البشرية كانت مُخيفة، إذ رثى الجيش الفرنسي 28,000 قتيل و98,000 جريح، فضلاً عن 53,000 أسير أو مفقود.

من سويسرا الفرنسية والألمانية

من جهته، قدَّر غوتيي دي غوت، الذي ترأس اللجنة السويسرية في خدمة فرنسا، عدد الجنود السويسريين المنخرطين في هذا الفيلق بنحو 2500- 3000 رجل "انهم يؤلفون دائماً أكثر من ثلث فوج الأجانب قليلا"، كما كتب في عام 1916.

 وكان المئات من السويسريين قد تدفّقوا بعد إعلان الحرب العالمية الأولى إلى مقهى دو غلوبCafé du Globe الواقع على شارع ستراسبورغ Boulevard de Strasbourg في باريس، حيث مقر مكتب التجنيد. "من القس البروتستانتي إلى عامل الفندق، ومن طالب الفلسفة إلى راعي البقر"، السويسريون في المهجر يشاركون بحشود كبيرة، كما يقول غوتيي دي غوت بحماس: "بالنسبة لي، استطيع حساب أكثر من 800 متطوّع كنت على اتصال بهم، منهم 300 من سويسرا الألمانية و500 من غرب أو جنوب الكنفدرالية".

 ولكن، لِمَ كل هذا الحماس؟ غوتيي دي غوت يُرجعه إلى انتهاك الجيش الألماني لبلجيكا، "الذي كان يُنظر إليه كاعتداء على سويسرا". وفي ردّه على أولئك الذين يتّهمون المتطوِّعين بخرق الحياد السويسري، قال الفرانكوفوني (المولع بكل ما هو فرنسي): "البعض منهم جاء لأنهم كانوا يشعرون بالاشمئزاز من مكائد الجرمانوفيليين (المولعين بكل ما هو ألماني) في بلدنا".

"التحفة": مجلة باربي

كان من ضمن السويسريين الذين قاتلوا على الجانب الفرنسي، المُتجنّسين أيضاً. ومع اضطرارهم لتسليم الجواز السويسري، إلا أنهم حافظوا على علاقات قوية مع الوطن الأم. أحد هؤلاء هو فالدو باربي، الرسام وفنان الديكور المولود في إيفردون (كانتون فو)، والذي كان بعمر الرابعة والثلاثين (34) عندما اندلعت الحرب. وفي عام 1914، كلَّف الفنان الشاب، الذي درس الفن في باريس، برسم زي العدو. لكن عمله الروتيني كان يصيبه بالكآبة، وكان يتوق للقتال. وقد تحققت أمنيته في سبتمبر عام 1914، حيث أرسِل إلى جبهة القتال في إقليم با دو كالي (مضيق دوفر شمال فرنسا).

 وفي المجلة الذي نشرها في عام 1917 مُستخدماً الاسم المستعار "فابريس دونغو"، يحكي باربي عن الحياة الرهيبة في الخنادق. 26 أكتوبر 1914: على بُعد متر من الخندق الذي نحتمي فيه، حُفرت أربعة قبور وُضع عليها صليب تتوازن فوقه قبعة عسكرية. هؤلاء اللامحظوظون الأربعة قُـتلوا على مقربة من هنا في قبْو إحدى المنازل، بواسطة قنبلة يدوية اخترقت النافذة ".

2 نوفمبر: "الشفابن (الألمان) يمطرونا بوابل من نيران البنادق الرشاشة، الرصاص يتطاير فوقنا. أسمع صرخة تدوي إلى يساري ‘آه، أمي’!. ثم يخيم الصمت". 1 ديسمبر: "تلقّينا الأمر بحمل البنادق، وتثبيت الحراب والهجوم (...) نحن الآن في منطقة تناثر الرصاص، الصليل لا يتوقف، البعض يسقط ... نحن نمشي... نقفز... البعض يصرخ... والآخر يضحك". مع ذلك، لم تختَفِ القيم الإنسانية تماماً في هذا الصراع المُميت حول بضعة أمتار من الأرض.

 فعند اقتحامهم لأحدى الخنادق المليئة بجُثث العدُو، يباشر فصيل باربي بدفنهم، رغم القنابل اليدوية المُنهالة عليهم . "الحفر لا يزعجنا، لكن الأسوأ هو حمل الأجساد المشوّهة لهؤلاء المساكين".

