Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"جنيف.. مختبرُ القرن الحادي والعشرين"


بقلم محمد شريف, جيف


بليز لامبن، مؤلف كتاب "جنيف مختبر القرن الحادي والعشرين" أمام شعار الأمم المتحدة في قصر الأمم بجنيف (swissinfo.ch)

بليز لامبن، مؤلف كتاب "جنيف مختبر القرن الحادي والعشرين" أمام شعار الأمم المتحدة في قصر الأمم بجنيف

(swissinfo.ch)

هذا هو عنوان آخر إصدار للصحفي والكاتب السويسري بليز لامبن حول الدور الذي تلعبه "مدينة كالفن" في اختبار وسائل إدارة العالم في القرن الجديد في شتى الميادين. الكتاب تضمن انتقادات لطريقة معالجة المحافل الأممية للتحديات الهائلة التي تواجه عالم اليوم ولتجاهل السويسريين لأهمية الدور الذي تلعبه مدينتهم الدولية بالنسبة لدبلوماسية بلادهم.

في كتابه الصادر عن دار Georg للنشر، يتناول الصحافي الذي يعمل مراسلا لوكالة الأنباء السويسرية ATS - SDA منذ أكثر من 15 عاما في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، الطريقة التي تعالَـج بها المحافل الأممية مشاكل العالم في شتى الميادين، من صحة وحقوق إنسان واتصالات وتجارة وغيرها.

ولدى استعراضه لأسباب نجاح أو فشل تلك المحافل في الإستجابة لتطلعات الرأي العام، يستعرض لامبن - ولو في عُـجالة - نظرة السويسريين (مواطنين أو مسؤولين) لدور جنيف الدولية وأهميتها. وفي حديث خص به swissinfo.ch يلمح مؤلف الكتاب إلى التأثير الذي قد تحدثه الثورات التي يشهدها العالم العربي على طريقة عمل المنظمات الأممية في جنيف.

swissinfo.ch: يتضمن كتابك حصيلة ملاحظاتك لأكثر من 15 عاما كمراسل في قصر الأمم. ما هي الدوافع التي جعلتك تقوم بذلك اليوم؟

بليز لامبن: لقد حاولت إخراج نشاطات جنيف الدولية من حيِّـز قصر الأمم المتحدة لتعريف عامة الشعب بما يجري في هذه المنظمات، وهي محاولة لتبسيط فهْـم هذه المنظومة. وقد استخدمت طريقة السرد القصصي لشرح طريقة عمل المؤسسات الأممية والدولية، مقدما في نفس الوقت بعض الأمثلة العملية، وليس فقط الأفكار النظرية، لأن هناك ضرورة للتعريف بهذه المنظمات الدولية، نظرا لأنها غير معروفة بما فيه الكفاية، نتيجة لتقوقعها على نفسها وعدم قدرتها للخروج الى الرأي العام. كما أن هناك تقصيرا من الجانب السويسري للتعريف بإشعاع جنيف الدولية المحتضنة لكل هذه المنظمات.

لدى تصفح كتابك، يتضح أنك حاولت تلخيص نشاطات مختلف المنظمات الدولية المتواجدة في جنيف من أمم متحدة ومنظمات دولية متخصصة في حقوق الإنسان والصحة والعمل والاتصالات والتجارة وغيرها. ما الذي تعنيه هذه المنظمات بالنسبة للمواطن العادي في العالم؟

بليز لامبن: بالفعل، هناك أكثر من عشرين منظمة دولية تمتد نشاطاتها لمختلف القطاعات التي تهم البشر وتتناول مختلف التحديات التي تواجه العالم في هذا القرن، من تغيرات مناخية الى مشاكل تجارية وكوارث طبيعية وإنسانية ومشاكل حقوق الإنسان ونزع الأسلحة. فهي إذا نشاطات تمس مختلف القطاعات. ومن مهامي كمراسل، محاولة التعريف بكل هذه النشاطات والسعي إلى توضيح مساعي هذه المنظمات في معالجة هذه المشاكل، في الوقت الذي تعاني فيه من نقص التمويل والإطارات وبسبب منافسة سيادة الدول لتدخلاتها في بعض القطاعات. وفي الواقع، ما زلنا - بسبب أنانية الدول - بعيدين كل البُـعد عن تلك الحكومة العالمية التي يطمح لها البعض ويتخوّف منها البعض الآخر.

