Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

هندسة مناخية


التلاعب بالمناخ قد يُسهم في مكافحة الإحترار العالمي


بقلم لويجي جوريو


ما تزال انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي في تصاعد مُستمر، كما يبدو أن التوصل الى اتفاق عالمي بشأن تغيّر المناخ لا زال بعيد المنال. إذن، أين تكمن المشكلة في اللجوء الى استخدام التقنيات التي يمكن أن تغير المناخ بشكل مُصطنع؟

استخدام التكنولوجيا لتحوير المناخ: مجرد احتمال يجب أخذه بعين الإعتبار أم فرضية يتعيّن استبعادها تماما؟ (AFP)

استخدام التكنولوجيا لتحوير المناخ: مجرد احتمال يجب أخذه بعين الإعتبار أم فرضية يتعيّن استبعادها تماما؟

(AFP)

مرآة عملاقة في الفضاء تَعكس مسار أشعة الشمس بعيداً عن مناطق محددة من الأرض مما يؤدي الى تبريدها بالتالي، أو قاربٌ يحرث المحيطات بغية تغذية الطحالب والحَد من غاز ثاني أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي، هل هي مجرد أفكار من وحي الخيال فَحَسب؟

"كلا، على الإطلاق"، يجيب نيكولا غروبر، أستاذ الفيزياء البيئية في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ. "إن فكرة وضع المرايا في الفضاء مُمكنة، وإن كانت مُكلفة جداً. كما جُرِّبَت تقنية تخصيب المحيطات بالفعل، لكنها أثبتت عدم فاعليتها"، كما قال لـswissinfo.ch .

خيار محظور

الطريقتان الآنفتا الذكر هي أمثلة على علم الهندسة المناخية (أو الهندسة الجيولوجية)، التي تمثل التدخل المُتَعَمَّد الواسع النطاق في النظام المناخي للأرض بهدف الحد من ظاهرة الإحتباس الحراري. وعلى النقيض من التكنولوجيا المُستخدمة في الإستمطار (لزيادة هطول الأمطار أو البَرَد أو الثلوج)، تُخلِّف هندسة المناخ آثاراً بعيدة المدى على الكوكب الأزرق بأسره. 

"لم تُناقش الهندسة المناخية حتى الآن في المفاوضات الدولية بشأن تغير المناخ. ومن الناحية السياسية، ما زال هذا الموضوع من المحظورات، وإن كان إحتمال كسرها قريباً أمراً وارداً"، كما يؤكد ماتياس هونيغر من مكتب Perspectives (آفاق) المُتخصص في قضايا الإستشارات المناخية في زيورخ.

وشدد الخبير الذي شارك في أواخر شهر أغسطس 2014 في المؤتمر الدولي الأول للهندسة المناخية الذي عقد في برلين، على "الحاجة المُلحة لإن يكون قادة الدول على بَيِّنة، بأن الوقت قد فات لتحديد زيادة الإرتفاع في درجة الحرارة بحيث لا تزيد عن 2 درجة مئوية، [مقارنة مع ما كانت عليه قبل حقبة التصنيع]، وبأن جهودهم لتكييف الإجراءات على المستوى الوطني غير كافية. لذا فإن أمكانية اللجوء الى إستخدام الهندسة المناخية أمرٌ محتمل".

الشروط التي قد تستدعي إتخاذ مثل هذه الإجراءات مُستوفاة بالفعل. إذ مازال تركيز غاز ثاني أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي في تزايد مستمر، حتى أنه بلغ مستويات قياسية، كما أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في تقريرها الأخير حول الغازات الدفيئة. وحتى اليوم، لم يَتَّخذ المجتمع الدولي أي إجراءات لمواجهة هذا التطور.

"ان مكافحة الإحتباس الحراري على نطاق عالمي لا تتقدم إلّا ببطء شديد"، كما يشير المركز الدولي لأبحاث البيئية والمناخ في أوسلو. "في الوقت الراهن - وفقاً للباحثين النرويجيين - يبدو التوصل ألى إتفاق دولي مُلزِم بشأن مشكلة المناخ أمرا بعيد المنال، حتى أن العالم اليوم يبدو أبعد عن إتفاق كهذا مما كان عليه قبل 15 عاماً، عندما تمت المصادقة على بروتوكول كيوتو".

بدورها، شددت دوريس لويتهارد، وزيرة الطاقة السويسرية التي شاركت في مؤتمر القمة المعني بالمناخ، الذي عقد يوم 23 سبتمبر 2014 في مقر الأمم المتحدة نيويورك، على أن "ما يتخذه العالم من تدابير للتصدي لمشكلة المناخ قليل جداً".

