Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

سوريُون مصدوُمون ولكنهم صامدون


نزهة الإدريسي: "نُريد زرع الأمل في موضِع الألم"




طرابلس، شمال لبنان، 26 يوليو 2015: نزهة الإدريسي (الثالثة من اليمين) رفقة مجموعة من العمال الإجتماعيين والمُعلمين الذين نقلت لهم تجربتها في علاج الأزمات النفسية، بمدرسة استأجرتها منظمات غير حكومية سورية طيلة الصيف لتعليم الأطفال اللاجئين. (Nezha Drissi)

طرابلس، شمال لبنان، 26 يوليو 2015: نزهة الإدريسي (الثالثة من اليمين) رفقة مجموعة من العمال الإجتماعيين والمُعلمين الذين نقلت لهم تجربتها في علاج الأزمات النفسية، بمدرسة استأجرتها منظمات غير حكومية سورية طيلة الصيف لتعليم الأطفال اللاجئين.

(Nezha Drissi)

بعد أن سئمَت من الشّعور بالعجز أمام ما تتناقله وسائلُ الإعلام عن فظائع الحرب في سوريا، قرّرت الخبيرة في مجال "التدريب الحياتي" نزهة الإدريسي زيارة لبنان بشكل طوعي لمُعالجة الصّدمات النفسية للاجئين السوريين. ورغم بشاعة القصص التي سمِعتها من أفواه الصّغار والكبار، فوجئت هذه السويسرية من أصل مغربي بجهود نُشطاء سوريين يُعدّون للسّلام في زمن الحرب.

امرأة تتوصّل بصورة على هاتفها النّقال، تفتحها فتكتشفُ جُثـة شقيقها برأس مقطوع. كيف ستُخبِر والدتها؟ بعد قصفٍ عنيف، تحتضن جدّة ابنها المُحتضر، بينما تلمح بجانبها حفيدَها المُلطخ بالدّماء، إنه لا يزالُ حـيّا لكنّ ساقه مبتورة.. فجأة، يقتحم جندي فصلا دراسيا للصّغار ويبدأ في السّب والشّتم بألفاظ نابية مُثيرا الرعب في نفوس الأطفال..

هذا فقط غيضٌ من فيض الكوابيس التي عاشها لاجئون سوريون وأصغت لها نزهة الإدريسي خلال زيارتها الأولى للبنان في يونيو 2015، في محاولة للتخفيف من وطأة الصّدمات النفسية التي يعاني منها كبارُ سوريا وصغارها جراء الحرب والقصف والتعذيب والتهجير. 

قد تكون قطرةً في مُحيط، لكنّها قد تنتزع الآلام المغروسة في عُمق ذاتٍ بشرية واحدة، أو اثنتين، أو رُبّما أكثر. هكذا تنظر نزهة الإدريسي إلى بادرتها قائلة: "أرفض تقبُّـل هذه الفظاعة، وأرفض أن تنضاف فظاعة الصّمت لفظاعة المذبحة. أريد أن أجلب الأمل وأن أغرس اليوم، بتواضع وحُب، بذور غـد أفضل. وهذا مُمكن". 

وانطلاقا من جنيف حيث توجد عيادتها، وبفضل مُساعدة أصدقاء سوريين ساندوها بالنصح والمال، وعلى رأسهم عائلة نعمت مردم بك، التي تترأس منذ سنوات مؤسسة التعارف، بدأت نزهة الإدريسي في نسج شبكة إنسانية في بيروت حيث تتعاون مع عدد من المنظمات غير الحكومية السورية، ومن أبرزها "مُبادرون"، و"بُكرا أحلى"، و"الأنامل السورية".

ولا تتركّز نشاطات نزهة الإدريسي في عاصمة بلاد الأرز، بل زارت أيضا خلال إقامتها الثانية هناك في نهاية يوليو وبداية أغسطس 2015، مُخيمات اللاجئين في طرابلس، وصبرا، وشاتيلا، والبقاع. كما تُـشرف على دورات تدريبية وورشات عمل لنقل خبراتها في هذا المجال للأشخاص العاملين مُباشرة مع اللاجئين في المدارس والمُخيمات. ولا تستبعد نزهة الإدريسي مساعدة اللاجئين السوريين الوافدين على سويسرا أيضا إن أتيحت لها الفرصة.

