Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

مهاجر إيطالي


مهندسٌ.. ونقابيّ.. ومُواطن من هذا العالم


بقلم دانييلي مارياني


 (swissinfo.ch)
(swissinfo.ch)

قدم جيوفاني جَرّانا من جزيرة صقلية ضِمن قوافل المهاجرين الإيطاليين الذين وفدوا إلى سويسرا في ستينات القرن الماضي، واستقر في بلدة هورغن بكانتون زيورخ، وهو حاليا متقاعد، لكنه لا يكِلّ ولا يملّ من محاربة الظلم.

"في كثير من الأحيان، يقول لي أصدقائي: جيوفانّي، أنت دائما تحلم".. بالتأكيد، فإن النظرة المتفحّصة للعالم، ليست هي أقصى ما يواجه حياة هذا الصقلّي، المولود في 8 يونيو 1944 في بلدة رافانوزا، الواقعة في مقاطعة أغريجنتو الإيطالية.

ولعلّ مجرّد الإطلالة من شُرفة شقّته في هورغن في مثل هذا اليوم الجميل من شهر أبريل، على منظر بُحيرة زيورخ، تجعل المرء يغرق في الأحلام وفي شتى الإتجاهات.

من هورغن إلى رافانوزا سيْرا على الأقدام

يحلو لجيوفانّي جَرّانا التعريف بنفسه بأنه "مواطن من هذا العالم"، ويقول: "دائما ما كُنت أتوق إلى رُؤية العالم، وهو ما دفعني في عام 1960 إلى الهجرة للمرة الأولى، حيث لحقت بعمّي وباثنين من إخواني الخمسة إلى منطقة لورين في فرنسا". تلك الرغبة الجامحة، هي التي دفعت به، بعد ستّ سنوات، للقدوم إلى سويسرا، ولكنه لم يحطّ الرحال. فقد جاب هو وزوجته هايدي العالم طولا وعرضا، لاسيما آسيا، وهو ما تشهد به المُقتنيات الكثيرة التي جمعها في منزله.

السفرات والرحلات بالنسبة لهذا المتقاعد النحيف الظريف الطريف، هي بمثابة كُتب مطالعة لا غِنى عنها. وقد قاده تعطّشه الجامح إلى لقاء الآخرين، لأن يعود أدراجه في عام 2009، سالِكا نفس المسار الذي جاء به قبل 43 عاما من رافانوزا إلى سويسرا.

لا غرابة في الأمر؟ أكيد. لكن جيوفانّي نفّذ رغبته عائدا إلى موطِنه الحبيب صقلية سيرا على الأقدام، وقد كشف عن ذلك قائلا: "في عام 2006 عاد ابني قاطعا الطريق على متْن دراجته، وكنوع من التحدّي، أوضحت له بأني على استعداد للقيام بالرحلة على الأقدام، وهكذا كان".

ففي يوم 29 مايو 2009 تقاعدتُ وفي صباح يوم 30 مايو انطَلقت، فكان أن قطعت 2200 كيلومترا في 58 يوما، منها ثلاثة أيام استراحة". لقد أتاحت له هذه الرحلة "إستعادة ذِكريات كثيرة"، وتحقيق "مُستوى من النضوج، أعلى وأكبر، مما تحصّل له طوال حياته"، فضلا عن قصده توصيل رسالة "ضد العُنصرية والحرب والتجنّي على البيئة".

الهجرة ضرورة

عُدنا مع جيوفانّي إلى أرض طفولته صقلية، التي كانت فيما مضى تعيش في فقر وشُحّ لفترة ما بعد الحرب. يقول جيوفانّي: "كنّا أسْرة فقيرة لا تملك سوى القليل من الأرض، وكثيرا ما كان أبي يوجّهني نحو الدراسة، ولكني في بعض الأحيان، لم يكُن يسَعُني الذّهاب إلى المدرسة، إذ كان عليّ أن  أقوم بالتبعّر [أي التقاط وجمع الحبوب من الحقول بعد أن يتمّ حصادها، التحرير] أو بجنْي بعض النبات البعلي وبيعه".

وبشيء من الخجل، يتذكر جيوفانّي نفسه أيام كان ابن حوالي سبع سنين، وقد اتّكأ إلى جدار المبنى الذي كان يضم "نادي أبناء الطبقة الراقية"، الذي كان بمثابة تجمّع لأهل البلد الأثرياء، "لقد وقفتُ هناك وكأنّ حالي يقول للأغنياء، انظروا إليّ واعطفوا عليّ. حقا، لا أعرف ما الذي كان يجول في خاطري"، لكن، ما يدريك؟ لعلّه حينها أدرك المعنى الحقيقي لوقوف ذليل، فقرر أن لا يعيش ذليلا.