إعاقة أشعة الشمس

تشتمل الهندسة المناخية على مجموعة من التدخلات، التي يُمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين، تهدف أولاهما الى الحَد من غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي (إزالة ثاني أكسيد الكربون ،CDR)، في حين تسعى الثانية الى السيطرة على أشعة الشمس التي تصل الى الأرض (إدارة الإشعاع الشمسي، SRM)، من خلال عكس هذه الأشعة الى الفضاء، والتقليل بالتالي من ظاهرة الإحتباس الحراري.

وينطوي الإجراء الأول على التلاعب بالنُظُم الإيكولوجية، بهدف زيادة كمية ثاني أوكسيد الكربون المُمتَصة من قِبَل الكتلة الحيوية على الأرض (مثل النباتات والتربة)، أو من خلال البحر. وتلجأ هذه الطريقة الى نشر كبريتات الحديد عَبر المحيطات، مما يشجع على نمو الطحالب مثلاً، التي تؤثر بدورها على كميات غاز ثاني أوكسيد الكاربون من خلال عملية التمثيل الضوئي. أمّا الحل المُبتكر الآخر، فيتمثل باستخدام تصميم خاص يشبه المكنسة الكهربائية العملاقة التي يمكنها تصفية ثاني أوكسيد الكربون من الجو. وهذه الطريقة مَحَل بحث في سويسرا من خلال مشاريع مختلفة.

أمّا تكنولوجيا إدارة الإشعاع الشمسي (SRM)، فتتضمن - بالإضافة الى المنشآت الموضوعة في الفضاء - زيادة القدرة الإنعكاسية لسطح الأرض، أو الغيوم أو الغلاف الجوي. "لو كان لون الأسفلت فاتحاً بدلاً من لونه الغامق الحالي مثلاً، فسيكون بالإمكان تحقيق تبريد محلي في المدينة المَعنية. وبهذا الأسلوب، يمكن إجتناب مئات الوفيات الناتجة عن الموجات الحرارية. ولكن السؤال المطروح هنا هو مدى فاعلية هذه الطريقة على نطاق أوسع"، كما يحذر ماتياس هونيغَّر.

لكن التقنية الواعدة التي بُحِثَت على النحو الأفضل في تكنلوجيا إدارة الإشعاع الشمسي (SRM) كانت باستخدام الطائرات، والقذائف، والمناطيد الهوائية والصواريخ لنشر جسيمات الهباء الجوي في طبقة الستراتوسفير، "بهذه الطريقة نستطيع مُحاكاة آثار ثوران بركاني"، كما يوضح ريتو كنوتّي، الأستاذ في معهد الغلاف الجوي وعلوم المناخ التابع للمعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ.

يتم تحرير جسيمات الهباء الجوي مثل ثاني أوكسيد الكبريت في الغلاف الجوي ما يُتيح تكوين ما يُشبه المظلة التي تعكس جزءاً من أشعة الشمس.  (Hughhunt)

يتم تحرير جسيمات الهباء الجوي مثل ثاني أوكسيد الكبريت في الغلاف الجوي ما يُتيح تكوين ما يُشبه المظلة التي تعكس جزءاً من أشعة الشمس. 

(Hughhunt)

من جهته، يُشير كنوتّي إلى أنه "من المعروف على نطاق واسع أن درجات الحرارة تنخفض بعد حدوث ثورة بركانية، كما حصل مع الثوران المفاجئ لبركان بيناتوبو في الفلبين يوم 15 يونيو 1991". وقد أدى الرماد المُتحرر من البركان الى انخفاض درجة حرارة الأرض بمقدار نصف درجة لمدة عامين.

وفي الوقت الراهن، تقتصر المشاريع المُتعلقة بالهندسة المناخية على الإختبارات المَعملية في نطاق ضيق. مع ذلك، تبرز هناك أسئلة مهمة من قبيل "ما هو نوع العواقب والآثار الجانبية المُترتبة؟ وما هي الآثار السياسية والأخلاقية"؟ وفقاً للخبير كنوتّي دائما.

شكوك عديدة

أمثلة على محاولات لتغيير الطقس والمناخ

1877: أحد الباحثين الأمريكيين يقترح تَغيير اتجاه تيارات كوروشي اليابانية (في المحيط الهادئ)، عبر مَضيق بيرينغ (الذي يفصل بين قارتي آسيا وأمريكا الشمالية)، بهدف زيادة درجة الحرارة في القطب الشمالي بنحو 15 درجة مائوية.

1929: أحد علماء الفيزياء الألمان يقترح تثبيت مرآة ضخمة فوق محطة فضائية، بغية تركيز إشعة الشمس على سطح الأرض، وتحويل معظم الجزء الشمالي للكوكب الأزرق إلى منطقة ملائمة للسكن.