بغضِّ النظر عن نجاح أو إخفاق منظومة الأمم المتحدة في تحقيق الأهداف المحددة لها، هل هناك شعور بمدى أهمية تواجدها أساسا؟

بليز لامبن: في الواقع، يزداد هذا الإحساس مع مرور الوقت بضرورة تواجد منظمة كالأمم المتحدة، لأن حل المشاكل لم يعد مقتصرا حاليا على محاولات داخل حدود الدولة الواحدة، بل على المستوى العالمي، لذلك، يتطلب الأمر آليات ومؤسسات للتنسيق من أجل إيجاد حلول جماعية لمشاكل جماعية ناتجة عن فتح الحدود، مثل التغيرات المناخية أو مشاكل الصحة كتفشي الأمراض والأزمات الإقتصادية وغيرها، وهذا ما يدفع الى ضرورة تعزيز هذه الإدارة الدولية للأزمات العالمية. وبما أن جنيف تحتضن ثلثي مؤسسات المنظومة الأممية، فإن ذلك هو ما يجعل منها بوتقة لكل هذه الخبرات الدولية.

حصل انطباع بأن العلاقات الدولية متعددة الأطراف تعرّضت لتفكك في السنوات الأخيرة، وبالتالي، فإن جنيف الدولية بدأت تفقد سُـمعتها، كأرضية محايدة مفضلة للمفاوضات العالمية الهامة. هل نشهد اليوم إعادة إحياء لدور جنيف الدولية؟

بليز لامبن: قد يكون الأمر كذلك، لأن العالم في تحول مستمر. ولكننا اليوم، أمام ظاهرة هذه الثورات العربية، التي قلبت الموازين والتوازنات السياسية، إذ نرى أن دولا كانت تعرقل عمل مجلس حقوق الإنسان، مثل تونس ومصر وعدد من الدول العربية بغرض التعتيم على انتهاكات حقوق الإنسان، تجد (الدول) نفسها في خندق آخر. ولنا أمل في رؤية أن ذلك سيؤدي الى تفكيك سياسة التكتلات، وهذا ما لاحظناه خلال الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان والتي استطاعت اتخاذ قرار بالإجماع لعقد جلسة خاصة حول ليبيا.

ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لمنظمة التجارة العالمية، التي لاحظنا فيها خلال السنوات الأخيرة بعض العراقيل الممارسة من قِـبل بعض الدول منذ عام 2001، نتيجة لظهور قوى جديدة بدأت تبدي رأيها بقوة، مما جعل الدول الغربية في موقع دفاعي. كما شاهدنا جمودا في مؤتمر نزع السلاح منذ سنوات بسبب عدم الاتفاق حول جدول الأعمال. لكننا نأمل اليوم في تجاوز هذه العراقيل، وخير دليل على ذلك، القرار الذي تم اتخاذه في مجلس الأمن الدولي بخصوص ليبيا والذي كان يُـخشى أن يُـقابَـل بحق نقض صيني أو روسي. وفي ذلك تحوُّل كبير، ولو أن امتناع الصين وروسيا نابع من الرغبة في عدم الاعتراض على قرار يهدف لحماية المدنيين، رغم معارضتهما لهذا المبدإ منذ سنوات. ومعارضة الصين نابعة من تخوفها من التعرض لنفس هذه الثورات التي يعرفها العالم العربي حاليا، لأن الشبيبة الصينة التي تعوّدت على الاتصال عبْـر شبكة الإنترنت والوسائط الاجتماعية، لن تعود قابلة لتحكم الحزب الشيوعي.

فإذن، هناك العديد من القوى القاعدية التي بدأت تتحرك في كل المجتمعات والتي بإمكانها أن تحدث التغيير المطلوب، ليس فقط في مجتمعاتها، بل أيضا في هذه المنظمات الدولية، وهذا ما  نشعر به هنا في جنيف.

ما نشهده في العالم العربي من ثورات، هو نابع في جانب منه مما تم نشره من مفاهيم انطلاقا من جنيف، سواء في مجال حقوق الإنسان او في مجال نشر الديمقراطية ودور منظمات المجتمع المدني. كيف ترون العناية بهذه القطاعات في إعادة تفعيل دور جنيف الدولية؟

بليز لامبن: لقد أحسنت بالإشارة الى دور منظمات المجتمع المدني، لأنه دور فعال وهام، ولأن هناك إقبالا كبيرا في السنوات الأخيرة على ضرورة العمل دوليا من أجل حل المشاكل التي لا يمكن تسويتها في إطار الحدود الوطنية. ويكفي أن نلقي نظرة على عمل مجلس حقوق الإنسان في دورته الأخيرة، حيث شاركت اكثر من 60 منظمة أهلية ممثلة لبلدان تمتد من الكونغو الى ألاسكا، مرورا بأقلية الإيغور في الصين.