تقنية علاجية بين التشكيك والفضول

كان على نزهة الإدريسي في بداية المشوار أن تُثبت في جلسات العلاج الجماعية بلبنان فعالية "تقنية إنهاء الصّدمات" (Trauma Buster Technique) التي طوّرتها الأسترالية ريحانا ويبستر (أنظر المادة المرافقة). وتمزج هذه التقنية بين الطّبطبة بالأصابع على عدد من نقاط الوخز في الطّب الصيني، وتقنيات البرمجة اللغوية العصبية (وهي مجموعة نماذج لوصف العلاقة بين العقل واللّغة). 

الصّدمات التي تُعالجها الإدريسي هي تلك التي تتسبّب في أعراض فيزيولوجية لصاحبها كُلّما تذكّرها، مثل الشّعور بالألم في نقطة مُعينة من الجسم، أو تَسارُع نبضات القلب. لكن طريقة العلاج لا تعتمد على الإستماع لمحنة الشخص المصدوم وهو مُتكئ على كنبة... بل هو يحكي لقطة مُؤلمة من حياته مرّات عديدة أمام الحضور (إن رغب في ذلك) أو رفقة مُعالجه فقط. وبينما تسرد الضحية الأحداث وفقا لتعليمات مُعينة، يقوم المُعالج بالطبطبة بأطراف الأصابع على نقاط مُحدّدة من جسم الضحية، خاصة الوجه والرقبة والأصابع.

تقنية إنهاء الصدمات (TBT)

هي تقنية بسيطة طورتها الأسترالية ريحانا ويبستير (من أصل باكستاني) منذ أكثر من عشر سنوات للقضاء على أعراض الصدمات النفسية. وتمزج بين:

- "تقنية الحرية النفسية (Emotional Freedom Techniques): طريقة علاجية حديثة ظهرت في بداية التسعينات على يد العالم الأمريكي غاري كريغ، وتعتمد على إزالة الطاقة السلبية الزائدة من مسارات الطاقة الرئيسية في جسم الإنسان عبر الطبطبة على هذه المناطق بأطراف الأصابع عدة مرات (على نقاط الوخز الصينية).

- البرمجة اللغوية العصبية (Neuro-linguistic programming): ظهرت في بداية السبعينات في الولايات المتحدة على يد الأمريكيين ريتشارد باندلر وجون غريندر، وسُميت بالبرمجة لأنها تُعيد برمجة العقل عن طريق اللغة. وتُعتبر نهجا للتواصل، والتنمية الشخصية، والعلاج النفسي. ويزعم مؤسساها أن هناك صلة بين الجهاز العصبي، واللغة، والأنماط السلوكية الناجمة عن التجارب الحياتية، وأنه يمكن إحداث تغييرات في هذه العناصر الثلاثة لترقية الذات وتحقيق أهداف مُعينة في الحياة.

الطبطبة على نقاط الوخز الصينية، كما تشرح نزهة الإدريسي، تخفض نسبة هرمون الكورتيزول الذي يُفرَزُ نتيجة الإجهاد، بينما تعمل على رفع نسبة السيروتونين، وهو أحد الناقلات العصبية أو ما يُعرف أكثر بهرمون السعادة، والذي يتيح الإسترخاء ويبث الطمأنينة في النفس. وتقول نزهة الإدريسي: "بعد الطبطبة، نلحظ تحسُّنا في عملية التّنفس، والذاكرة. إنها عملية كيماوية، فالشخص ليس مُجبرا على وضع ثقته في التّقنية أو الإيمان بها، لأن الطّبطبة تُحدث تلقائيا موجات تُرسلُ إلى الدّماغ، وهو بدوره يبدأ في فرز هرمون السعادة".