1946: جوليان هكسلي، المدير العام لمنظمة اليونسكو يرى أن من شأن انفجار قنبلة ذرية فوق المناطق القطبية أن يزيد من درجة حرارة المحيط المتجمد الشمالي، و يؤدي بالتالي إلى مناخ أكثر اعتدالاً في المناطق الشمالية.

1967-1972: الجيش الأمريكي يرش يوديد الفضة في السحب خلال حرب فيتنام بهدف تمديد فترة الرياح الموسمية.

1989: أحد خبراء المناخ الأميركي يُعبر عن يقينه من أن تثبيت مظلة في مدار الأرض يمكن أن يعكس 2% من أشعة الشمس باتجاه الفضاء.

2006: خبير هولندي في الكيمياء يقترح توجيه جزيئات الكبريت الى طبقة الستراتوسفير بغية امتصاص جزء من أشعة الشمس، والتقليل بالتالي من درجة حرارة الأرض.

2010: باحثون في جامعة جنيف ينجحون في تحقيق تقنية الإستمطار (استنزال المطر الإصطناعي)، بفضل استخدام إشعاع ليزر خاص يعمل على تكثيف قطرات الماء في الغلاف الجوي.

من الواضح أن التلاعب بالمناخ يأتي معه بتغييرات كبيرة، ولا سيما بالنسبة لدورة المياه في الطبيعة وهطول الأمطار، كما يعلَّق الأستاذ في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ. وتضيف أولريكة لوهمان زميلته في المعهد موضِحة: "تقلل جُسيمات الهباء الجوي الموجودة في الغلاف الجوي من تأثير أشعة الشمس على سطح الأرض، مما يؤثر بالتالي على التوازن المناخي للكوكب. وتكون النتيجة إنخفاضا في هطول الأمطار على نطاق عالمي، كما أثبتت ثورة بركان بيناتوبو".

من جهته، يعتقد جيمس فليمينغ مؤرخ العلوم والتكنولوجيا، ومؤلف كتاب "إصلاح السماء" Fixing the Sky، الذي يوَّثق المحاولات الرامية للتحكُّم بالمناخ، أن الهندسة المناخية سوف تُغير علاقتنا مع الطبيعة تماماً، كما ستُعزز من انعدام الثقة بين الدول. "حينذاك سوف تقول الدول الاسكندنافية فجأة إن الإنجليز مسؤولين عن الأحوال الجوية السيئة التي تعاني منها والعكس بالعكس. وهذا ما يُصعِّد من إحتمالات نشوب صراعات مُستقبلية"، كما أشار في مقابلة أجراها مع منظمة "السلام الأخضر".

ولكن ما الذي سيحدث لو تم إيقاف مشروع للهندسة الجيولوجية (المناخية) فجأة بعد 20 أو 30 عاماً، لأسباب سياسية أو اقتصادية أو علمية على سبيل المثال؟ "نحن نخاطر هنا بحدوث إحترار مفاجئ بمقدار 1-2 درجة مائوية في العام الواحد"، كما يجيب ريتو كنوتّي. وهذا الإرتفاع في درجات الحرارة سوف يكون أسرع بكثير مما حدث حتى الآن، وقد يحمل معه عواقب كارثية.

وبالإضافة الى سبق، تحمل الهندسة المناخية خطر صَرف الأنظار عن الجهود المبذولة للحَد من الملوثات [المُتسببة بظاهرة الإحترار العالمي]، فضلاً عن إلحاقها الضرر بمصداقية المفاوضات الدولية واهتمامات المنظمات البيئية، التي تؤكد أن الهندسة المناخية لا تعالج جذور المشكلة ولكنها تحارب الأعراض فقط.

الحاجة إلى تفكير معمّق

في الأثناء، يعَبِّر عدد كبير من العلماء عن شكوكهم أو حذرهم الفائق حتى. وفي هذا الصدد، عاد مارك لورانس مدير معهد دراسات الإستدامة المتقدمة في بوتسدام (ألمانيا) للتذكير في المؤتمر الدولي للهندسة المناخية في برلين قائلاً: "ليس بالإمكان تنفيذ أيّ من نُهَج الهندسة المناخية بسرعة وسهولة". 

ومثلما يؤكد ماتياس هونيغَّر، يجب أن تكون إمكانات وحدود وتأثيرات الهندسة المناخية مواضيع لمناقشة مُتعمقة، كما ينبغي أن ينخرط فيها الرأي العام أيضاً، على حد قوله.

swissinfo.ch



وصلات

×