Jump to content
Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

وجهة نظر


"مبادرة ‘فَرض التنفيذ’ تُهدد بزَعزعة استقرار سويسرا وعَزلها دوليا"


بقلم: كورت فلوري، عضو مجلس النواب عن الحزب الليرالي الراديكالي

في موفى شهر نوفمبر 2010، صوَّت الناخبون السويسريون لصالح مُبادرة حزب الشعب السويسري الداعية إلى طَرد المُجرمين الأجانب المُدانين بارتكاب جرائم خطيرة بِشَكل آلي. ووفقاً لِنَص المُبادرة، حُدِّدَ الموعد النهائي لدخولها حيّز التنفيذ بـ 5 أعوام. ولكن الحزب اليميني المحافظ، وبعد انقضاء عامين فقط على إقرار الشعب لهذه المبادرة، أطلق مبادرة جديدة تستهدف "فَرض تنفيذ" المبادرة الأولى حرفياً، قبل أن تبدأ اللجان البرلمانية مشاوراتها بشأن تطبيق القانون المتعلق بالمبادرة الأولى حتى. ولا شك أن هذا يدل بوضوح على رغبة الحزب اليميني الشعبوي في الإستمرار بِلَعِب ورقة الأجانب الجانحين كوسيلة لحملاته الإنتخابية، بعد النجاح الذي حققه مع مبادرة الترحيل.

من جانبه، كان البرلمان الفدرالي قد أقَرَّ تنفيذ مُبادرة الترحيل الآلي للمُجرمين الأجانب بالفِعل، ولكن القانون المُتعلق بالمُبادرة لمْ يَدخُل بَعد مَرحلة النفاذ بِسَبَب هذه المُبادرة الجديدة.

التطرف الشديد لـ مبادرة ’فرض التنفيذ’ ليس بخافٍ على أحد. فهي تطالب بالترحيل الآلي والمُنتظم للأجانب حتى في حال إرتكابهم لجرائم بسيطة، وبِصَرف النَظَر عن عَدَد الأعوام التي قضّوها في سويسرا، أو وَضعهم القانوني أو العائلي، ودون العودة إلى مبدأ التناسب (بين طبيعة الجريمة والعقاب المُسَلَّط على مُرتكبها).

أمّا قائمة الجرائم المُتَضَمَّنة في مبادرة ‘فرض التنفيذ’، فتتراوح من السَطو البسيط وحتى الإبادة الجَماعية. وهكذا [وبِحسب المُبادرة] يَجب التعامل بنفس الأسلوب مع شخص إرتكب جريمة قتل وآخر قام باقتحام سقيفة وسرقة دراجة. وعلى نفس المنوال، سوف يكون الطَرد التلقائي مصير الجيل الثاني للمهاجرين الأجانب [الذين تُطلَق عليهم تسمية الـ ‘سيكوندوز’] الذين نشأوا في سويسرا - وقد يكونوا وُلِدوا فيها -  ولا يتحدثون سوى لغة وطنية واحدة، إلى موطن والديهم الأصلي حتى لو لم تربطهم أي صلات مع هذا البلد.

المصير ذاته سوف ينتظر أيضاً رَبَّ أسرة ارتكب جريمة بسيطة، حتى لو إضطر إلى ترك أسرته في سويسرا. أما إحتمال لجوء هذه الأسرة لِطلب المعونات الإجتماعية في ظِل هذه الظروف، فلا يعيره حزب الشعب الكثير من الأهمية.

وليست هاتين الحالتين سوى مثالين على مَدى عَدَم تناسب العواقب التي تدعو إليها هذه المُبادرة، وإنتهاكها ليس لمبادئ الدستور الفدرالي فَحَسْب، ولكن للإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سويسرا أيضاً.

والحقيقة التي لا تأخذها مبادرة ‘فَرض التنفيذ’ بعين الإعتبار هي أن البرلمان الفدرالي، ومنذ إعتماده لمبادرة الترحيل، قام بتشديد قانون العقوبات الخاص بترحيل المُجرمين الأجانب بشكل كبير بالفعل، ولم يعُد يسمح إلإ باستخدام محدود جداً لمبدأ التناسب في حالات فردية.

