Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

"دخل أساسي للجميع"


فكرة طوباوية قديمة تنبعث في سويسرا من جديد


بقلم أورس غايزر


من اليسار إلى اليمين: دانيال هايني، وأورسولا بيفاريتّي، وكريستيان مولّر، وأوسفالد سيغ الأعضاء في اللجنة التي أطلقت مبادرة "دخل أساسي غير مشروط" خلال تقديمهم للمشروع في ندوة صحفية عقدت في برن يوم 12 أبريل 2013. (Keystone)

من اليسار إلى اليمين: دانيال هايني، وأورسولا بيفاريتّي، وكريستيان مولّر، وأوسفالد سيغ الأعضاء في اللجنة التي أطلقت مبادرة "دخل أساسي غير مشروط" خلال تقديمهم للمشروع في ندوة صحفية عقدت في برن يوم 12 أبريل 2013.

(Keystone)

قد تكون واحدة من الأفكار السياسية الأكثر غرابة التي شهدتها سويسرا في العقود الاخيرة. مع ذلك، يؤكد مؤيدو مبادرة "دخل أساسي لا مشروط للجميع" أنهم توصلوا فعلا إلى جمع ما يكفي من التوقيعات لعرض مقترحهم "الطوباوي" على التصويت في استفتاء عام.

"هراء لا معنى له"، يردّ رجل كهل، وهو يندفع إلى داخل محطة القطارات ببازل نهاية شهر مايو الماضي. كان ذلك جوابا على دعوة شاب ناشط بيده حاسوب لوحي، حاول للتو إقناعه بالتوقيع على مبادرة أطلقتها مجموعة من الأشخاص من دون دعم أي من الأحزاب الكبرى على الساحة السياسية.

النص الذي يتداوله القائمون على هذه الحملة يُشير إلى أن الوقت قد حان لإطلاق نقاش عام حول قيمة العمل في المجتمع، والهوة الكبيرة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، وتحديدا، العمل على ضمان دخل شهري أساسي لكل مقيم بشكل قانوني بسويسرا، لا يقل على 2500 فرنك. أما الهدف من كل ذلك فيتمثل في منح كل فرد القدرة على التقرير بحرية، وعيش حياة بأقلّ ضغوط ممكنة.

وبالرغم من أن هذا المسافر العابر لم يكن الوحيد الذي كان ردّ فعله سلبيا، وبصوت مسموع، إلا أنه واحد من هذه الأقلية التي رفضت التوقيع على نص المبادرة خلال هذا الصباح الربيعي البارد.

بعد لحظات، انخرط نفس هذا الشاب الذي يقود الحملة الدعائية من جديد في نقاش محتدم وحامي الوطيس مع أستاذ متقاعد حول قيمة العمل، والحاجة الملحّة لممارسة الضغط على جيل الشباب من أجل الحصول على وظيفة والقيام بالتدريب والتكوين اللازميْن. في النهاية رفض هذا المواطن الوافد من كانتون غراوبوندن، الذي اشتعل رأسه شيبا أن يخطّ إسمه أسفل نص المبادرة، وختم النقاش بالقول: "قد تكون هذه فكرة جيدة، ولكنّي لا أستطيع أن أصدّق أنها قابلة للتحقق في الواقع". 

رغم ذلك، لا يبدو أن موقف هذا الرجل المتقاعد سوف يفلّ في حماس هذا الشاب المندفع. فهو واحد من مجموعة تتشكّل من خمسة ناشطين سياسيين يعشقون خوض النقاشات المفتوحة. في المقابل، يُؤتي عملهم أكله في أحيان أخرى: لقد قرّر هذا الجندي الشاب البالغ من العمر 22 عاما، بعد شك وتردد، أن يُمضي على نص المبادرة. إنه يُقضي عطلة نهاية الأسبوع، وقد استغرقت المسألة وقتا من التفكير والترجيح بين سلبياتها وايجابياتها.. وبعد ذهاب وإياب، اتخذ قراره بعد أن تأكّد من تعادل السلبيات والإيجابيات.