بدأ مسيرته السياسية منذ تلك المشاوير الطويلة، حيث كان يقطع "ساعتين ذهابا وساعتين إيابا" إلى مزرعة صغيرة للعائلة مشيا على الأقدام برفقة والده، ويتذكر هذا الماضي قائلا: "حينما نكون وحدنا، كان يُحدِّثني عن السياسة، إذ أنه كان يكره الظلم الإجتماعي، وفي المساء، كان يصطحبني معه إلى الفرع المحلي للحزب الإشتراكي، حيث نستمع إلى الراديو، وبعدها يقوم الجمع بالتعليق على الأخبار".

وفي عام 1962، أي بعد عامين من هِجرته الأولى إلى فرنسا، رجع إلى بلده بسبب مرض والده، الذي "سقط من فوق شجرة زيتون، وبدأ يُعاني من مشاكل واضطرابات نفسية كبيرة، لم يكن لينجُو منها لولا وقوف والدتي بجانبه، إذ أنها بقيت ترعاه حتى وفاتها في عام 1991".

ومنذ صِباه، لم يدع جيوفانّي مِهنة، إلا وكان له نصيب منها. فقد عمل "خياطا وحلاّقا ونجارا وإسكافيا وطحانا..."، وكان يُدرك ضرورة أن يتعلم مهنة حقيقية، "إلتَحقْت بالمعهد المهني في مدينة جيلا، حيث حصلت بعد عامين على دبلوم في الميكانيكا العامة".

وفي جيلا، قام بتنظيم أول إضراب في حياته: "كان لدينا مخارط وفرايز، ولم تكن لدينا أدوات. فلم نكن نتعلّم شيئا، فرابطنا أمام المدرسة ولم ندخلها لمدة ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع، أحضروا الأدوات وأصبحنا نشتغل فِعليا، إلا أن المدير لم يفوّتها لي، فقد استدعاني إلى مكتبه ليخبرني بأن المفروض أن يكون معدّلي النهائي تسع درجات، ولكنهم لن يعطوني سوى سبع".. قالها جيوفانّي وهو يبتسم.

صدمة الحدود

إبان العُطل المدرسية، كانت حياته تشهد مُنعطفا، ويذكر قائلا: "ذهبت للعمل في فرنسا لمدة 40 يوما، وعند عبوري الأراضي السويسرية، تعرّفت على هايدي، وهي فتاة من فانينزفيل صعدت معي في القطار بطريق الخطأ"، وبعدها استمرت المراسلات بينهما، وأصبحت فيما بعد شريكة حياته، حيث كان ارتباطه بها في عام 1981 وأنجب منها طفلين.

في عام 1966، وبعد تأديته للخدمة العسكرية، توجّه إلى سويسرا. وحين وصوله إلى منطقة كياسو الحدودية، أخْضع، أسْوة بغيره من المهاجرين، إلى العديد من الفحوص الطبية، التي ما زالت مَرارتها عالقة في ذاكرته، إنه الذلّ بعينه: "كنا نقف في طابور طويل، عرايا...".

تسع سنوات في خربة

في مقابل ذلك، لا يزال جيوفانّي يذكر بخير، العمل في شركة ايشر ويس، التي انضمت في تلك السنوات إلى مجموعة سولزر. فقد عمل فيها خرّاطا. ورُويْدا رويْدا، أصبحوا يعهدون إليه بأعمال أكثر أهمية، "لقد بدأت في ورشة صغيرة، ثم انتقلت إلى أكبر، وفيما بعد، أصبحت أقوم بمشاريع كبيرة"، يقول ذلك، بينما يعرض لنا صورة لتوربين ضخم تمّ استخدامه في واحد من أكبر السدود التركية، وقِطعة من إحدى مكوّنات التوربين، صُقِلَت بجودة عالية من قِبل أحد أصدقائه، وبكل فخر، يحتفظ بها جيوفانّي ويعرضها فوق منضدته.

عاش جيوفانّي تسع سنوات فيما يُشبه الخُشَش، في مكان كانوا يطلقون عليه تسمية "القرية الإيطالية"، "يديره شخص إيطالي أصله من أوترينتو، ومتجبر بمعنى الكلمة"، ويقول جيوفانّي بأن زملاءه حاولوا التظلم، ولكن دون جدوى.

في السنوات اللاحقة، شاركت مجموعته النقابية في العديد من الأحداث، بينما أصبح هو رئيسا للجنة الداخلية لفرع النقابة، ثم تبوّأ عدّة مناصب نقابية، وأثناء ذلك، كان لابد من وضع حدّ لذلك الظالم، "ما دام لا يريد أن يستمع لصوت العقل، فقد قلتُ لزملائي: إما نحن أو هو. وفي يوم أربعاء، عرفنا بأن المدير شميد هايني سيكون في زيارتنا، وكنا حينئذ نحو 150 شخصا، فتوجّهنا إلى مكتب قسم التوظيف لتقديم استقالتنا، فوجدنا أنفسنا وجها لوجه مع المدير، فسألنا عمّا حدث، فشرحنا له الوضع، عندها طلب منا العودة إلى العمل، ومن يومها لم نر رجل أوترينتو مُطلقا".