سلسلة "وجهات نظر"

تستضيف swissinfo.ch من حين لآخر بعض المُساهمات الخارجية المختارة. وسوف ننشر بانتظام نصوصا مُختارة لخبراء وصانعي قرار ومراقبين متميّزين، لتقديم وجهات نظر تتسم بالعمق والجدّة والطرافة حول سويسرا أو بعض القضايا المثيرة ذات العلاقة بهذا البلد. ويبقى الهدف في نهاية المطاف تفعيل الحوار ومزيد إثراء النقاش العام.

فمن خلال إدرجه للفقرة الجديدة 2، المادة66  من القانون الجنائي، قَرَّر البرلمان الفدرالي عَدَم جواز إمتناع المحكمة عن الحُكم بالترحيل إلا في ظروف استثنائية، تؤدي إلى تعرُّض الشخص الأجنبي لـ "مخاطر شخصية جسيمة [في البلد الذي يُرَحَّل إليه]، وعندما لا تعلو المصلحة العامة المُتَحَقَّقة بترحيل الشخص على مصلحته الخاصة في البقاء في سويسرا". فضلاً عن ذلك، يتعين أن يأخذ القُضاة بنظر الإعتبار الوضع الخاص لإبناء الجيل الثاني من المهاجرين الأجانب (أو الـ ‘سيكوندوز’كما يُسَمَّون أيضاً في سويسرا).

تعسُفية وغير مُمَيِّزة

ولكن حتى هذا اللجوء المحدود والصارم لتطبيق مبدأ التناسب لم يعُد مقبولاً من قبل حزب الشعب (يمين شعبوي) الذي يرى أن عملية الترحيل ينبغي أن تكون تلقائية ودون أي مراعاة للحالات الفردية!

ومن هذا المنطلق، تبدو مبادرة ’فَرض التنفيذ’ تعسفية تماماً وخالية من أي عنصر من عناصر التمييز. فضلاً عن ذلك، تَعَدَّت قائمة الجرائم التي من شأنها أن تؤدي إلى الترحيل في المبادرة الجديدة تلك المُدرجة في ‘مبادرة طرد المجرمين الأجانب’ التي أقرها غالبية الناخبين وأيدتها أغلب الكانتونات في عام 2010.

 ولاشك أن المُساواة غير المتمايزة بين الجرائم الخطيرة والبسيطة ومُرتكبيها، وبِغَض النَظَر عن وَضعِهِم الشخصي وأصلهم، ينتهك مبادئ الدستور الفدرالي والإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حدٍ سواء. وعاجلاً أو آجلا، سَتَجِد المحكمة الفدرالية أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نَفسَها مُضطَرّة إلى إلغاء قرارات الطَرد هذه، مما يؤدي بالتالي إلى نشوء تَعارُض جديد بين القانون الوطني والقانون الدولي.

وكما نعتقد، فإن حزب الشعب إنما يُرَحِّب بِحَق بمثل هذا الصراع، بغية إعطاء مبادرته الجديدة لـ "تقرير المصير" الزخم الذي تحتاجه. ويهدف الحزب اليميني المحافظ من خلال هذه المُبادرة [التي ترفع شعار "القانون السويسري بدلاً من القُضاة الاجانب"] إلى ترسيخ أسبقية القانون السويسري على القانون الدولي في الدستور الفدرالي.

وبطبيعة الحال، سوف تؤدي مثل هذه المبادرة عاجلا أو آجلا إلى خروج سويسرا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبالتالي انسحابها الحَتمي من مجلس أوروبا أيضاً. وبهذا، سوف نكون الدولة الثانية التي تُقدِم على هذه الخُطوة بعد اليونان أبّان الحُكم العسكري الدكتاتوري... وكما يبدو، يريد حزب الشعب دَفع بلادنا إلى العُزلة بأي ثمن.

الإتفاقات الثنائية في خطر مجدداً

أمّا الجانب الآخر الذي أهمِلَ تماماً من قِبَل القطاع الإقتصادي حتى اليوم، فيتمثل بالعلاقة بين مُبادرة ‘فرض التنفيذ’ والإتفاقيات الثنائية المُبرمة بين بَرن وبروكسل بشأن حرية تنقل الأشخاص. فبِحَسب هذه الإتفاقيات، لا يُمكن طَرد مواطني الاتحاد الأوروبي إلّا في حال ارتكابهم لجرائم خطيرة وتشكيلهم تهديداً للنظام العام.