العملية برُمتها قد تكون مُرهقة، مثلما توضح نزهة الإدريسي، لأن الضحية يجب أن تحكي القصة بأساليب مُختلفة. فعليها مثلا، في المراحل الأولى من الجلسة العلاجية، أن تتخيّل المشاهد بالأبيض والأسود، للتخفيف من حدّة عنف الصّور المُلونة في الذهن، وبعد السرد بتسلسل زمني عادي، يُطلب منها تكرارُ ما حكته، لكن بتسلسل عكسي بهدف تشويش الذكريات في الدّماغ. كما يقترح عليها المُعالجُ أن تُقحم في قصتها شخصية خيالية تُحبها من الرسوم المُتحركة (ما يقلص في أحيان كثيرة التشنج والحزن اللذين غالبا ما يُصاحبان استحضار الذكريات الأليمة).

وعلاوة على ذلك، يُطلب من ضحية الصّدمة تقييم حدّة الآلام التي تشعر بها في جميع مراحل الجلسة، من 0 إلى 10 درجات. وعندما تنجح في سرد الحادث دون الشعور بأي ألم، يكون العلاج قد أتى ثماره. وتؤكد نزهة الإدريسي أن هذه النتيجة نهائية لأن الدماغ يكون قد أبطل تماما تأثير الصدمة على جسم الإنسان.

وتستشهد مُبتسمة بردود فعل اللاجئين التي تراوحت في البداية بين التشكيك والفضول، وحتى الرفض أحيانا. لكن بعد خوض التجربة، قال لها العديدون: "هل تُمارسين السحر؟"، أو سارعوا إلى إخبار الحاضرين بعبارات تشجيع، قائلين: "والله عن جدّ، عن جدّ، لازم تجربوها، وكأن شيئا لم يكن!" 

"لا خيار لديهم سوى الإستعداد لما بعد الحرب"

الصّمود أمام بشاعة القصص التي يحكيها السوريون عن الحرب، وخاصة الأطفال، يُعتبر تحدّيا بالنسبة للمُعالِجة نفسها، إذ تقول نزهة الإدريسي: "عندما أُعالج شخصا أمام الحضور، أطلب من الجمهور أيضا القيام بنفس حركات الطبطبة لأن صدماتهم مُتشابهة، وإلا سننهار جميعا. وأنا بدوري أمارس نفس التقنيات على ذاتي بعد هذه الجلسات لُأكمل مهمتي وأستعيد قواي".

في الأثناء، تسعى نزهة الإدريسي إلى تلقين هذه التقنية إلى أكبر عدد مُمكن من المتعاونين معها في لبنان، لاسيّما أنه بالإمكان تعلّمها من قبل أيّ شخص في ظرف يومين، شريطة أن يتمتع بالقدرة على الإصغاء، مثلما تؤكد المُعالجة التي دخلت هذا الميدان في عام 2007، علما أن تخصصها الجامعي لا يمت بصلة إلى مجال العلاج النفسي، فهي حاصلة على شهادة دراسات عليا في العلوم السياسية من المعهد الأوروبي بجامعة جنيف.

المُلفت في شهادات نزهة الإدريسي عن زيارتَيْها إلى لبنان شعورها باستمداد القوة من السّوريين الذين ذهبت لمُساعدتهم، سواء الناشطين منهم في المنظمات غير الحكومية أو اللاجئين في المُخيمات.

وعن انطباعاتها الأولى عندما تعرّفت على شباب "مُبادرون" السوريين، قالت نزهة الإدريسي: "كنت أتوقع مُلاقاة الألم على وجوه حزينة، ولكنني قابلتُ أناسا مُفعمين بالحياة، أردت تعليمهم تقنية تُعزز القوة الباطنية، لكنّني وجدتُ نفسي أمام أناس منحوني الأمل وعزّزوا قوّتي رغم الظروف القاسية التي يعيشونها. فهم يعُدّون للسلام في زمن الحرب. إنهم يتمتّعون بإمكانيات هائلة ويُركزون على بناء القُدرات وتعليم الأطفال والشباب".