ويضيف هذا الشاب: "من المفيد أن يكون هناك حوار ونقاش حول هذه الفكرة"، مشددا على أنه يجب على القائمين على هذه الحملة أن ينأوا بها عن شبهة "الصدقة" أو "الرعاية الإجتماعية"، وهما الفكرتان اللتان حالتا دون توقيع العديد من المؤيدين المحتملين على المبادرة.

دخل أساسي وغير مشروط.. للجميع!

يجري حاليا جمع التوقيعات لفائدة المبادرة الداعية لاعتماد الدخل الأساسي غير المشروط لكلّ مقيم قانوني في سويسرا. وحسب أنصارها، سوف تتيح هذه المبادرة للسكان "التمتع بحياة تليق بالكائن البشري، وتساعده على المشاركة في الحياة العامة".

تعود الفكرة الأصلية لهذه المبادرة إلى القرون الوسطى، وأوّل من نادى بها كان الإنجليزي توماس مور، صاحب النزعة الإنسانية والفيلسوف الإجتماعي.

  

في القرن العشرين، كان الفيلسوف الإجتماعي، أندري غورز، من المؤّيدين المتحمّسين لضمان دخل أساسي للمواطنين.  

أطلقت محاولات لاعتماد دخل أساسي غير مشروط في العديد من البلدان، من بينها البرازيل، وكوبا، ومنغوليا، وعلى مستوى أدنى، في ناميبيا وألمانيا.

كما تبذل جهود مماثلة في البلدان الأعضاء في الإتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 بلدا، وفي بلدان أوروبية منفردة.

في عام 2006، ظهرت في سويسرا مجموعة "من أجل دخل أساسي غير مشروط"، وأطلقت مبادرتها في 12 أبريل 2013، وسوف تُودع التوقيعات لدى المستشارية الفدرالية في برن في شهر أكتوبر القادم، تمهيدا لتحديد موعد لعرضها على الإستفتاء الشعبي لاحقا.

النواة الصلبة

تكمن لدى المروّجين لهذه المبادرة دوافع مثالية من شأنها أن تؤدي إلى كسر المحرّمات داخل المجتمع الذي يعرّف نفسه إلى حد كبير من خلال العمل والمال. ويقول مارك بالسيغر، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات العامة، إن الحملة "جذبت اهتمامه عند إطلاقها في البداية".

ولقد فوجئ عند سماعه بعدد المواطنين الذين نجح المشرفون على الحملة في جمع توقيعاتهم برغم الشكوك بشأن قائمة "الشخصيات العامة" التي تشتمل عليها قائمة "الأصدقاء" الرسمية للمبادرة وإن كانت هذه الشخصيات من الشهرة والإشعاع لتحفيز المواطنين من خارج دائرة ذوي النزعات الإنسانية المثالية على تأييد هذه المبادرة.    

مع ذلك، يرى بالسيغر أن أنشطة هذه المجموعة في الشارع تجد مسحة من التعاطف، كما تبدو مواقعها على شبكة الإنترنت مهنية ومحترفة، ما يوحي بأن الميزانية المتاحة لهذه الحملة محدودة. إنها تجربة عملية في مجال الديمقراطية المباشرة، وأغلب القائمين على هذه الحملة يُظهرون قدرا من الحماسة، ويعملون طواعية، الشباب منهم والكهول على حد السواء.

من جهتها، توضّح بولا رابّات طبيعة مجموعة "جيل الدخل الأساسي"، وهو فريق تأسس الخريف الماضي وتقول: "تتشكل المجموعة الرئيسية من 40 شخصا، بالإضافة إلى 200 آخرين يقدمون الدعم والمساعدة". وفي الواقع، مثّل تشكيل هذه الفريق دفعة كبيرة، وحفز على التنافس بين المجموعات المنتمية إلى كانتونات مختلفة.