ومع تطبيق مبادرة ‘فرض التنفيذ’ التي لا تُمَيّز بين الجرائم البسيطة والخطيرة، من الواضح تماماً أن إتفاقية حرية التنقل سوف تُنتهك عاجلا أم آجلا مع ترحيل مثل هؤلاء المجرمين [الوافدين من الاتحاد الأوروبي]، الأمر الذي يُعَرِّض الإتفاقيات الثنائية بين سويسرا والاتحاد الأوروبي إلى الخَطر مُجدداً.

لذا، فإن من الساذج وغير المفهوم أن ينأى القطاع الاقتصادي بنفسه عن التصدي الفعّال لمبادرة ‘فرض التنفيذ’، بِحُجة عدم تعلقها بالسياسة الاقتصادية.

ديناميت بوجه دولة القانون

علاوة على ما تقدَّم، تَنتَهِك المُبادرة الجديدة لحزب الشعب مبدأ الفَصل بين السلطات، إذ أنها - ومن خلال آلية عملية الطرد - تسلِب السلطة الثالثة المُتمثلة بالسلطة القضائية أي مجال للمناورة وتُكبل أيدي القضاة بِمَنحها الخبرة القضائية للسلطة التشريعية. وهكذا، سوف تتحول عملية سَن القوانين من قِبَل الشعب والبرلمان إلى قضاء الشعب، ولن تتبقى من سلطات الدولة الثلاث سوى سلطتين فقط.

وفي نفس السياق، وبِصَرف النَظَر عن هدفها اللاإنساني، فإن مبادرة ‘فرض التنفيذ’ هي ديناميت حقيقي بوجه دولة القانون والسياسة الإقتصادية. وفي حال إقرارها، سوف تُؤدي المبادرة إلى تحويل دولة القانون إلى النقيض تماماً، من خلال ممارستها للطرد التعسُفي غير المُمَيِّز وعَدَم إحترامها مبدأ التناسب، الأمر الذي يشكل انتهاكا صارخا لمبدأ الفَصل بين السلطات.

لهذا لسبب، تتجاوز مبادرة ‘فَرْض التنفيذ’ بكثير مُجَرَّد مسألة حقوق الأجانب: فهي تضع بلدنا أمام قضايا أساسية تُهَدِّد بزعزعة استقرار دولتنا الدستورية وعَزلها دولياً.


الأفكار الواردة في هذا المقال لا تعبّر سوى عن آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهات نظر swissinfo.ch. أما العناوين الفرعية فقد تمت إضافتها من طرف swissinfo.ch

حقوق النشر

جميع الحقوق محفوظة . فكل محتوى موقع swissinfo.ch محفوظ الحقوق، وغير مُصرح به إلا للاستخدام الخاص فقط . ويتطلب أي استخدام آخر لمحتوى الموقع غير الاستخدام المذكور أعلاه، لا سيما التوزيع، والتعديل، والنقل، والتخزين، والنسخ موافقة كتابية مسبقة من موقع swissinfo.ch. إذا كنت ترغب في استخدام محتوى الموقع بأي شكل من هذه الأشكال، برجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: contact@swissinfo.ch

وبخصوص الاستخدام لأغراض خاصة، لا يُسمح إلا باستخدام الروابط التشعبية المؤدية إلى محتوى معين، ووضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بك أو الموقع الإلكتروني لأي أطراف خارجية. ولا يجوز تضمين محتوى موقع swissinfo.ch إلا في بيئة خالية من الإعلانات دون أي تعديلات. وتُمنح رخصة أساسية غير حصرية لا يمكن نقلها وتسري سريانًا خاصًا على كل البرامج والحافظات والبيانات ومحتوياتها المتاحة للتنزيل من على موقع swissinfo.ch. وتُمنح هذه الرخصة بشرط التحميل لمرة واحدة وحفظ البيانات المذكورة على أجهزة خاصة. وتظل باقي الحقوق الأخرى ملكية خاصة لموقع swissinfo.ch. ويُمنع منعًا باتًا بيع أو المتاجرة باستعمال هذه البيانات على وجه الخصوص.

×