 بعد إصابته بإطلاقتين في الرأس والكتف، يُجلى باربي من ساحة القتال، ليسَرح من الجيش لاحقا في عام 1916. وعندما شرع المؤرخ والمقاتل الفرنسي السابق جان نورتون كرو في نهاية عشرينيات القرن الماضي بجمع شهادات حول الحرب العالمية الأولى، كان مُتحمِّساً لتقرير السويسري أصيل كانتون فو. "إنها تُحفة حقيقية (...) عند قراءة المجلّة، أتساءل دائماً عمّا إذا كانت الحياة اليومية للجنود قد وُصِفت بهذه الجودة في أي وقت مضى".

بيني - فالمر المُغامِر

مع كل ما قدّمه باربي من وصف دقيق وواقعي للمعارك، كانت كتابات بيني فالمر، المنحدر من جنيف، تتصف بالأناقة. وعند اندلاع الحرب، كان الكاتب البالغ من العمر 39 عاماً قد نشر نحو عشرة أعمال بالفعل. وحينها، تقدّم بطلب للحصول على الجنسية الفرنسية، وفعل كل ما بوسعه من أجل تجنيده من قِبل الجنرال إدغار دي ترانتينيان، الذي كان يلتقيه في المطاعم الراقية لحديقة "غابة بولونيا" Bois de Boulogne.

لكن ترانتينيان لم يُبد رغبة بذلك، الأمر الذي زاد من إصرار بيني - فالمر، ليتم تعيينه بالنتيجة كسائس للجنرال (وهي رتبة شرفية). وفي وقت لاحق، أصبح مسؤولاً عن التموين، ثم رُقّي إلى رُتبة ملازم أول في القوات المدرّعة. أما الحرب، فقد شهدها كصحفي وكاتب. وهو يحكي لقرّاء مجلة جورنال في عشرين حلقة، مُفعَمة بالحيوية عن مآثره.

 من جهته، لم يُكِن المؤرخ نورتون كرو الكثير من التقدير لأصيل جنيف المتعدّد الفعاليات. "كان بيني - فالمر فارساً حقيقياً يرغب بتجربة كل مغامرات الحرب. وقد نجح في ذلك، دون أن يبذل جهداً يذكر في أكثر المغامرات شيوعا وأهمية، ألا وهي فصيل المشاة".

 بَيد أن هذا الحكم قاسٍ بعض الشيء: فعلى أية حال، كان بيني - فالمر قد شهد المعارك في "إيثي" Ethe (بلجيكا) في أغسطس 1914 عن قُرب، كما أصيب بجروح في معركة مالميسون في أكتوبر 1917.

حرب خنادق قاتلة

في الموسوعة الجديدة للحرب العالمية الأولى (Enzyklopädie des 1. Weltkriegs)، يشرح المؤرّخ ستيفان أوديو - روزو كيفية نشوء حرب الخنادق.

في سبتمبر عام 1914، وبعد يوم من معركة المارن La Marne الأولى (6-12 سبتمبر 1914 على نهر المارن)، "باشر الجنود المنهكون نتيجة الضغوط الهائلة للأسابيع الماضية تلقائياً بِحَفر خنادق صغيرة في الأرض لحمايتهم من القذائف. وقد كونت هذه الحُفر، التي أصبحت أكثر ارتِباطاً بشكل متزايد بالخنادق الأولى. ويبدو أن قوات المشاة الألمانية، التي كانت أفضل تدريباً في التحصينات الميدانية، قدّمت مِثالاً على الدّفن المنهجي، مما جعل الحلفاء يكيلون لها التهم بتقويض القواعد المُعتادة في الصراعات العسكرية.

في حرب الخنادق، تفصل بين الأطراف المتحاربة منطقة شديدة الخطورة تسمّى بـ "الأرض الحرام" أو "أرض اللارجل". وتتصف هذه الحرب (التي تسمى أيضاً بحرب اTستنزاف) بأنها دفاعية في المقام الأول. وبُغية كسْر الجمود بين الخنادق الأمامية، كانت قيادات الجيوش الفرنسية والألمانية تصدر على الدوام أوامر جديدة بالهجوم في محاولات لتحقيق اختراقات، فشل معظمها حتى عام 1918على الأقل.

swissinfo.ch



وصلات

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×