القيم الإنسانية مقابل اليقينيات

بدوره، وصف مايكل هيرمان، الخبير في المجال السياسي، هذه المبادرة بأنها محاولة لمساءلة "اليقينيات على المستويين السياسي والفلسفي". وهو لا يرى سوى احتمال صغير لكي تتسبب قضية على هذه الدرجة من الصعوبة  في "إثارة فضيحة" على عكس مبادرات سابقة، هدفت مثلا إلى إلغاء الجيش السويسري، أو سجن مرتكبي الإستغلال الجنسي للأطفال مدى الحياة، أو بعض التحرّكات الراديكالية لأغراض بيئية. يُضاف إلى ذلك أن المطالبة بدخل لا مشروط هي على طاولة النقاش أيضا في ألمانيا، البلد المجاور.

في هذا السياق، يقول هيرمان: "يبدو أن الغرض الرئيسي من هذه المبادرة يتمثل في إطلاق حوار واسع. ولهذا تعتبر حملة الدعاية لها المحطة الأهمّ فيها. قد يكون هذا من المشروع، ولكنها عملية قد تؤدي في النهاية إلى إنهاء هذه القضية سياسيا لفترة طويلة". وبحسب هيرمان أيضا، لا يبدو الفوز في صناديق الإقتراع مضمونا بالنسبة لهذه المبادرة.

جهود بلا هوادة

في وقت لاحق من نفس اليوم، ولكن في برن هذه المرة، كانت درجة الحرارة منخفضة تماما مثلما كان عليه الحال في بازل، غير أن ذلك لم يمنع امرأة في متوسط العمر من التوقيع على نص المبادرة والإنضمام تلقائيا إلى المروّجين لها.

بعض النشطاء المتواجدين في الشارع تبدو عليهم مظاهر الإرهاق. ولكن، لا يوجد سبب بالنسبة إليهم للتوقّف عن العمل الذي ما فتئوا يقومون به. انهم مستعدون للإستمرار في العمل لساعات قليلة قادمة. ويقول دانيال هايني، أحد الوجوه الرئيسية في المجموعة: "المثير هنا هو قلّة عدد المستعدين للإنجرار لخوض النقاش. فهم يردون باستمرار: "نعم، نعم، هي فكرة جيّدة"، ثم يوقّعون - أو لا يوقّعون - ثمّ ينصرفون لحال سبيلهم". 

وكما لو أنّها تريد أن تكذّب ما جاء في القول السابق، اقتربت امرأة في العقد الرابع من نقطة جمع التوقيعات خارج محطة القطارات في برن، ثم وقّعت نص المبادرة من دون أي تردد. وفي وقت لاحق، اتضح أنها خبيرة اجتماعية وأنها ترغب في المشاركة في الحوار حول الموضوع لأن "السياسة الإجتماعية الحالية تتسم بانعدام الثقة"، على حد قولها.

المناهضين للمبادرة

لم تنجح المبادرة في كسب صداقة وتأييد سوى عدد قليل من داخل دوائر رجال الأعمال والإقتصاديين، باستثناء بعض الوجوه المعروفة. وفي دراسة تتكوّن من 11 صفحة أصدرتها في شهر اكتوبر 2012، حذّرت رابطة الشركات السويسرية  [Economiesuisse] من أن الإقتصاد السويسري سوف يفقد قدرته التنافسية إذا ما أصبح مُجبرا التكيّف مع مقتضيات هذه المبادرة.

الرابطة أعلنت عن رفضها الزيادة المقترحة في الضريبة على القيمة المضافة لتمويل هذا المشروع، كما تنفي المزاعم القائلة بأن نظام التكافل الإجتماعي في البلاد سيضمر ويهزل إذا ما لم يتم اعتماد الدخل الأساسي اللامشروط. ويقول المعارضون إن البرنامج يكلّف ما يقارب عن 140 مليار فرنك سنويا سوف يتم تمويلها من خلال الضريبة على المستهلك بنسبة النصف.