ولئن كان تأسيس مجلس حقوق الإنسان قد تعرض للعديد من الإنتقادات في البداية، فقد سمح للعديد من المنظمات بالتعبير عن آرائها وأتاح للعديد من المقررين الخاصين (إمكانية) عرض وجهات نظرهم. كما أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان قد تدخلت بشكل مكثف للحديث عن ثورات العالم العربي، وهذه كلها في نظري تحركات قد تعمل على تعزيز نشاطات جنيف الدولية.

كما أن التحول الذي طرأ على الدبلوماسية الأمريكية له دور ايضا في تفعيل دور جنيف الدولية، لأن سياسة الرئيس أوباما لا علاقة لها بسياسة سلفه جورج بوش. فاليوم، تضم بعثة الولايات المتحدة الأمريكية في جنيف أربعة سفراء لهم نشاطات مكثفة على الصعيد المتعدد الأطراف. ولو أن لنا بعض التحفظ على الجمود المسجل في مجال التغيرات المناخية او في مجال التجارة الدولية او عملية نزع السلاح.

فهذا التنوع وهذا التركيز على قطاعات حقوق الإنسان ومعايير العمل والصحة، التي تمسّ الإنسان في حياته اليومية، هي التي تشكل لُـبّ الأهمية التي تتميز بها جنيف، مقارنة مع مراكز أممية أخرى، سواء نيويورك أو غيرها.

سمعة جيدة في الخارج.. وتجاهل في الداخل!

يسود الإنطباع بأن هذه السمعة الكبيرة التي تتميز بها جنيف في الخارج، بما تحتوي عليه من منظمات دولية مهمة، يقابلها تجاهل يكاد يكون بنفس الحجم في الداخل لهذا الدور ولما توفره جنيف الدولية من أوراق رابحة لسويسرا ولدبلوماسيتها. عن هذه الظاهرة يقول بليز لامبن مؤلف الكتاب:

"هذا صحيح، يكفي ان نبتعد قليلا عن جنيف لكي تصبح الصورة المعطاة عن دور جنيف الدولية في تعزيز سمعة سويسرا دوليا، أمرا غامضا. فالعالم يعرف اليوم علاقات دولية أكثر تشابكا، كما أنه يشهد زيادة سكانية هائلة لا تبدو أمامها الكثافة السكانية لسويسرا ذات ثقل كبير.

فنحن اليوم في عالم لم تعد أوروبا مركز الثقل فيه، وعالم برزت فيه قوى صاعدة اقتصاديا ودبلوماسيا، الأمر الذي يجعل سويسرا في وضعية يصعب عليها فيها تمرير مبادراتها وأفكارها كبلد صغير ومعزول سياسيا.

ومن هذا المنطلق، تبدو جنيف كورقة رابحة بالنسبة لسويسرا، تسمح لها بمواصلة فرض نفسها عبر هذا التواجد الكبير للدبلوماسيين والموظفين الدوليين وممثلي منظمات المجتمع المدني من أجل مناقشة التحديات العالمية. وهذا ما يعطي زخما للدبلوماسية السويسرية، بل إنني لا ارى عاملا آخر بإمكانه أن يوفر لها ما توفره جنيف الدولية. فالعالم اليوم لم يعد يتميز بانشقاق بين شرق وغرب، بل أصبح أكثر تفككا".

وعما إذا كانت الطبقة السياسية السويسرية في برن وفي مختلف أنحاء الكنفدرالية واعية بهذه المسألة، يقول بليز لامبن:

"هناك وعي، ولو أنه يجب الاحتياط لبعض التيارات المعادية للأجانب والتي تشكل خطرا لا يجب الإستهانة به على هذه السمعة الدولية. فعلى سبيل المثال، فإن تصويت الشعب السويسري ضد بناء مآذن جديدة، لم تقبله الأوساط الدولية ولطَّـخ السمعة التي كانت لديها عن سويسرا كبلد متسامح ومنفتح على العالم الخارجي. ومع أن سمعة جنيف الدولية وسويسرا لم تتأثر كثيرا بذلك، فلا بد من الإحتياط لتفادي مثل هذه التوترات في المستقبل أو تلك الناجمة عن الحساسيات التي لدى فئة من الشعب تجاه الأجانب، سواء في جنيف أو في مناطق أخرى.

يمكن القول إذن أن استجابة السياسيين، سواء على المستوى الفدرالي أو المحلي، متوفرة وتسمح بتقديم القروض الضرورية لبناء مقار المنظمات الدولية وصيانتها.

وعلى النقيض من ذلك، هناك نقص في معرفة الجمهور بهذا الدور لجنيف الدولية، كما أن هناك تقصيرا من قبل وسائل الإعلام السويسرية التي تفضل الإهتمام بالمحلي بدل الدولي، وهجرت قصر الأمم المتحدة منذ مدة ولا تعود إليه إلا أثناء وقوع أزمات دولية كبرى".         

swissinfo.ch



وصلات

×