Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"خبز الحصار" و"مملكة النفايات"


عندما يُقاوم الإبداعُ السّينمائي صُور الحرب في سوريا والعراق


بقلم إصلاح بخات, فريبورغ


لقطة من الشريط القصير "خبز الحصار" الذي صورته المخرجة سؤدد كعدان في عام 2015 على الحدود السورية اللبنانية. فيلم مدته 12 دقيقة تطلبت سنة كاملة من العمل. (fiff)

لقطة من الشريط القصير "خبز الحصار" الذي صورته المخرجة سؤدد كعدان في عام 2015 على الحدود السورية اللبنانية. فيلم مدته 12 دقيقة تطلبت سنة كاملة من العمل.

(fiff)

الحرب قد تقتل البشر والشجر والحجر، ولكنها لا تسلب الطاقات الإبداعية من الناجين من دمارها وهولها. هذا ما يتجلّى في الشريطين القصيرين "خبز الحصار" للمخرجة السورية سؤدد كعدان، و"مملكة النفايات" للمخرج العراقي الشاب ياسر كريم، اللذين اختيرا للمشاركة ضمن المسابقة الرسمية للدورة الأخيرة لمهرجان فريبورغ السينمائي الدولي. 

"هذان الفيلمان القصيران يعكسان رغبة الباقي على قيد الحياة في إعادة البناء بعزيمة من حديد". هكذا وصف تييري جوبان، المدير الفني لمهرجان فريبورغ السينمائي الدولي "خبز الحصار"، الذي شهد عرضه العالمي الأول في فريبورغ بحضور المخرجة كعدان، و"مملكة النفايات"، الذي عُرض للمرة الأولى في سويسرا في غياب المخرج كريم، بعدما تعذر عليه السفر للمشاركة في فعاليات المهرجان.

الفيلم الأول يأخذ المُشاهد في رحلة تستغرق 12 دقيقة إلى غابة يلتقي فيها البطلان الشابان: مُهربة خبز وهواتف محمولة تختبئ في شجرة، و"جندي" فـرّ من الحرب السورية بعدما قتل صديقا له أثناء تمارين إطلاق النار على .. الشّجر. والإثنان على يقين أنه لا يُوجد أيّ مفر.

أما بطلا الفيلم الثاني الذي يتواصل 7 دقائق، فهما الطفلان زهراء وشقيقها حسن اللذان أصبحا يتيمين وبدون مأوى بعد دخول قوات "داعش" إلى الموصل شمال العراق، شأنهم شأن الآلاف من الأطفال. زهراء تحلم بالعودة إلى المدرسة، لكن حسن يمنعها من ذلك، وهي مُجبرة على قضاء أيامها في تقليب القمامة بحثا عن قطع قيّمة تسدّ بها فقر ما تبقى من أفراد أسرتها، ولعلها تجد الحذاء الذي يُمكن أن يحقق لها حلمها...

"في جيوب المقاومة نجد الأفلام الجيدة"

في معرض تقييمه لـ "خبز الحصار" و"مملكة النفايات"، نوه تييري جوبان، المدير الفني لمهرجان فريبورغ بـ "الجمالية الفنية الكبيرة" و"الحرفية العالية" اللتين تميزت بهما طريقة تصوير هذه الفيلمين القصيرين، واللتين تضاهيان في نظره الإنتاجات الغربية والأمريكية ذات الجودة.

وقال متحدثا عن هذين العملين إن "الأفلام الجيّدة توجد في جيوب المقاومة"، مُضيفا أن "الفن الخالي من المواجهة، أو المقاومة، أو الإدانة، أو الإلتزام، لا يصلح لشيء، لأنه مُجرّد ترفيه".

وتابع ضمن السياق نفسه: "عندما نكتشف جديد الإصدارات في سوريا والعراق، نُدرك جيدا أننا في منطقة أخرى من الكرة الأرضية؛ هناك حلّت نهاية العالم، لكن الأفلام السينمائية تبحث عن آخر وردة قد تنمو بين الحجر، أو عن مكان تَزرع فيه البذرة لكي تعود الحياة وتستمر".

في تلك المنطقة من العالم، يلمس المدير الفني لمهرجان فريبورغ أن الفنانين يشعرون بضرورة إنجاز الأفلام بغض النظر عن الإمكانيات المُتاحة، فهي، مثلما يضيف، "مسألة حياة أو موت تقريبا، فإذا توقّفوا عن إنجاز الأفلام، أو كتابة الشعر، أو الغناء، ماذا يتبقى لهم؟". 

"جمهورنا لا يُريد عالما يحكيه الغرب فقط"

تييري جوبان ذكّر أن مهرجان فريبورغ اختار هذا العام في الذكرى الثلاثين على انطلاقه تكريم المرأة، و"خبز الحصار" و"مملكة النفايات"، عملان أبرزا دور المرأة ووضعها في المجتمع. المرأة أو حتى الفتاة التي تجد نفسها مرغمة من الخروج من بيتها بحثا عن الخبز، وعن فتح الأبواب مهما ضاقت الآفاق. وقال مُبتسما: "إن عالما بدون نساء أسوأ من عالم بدون رجال، الرجال يدمّرون والنساء يبنين. السينما دائما بمثابة مقياس للزلازل يُظهر حالة اكتئاب الشعوب، ومكان المرأة كان محور المهرجان، فيجب أن تمر الأمور من خلالها لكي يحل الربيع بالفعل".