وتخلص الدراسة إلى أنه بقدر ما تبدو الفكرة بسيطة ومعقولة، فإنها "أروع من أن تكون قابلة للتصديق". كما تشير إلى أنها - لسوء الحظ -  "فكرة مثالية مُكلفة وتقوّض ازدهارنا".

بدون حوافز

على صعيد آخر، يرى رودولف شترام، أمين مظالم الأسعار السابق، أن فكرة الدخل الأساسي غير المشروط تبدو رائعة لأوّل وهلة، لكنها "فكرة مُرعبة ومثيرة للخوف تفرض على الدولة رعاية أصحاب المعاشات على مدى الحياة" على حد تعبيره.

النائب السابق عن الحزب الإشتراكي يُشير إلى أن الصورة المثالية التي يُروج لها مؤيدو هذه الحملة تثير الإعجاب لديه، ويضيف أن المفهوم الذي تصدر عنه هذه المبادرة والقضايا الإجتماعية التي تقف وراءها "يجب أن تحمل على محمل الجد"، غير أنه يؤكّد أن "ردود الفعل لم تأخذ الوقت الكافي لاستيعاب الفكرة حتى النهاية".

في الختام، يلاحظ رودولف شترام أن "الأفكار الطوباوية والرؤى العامة ليست ملزمة بالضرورة بتقديم إجابات على كل قضية إجرائية. ولكن، على الأفكار الطوباوية أن تعالج القضايا الأساسية على الأقل وأن تُواجه الواقع".

الأجور.. بين الحد الأدنى والأعلى

على مدى السنوات القليلة الماضية، طُـرح هذا الموضوع في فترات متفرّقة ومن طرف العديد من الجهات، كما كان حاضرا على جدول الأعمال السياسي.
 

نجح اقتراح تقدّمت به الأحزاب اليسارية والنقابات يهدف إلى إعتماد "أجور الحد الأدنى" في كسب ما يكفي من الدعم من قبل المواطنين، وسوف يُعرض على البرلمان قريبا. ومن المحتمل أن ُيطرح في استفتاء عام على الناخبين خلال عام 2014.

من المرجّح أن ينظّم اقتراع في النصف الثاني من العام الجاري حول مقترح تقدم به الشبان الإشتراكيون يدعو إلى الحد من أجور الموظفين السامين عند مستوى لا يتجاوز معدّل 1 من 12 مقارنة بأدنى الأجور في الشركة أو المؤسسة نفسها.

في وقت سابق من العام الجاري، وافق الناخبون السويسريون على توسيع صلاحيات المساهمين في تحديد رواتب ومنح مدراء الشركات وكبار المسؤولين فيها.

عالم أفضل

أخيرا، لا يصمّ المروّجون لهذه المبادرة آذانهم عن الإنتقادات المُوجهة إليهم، لكن المتقاعد أوسفالد سيغ، الناشط البارز، والناطق الرسمي السابق باسم الحكومة الفدرالية، مقتنع بأن الوصول إلى مجتمع أكثر عدالة في توزيع الثروة، "معركة تستحق أن تُخاض"، حتى وإن بدا من الصعب أو من المستحيل الفوز بأصوات أغلبية الناخبين. 

وفي هذا السياق، يشير سيغ إلى أن "سويسرا هي البلد الوحيد في العالم حيث يمكن أن يتم تصويت حول فكرة طوباوية".

يبقى أنه مع حلول نهاية شهر مايو 2013، نجح الداعون إلى هذه المبادرة في جمع 110000 توقيع لفائدتها، ولا زالت أمامهم أربعة أشهر أخرى لاستكمال حملتهم الوطنية وجمع العدد الضروري من التوقيعات لفرض إجراء استفتاء بشأنها.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي), swissinfo.ch



وصلات

×