"من لا يحلم لا يُحقق شيئا"

لا يكفي إتقانُ العمل لكي تنزع عن كاهلك وسم "إيطالي قذر". وعلى الرغم من هذه العُنصرية، إلا أن جيوفانّي لا يحمل في قلبه أي ضَغِينة، لكنه عندما يرى بأن الوافدين الجُدد يُعامَلون بنفس تلك الطريقة، يفور الدم في عروقه.

ويقرر قائلا: "نحن الإيطاليون، استطعنا أن نفرض احترامنا، بعد أن أدرك الجميع بأننا ساهمنا في ازدهار هذا البلد، لكن، كان علينا أن ننتظر 50 عاما! فأنا سأستمر في الكفاح وفي النضال، حتى تسود في سويسرا سياسة الترحيب، لا سياسة التهميش". هذه العزيمة، هي عزيمة أفعال لا مجرّد أقوال. فهو على سبيل المثال، مُفوّض اتحاد النقابات العمالية "أونيا" في منتدى إدماج المهاجرين، ويشارك في تنظيم سباق تضامني ضد العنصرية ويجتهد من أجل أن يكون في العام المقبل تمثيل للمهاجرين في البرلمان الفدرالي، على غرار ما هو موجود للشباب".

لقد بلغتَ من العمر 69 عاما ولا تزال لديك أحلام؟ "كانت عندي رغبة في تنظيم مسيرة عبْر الأمازون، من بيليم في البرازيل إلى ليما في بيرو، للإحتجاج على إزالة الغابات، لولا أني نُصحت أن لا أقوم بها لأنها مخطرة جدا بسبب ما يُعرف بمافيا الخشب"، وكذلك، بسبب مشكلة القلب، التي أصابت جيوفانّي في الآونة الأخيرة. ومع ذلك، لا يريد أن يستسلِم، وليس ينقصه لا هِمّة ولا إصرار، "أرغب في محاولة تنظيم مهرجان عالمي بدعم من الصندوق العالمي للطبيعة ومنظمة السلام الأخضر، يكون على هيئة سباق مُتتابع بين متطوّعين من بلدان مختلفة".

معنى ذلك، أن أحلامك لا تنتهي، يا جوفانّي؟ "بالتأكيد، فمَن لا يحلم لا يُحقِّق شيئا، ولن أتوقّف وشعاري هو: الأفضل أن أموت في الميدان من أن أموت على سريري".

طفرة الخمسينات

تعود أولى أهم موجات الهجرة إلى سويسرا إلى أواخر القرن التاسع عشر ما بين عامي 1888 و 1910، حيث وصل إلى البلاد حوالي 260 ألفا من الأجانب، مُعظمهم من الدول المجاورة.

مع الطفرة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ازداد الطلب وبشكل كبير على اليد العاملة، فوفد إلى سويسرا بين عامي 1951 و1970، ما مجموعه 2,68 مليون أجنبي (الذروة بين عامي 1961-1962)، وصدرت لهؤلاء تصاريح إقامة سنوية أو دائمة، بينما تمّ إصدار ثلاثة ملايين تصريح للعمالة الموْسمية في نفس الفترة، وكان للعمالة الإيطالية النصيب الأكبر.

منذ عام 1963، أصبح عدد المهاجرين يتحدّد بمُستوىً مُعيّن، ومنها أخذ في التناقص باطراد، حتى بلغ عام 1971 نسبة 60٪، وإبان فترة الركود بين عامي 1974 و1976، اضطر أكثر من 300 ألف أجنبي للعودة إلى بلادهم الأصلية، في حين راجت خلال هذه السنوات فِكرة الخوف من تغريب سويسرا أو تهديد شخصيتها الثقافية، مما أدى إلى وجود عدة طروحات سياسية مناهضة للهجرة أو تدعو إلى تحديد نِسبتها، بحيث لا تتعدّى سقفا معيّنا.

لكن الهجرة لم تتوقّف تماما، بل عادت منذ عام 1986 إلى الصعود من جديد، لتُصبح ولأول مرة، العامل الأكبر في النمو السكاني. وفي عام 1994 وبفعل التحوّلات الاقتصادية غير المواتية، خفتت أعداد المهاجرين مرّة أخرى، ولكنها ما لبثت أن نهضت في مرحلة ما بعد عام 1998، ومع دخول اتفاقية حرية تنقل الأشخاص مع أوروبا حيّز التطبيق في عام 2002، زادت أعداد السكان من أصول أجنبية بشكل مطرد.

swissinfo.ch



وصلات

×