المدير الفني للمهرجان أكد أيضا على ضرورة وجود فضاءات لنقل هذا النوع من المقاومة السينمائية لأنها لا تستطيع الإعتماد على الدائرة العادية لتوزيع الأفلام. وتابع قائلا: "لا أتصور نفسي في مهرجان لا يلتزم بالقيام بهذا الدور، لن أريد العمل في مهرجان يَعرض لأول مرة أفلاما ستصدر بسهولة في القاعات في كل الأحوال".

وأوضح جوبان أنه عندما خصص المهرجان قسما للأفلام السورية العام الماضي، اقتُرح عليه عرض الأفلام في قاعات صغيرة بذريعة أن الناس ضجروا من صور الحرب والروبورتاجات التعيسة، لكن حدث العكس تماما بحيث شهدت الإنتاجات السورية إقبالا هائلا، ما أكد أن الجمهور "يريد رؤية الجانب الآخر من المرآة، فهم لا يريدون عالما يحكيه الغرب فقط، بل يريدون الأخذ بعين الإعتبار وجهة نظر نصف الكرة الأرضية، كيف يرى النساء العالم من خلال السينما؟".

واختتم حديثه قائلا: "الربيع صار خريفا، وهذا مريع بالنسبة لمؤلفي الأفلام. لقد تأثرنا كثيرا بالربيع العربي هنا في الغرب، أنا شخصيا بكيت عندما انطلق، والآن لا أحد يهتم به، لذلك أرغب في معرفة ما هي أوضاع الناس هناك وأحبّ أن يعرفوا أننا نهتم بما يحل بهم".

 "فن الحديث عن الإنسان ببساطة"

ميلين دالوا، المسؤولة عن برمجة الأفلام القصيرة في المهرجان، أكدت أيضا على النوعية الرفيعة لهذين العملين قائلة: "لقد كان "خبز الحصار" مفاجأة جميلة لنا، ففي هذا الإنتاج السوري المحض، نشعر أن المخرجة سؤدد كعدان اعتنت بعملها واشتغلت عليه بعد الإنتاج أيضا، وهذا يخدم قضيتها أكثر". وما أبهر دالوا أكثر هو أن المخرجة كعدان "ربطت بإبداع بين الجندي الذي يُطلق النار على الشجر – والذي يمثل الرجال الذين يقاتلون، والمرأة الشابة التي تمثل النساء اللواتي يُشاركن في الثورة من خلال أنشطة رئيسية وجوهرية مثل توفير الطعام".

لقطة من "مملكة النفايات" الذي حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم في مهرجان ترايبكا السينمائي الدولي لعام 2015 في نيويورك. (fiff)

لقطة من "مملكة النفايات" الذي حصل على تنويه خاص من لجنة التحكيم في مهرجان ترايبكا السينمائي الدولي لعام 2015 في نيويورك.

(fiff)

واستطردت قائلة: "السينما فن لا يُختزل في التصوير، بل يتجلى في طريقة التصوير وتركيب المشاهد، وهذا ما أرادت كعدان إنجازه من خلال الحديث ببساطة عن الإنسان، وعن جوانب تؤثر فينا بعشرات الأضعاف بالمقارنة مع الروبوتات والشخصيات النمطية التي نجدها في السينما السائدة". 

"ابتكار يُولد من رحم مواقف مفزعة"

وعن "مملكة النفايات"، أكدت دالوا أن مهرجان فريبورغ السينمائي الدولي يتابع منذ سنوات كثيرة إصدارات المركز العراقي للفيلم المستقل الذي يُعتبر أول مؤسسة عراقية مُكرسة لتكوين وتشجيع المخرجين الشباب، تأسست ببادرة من المخرجين محمد الدراجدي وعدي رشيد. وكان شريط ياسر كريم من بين ستة أفلام قصيرة تم إخراجها ضمن ورشة سينمائية استمرت لمدة عام، شارك فيها عشرون مخرجا.

ومن بين مئات الأفلام القصيرة التي توصل بها المهرجان، نجح المخرج العراقي الشاب في لفت الإنتباه لأنه "أراد تصوير يوميات هؤلاء اللاجئين في مكان حقيقي يقوم فيه الكبار والصغار بفرز النفايات، فهو قام بمعالجة مبتكرة للموضوع، وأنجز الفيلم بجمالية، ونقل بجدية، من خلال لغة سينمائية، مشاعر مرتبطة بالأطفال دون الوقوع في الرثاء، فهم يعيشون وضعا صعبا لكنهم يدبرون حالهم لإطعام أنفسهم، كما أن الشقيق يجسد في النهاية جانبا إيجابيا"، مثلما تلفت ميلين دالوا.

المسؤولة عن برمجة الأفلام القصيرة في المهرجان شددت على أهمية وجود مثل هذه المراكز التي "تتيح الفرصة للشباب للإبداع، والإستمرارية، ونقل الخبرة والتقليد السينمائيين مهما كان الثمن"، مشيرة إلى أن "الإبتكار ميزة إنسانية رئيسية تولد أيضا من رحم مواقف مفزعة".

وقالت متحدثة عن ياسر كريم: "هذا شاب عراقي، وهذا تصوره للوضع، (...) وعندما تكون لديك نزعة إبداعية، فإنك تنطلق في إنجازها رغم الصعاب وقلّة الإمكانيات".

×