سُوريا تجري كالدّم في عروقهم وهم يُضحّون بالغالي والنفيس لكي يستنير أطفالُ بلادهم بالعلم والمعرفة، في انتظار إعادة بناء ما تستمرُّ الحربُ في تدميره

وتُضيف الإدريسي متُحدثة عن نشطاء "مُبادرون": "إنهم مجموعة من الشبان من مختلف الديانات والطوائف الذين تنكسر قلوبُهم وهم يرون سوريا تُفرغ من أبنائها. إنهم تلك الفسيفساء الثقافية والدينية لسوريا التي تُجيد العيش في ظل الإختلافات. سوريا تجري كالدّم في عروقهم وهم يُضحّون بالغالي والنفيس لكي يستنير أطفالُ بلادهم بالعلم والمعرفة، في انتظار إعادة بناء ما تستمر الحرب في تدميره".

الخطاب مؤثر بالتأكيد، وقد يبدو طوباويا في ظلّ واقع الحرب المُستعرة والفوضى العارمة في سوريا. فهل يمكن الحديث حقّا عن الأمل وبناء المُستقبل؟ تجيب نزهة الإدريسي: "ليس لديهم خيار سوى الإستعداد لفترة ما بعد الحرب، لا يمكن أن نستسلم للتّشاؤم، وإلا ما جدوى كلّ ما نفعله جميعا؟ والأطفال بالذات، هم الذين يجعلونك تشعر بالأمل أكثر، فبابُ إدخال البهجة إلى قلوبهم لازال مفتوحا، لأنهم لا يمنحون للمُعاناة شكلا عقلانيا". 

وعن اللاجئين الذين زارتهم في الخيم البلاستيكية تحت شمس الصيف الحارقة، تقول نزهة الإدريسي: "لقد رأيت أناسا يتحلّون بالمرونة، والكرامة، ولا يُريدون مدّ أيديهم لأحد. يريدون فقط فرصة للعمل دون خوف. فالكثيرون منهم، وخاصة الرجال، يعيشون ويعملون بشكل غير قانوني. وإذا ما أُلقي القبض عليهم تتمّ إعادتهم إلى الحدود، وهناك، سيجدون إما الجيش السوري الذي يرفضون الإنضمام إليه، أو يسقطون بين أيدي داعش".

وفي الوقت الحاضر، تستعد نزهة الإدريسي بالفعل للعودة إلى المنطقة في فبراير 2016 لنقل خبرتها في مجال "إنهاء الصدمات النفسية" لأكبر عدد مُمكن من النشطاء. لكنها تريد أيضا المُساهمة في المجال التربوي من خلال المُشاركة في ترتيب دروس علمية عن بُعد في مركز علمي في البقاع للتلامذة السوريين في المستوى الثانوي. أما المُدرسان اللذان أبديا استعدادهما للمُشاركة في هذا البرنامج الطموح، فهما عالمان سوريان، مُسلم ومسيحي، يعملان في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا! وتقول نزهة الإدريسي: "إن رؤية عالمين عربيين في الناسا يمنح حتما الأمل للشباب السوري في لبنان". 

نزهة الإدريسي.. اهتمامات واختصاصات متعددة

من مواليد بلدة بني تاجيت الصغيرة جنوب شرقي المغرب. تحمل الجنسيتين المغربية والسويسرية.

في عام 1990، انتقلت إلى سويسرا حيث حصلت على شهادة دراسات عليا في العلوم السياسية من المعهد الأوروبي بجامعة جنيف.

2002 مؤسسة "ألتيا". وهي أيضا رئيسة منظمة "ألتيا، الصحة والتربية للجميع" في كانتون فو.

من 2003 إلى 2006: درّست الاقتصاد والقانون والإنجليزية بإعدادية أرنولد ريمون في مدينة "بويي".

من 2004 إلى اليوم: مترجمة ومحاضرة دورية في مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط "CERMAM" في جنيف.

تمارس منذ 2007 تقنية البرمجة اللغوية العصبية (NLP)، وتقنية الحرية النفسية (EFT) منذ 2010. لكنها عندما تُعالج مرضاها في عيادتها بجنيف، فهي تستخدم أيضا تقنيات أخرى مثل الريكي (علاج الطاقة)، وتقنية التنظيف الذاتي (الهوبونوبونو).

منذ 2013 إلى اليوم، تعمل كمستشارة أكاديمية وأستاذة مؤطرة للطلبة الذين يقومون بأعمال بحثية في مدرسة SIT Study Abroad الأمريكية.

×