"كيف ستكون سويسرا من دون المهاجرين؟؟"

عادة ما يُنظر إلى الهجرة في البلدان الغنية كمصدر للمشاكل، لكن نادرا ما يـُشار إلى ما لهذه الظاهرة من ثمار وفوائد.

ومن أجل إصلاح هذا الحيف، وفي إطار إحياء اليوم العالمي للهجرة الذي يوافق 18 ديسمبر من كل سنة، أطلقت العديد من المنظمات غير الحكومية في سويسرا حملة إعلامية شعارها: "كيف ستكون سويسرا من دون المهاجرين؟؟"

تشمل هذه الحملة، التي يراد منها إلقاء الضوء على مساهمة المهاجرين ودور الهجرة، في بناء رفاهية المجتمع السويسري العديد من الفعاليات، منها تنظيم معارض حول الهجرة ونشر وتوزيع أفلام قصيرة حول مشروعات اقتصادية ناجحة، أسَّـسها ويُـشرف عليها أجانب، وقطع مسرحية يتِـم عرضها في الهواء الطلق، بالإضافة إلى معارض للرسم والتصوير.

ولتدشين هذه الحملة، نظّمت في لوزان يوم 15 ديسمبر الجاري ندوة علمية، حضرها الساسة والخبراء ونشطاء من مؤسسات المجتمع المدني، وحاول كل بطريقته إبراز أهمية الدور الذي يقوم به المهاجرون في بناء الاقتصاد السويسري والحفاظ على التوازن الديموغرافي ومشاركتهم المتميزة في الحفاظ على الريادة السويسرية في مجال التقنيات العالية والبحوث العلمية المتطوّرة.

وخلال كلمة الافتتاح التي ألقاها نيابة عن حكومة كانتون فو، رحيب جون كريستوف بوركين، مدير قسم التأمين الاجتماعي والبيئة بالكانتون، بهذه المبادرة مؤكِّـدا في نفس الوقت على "أن المجتمع السويسري في أصله مجتمع مهاجرين ونازحين، من داخل البلاد وخارجها"، ومذكِّـرا الحضور بأن "ظاهرة المُـدن والمجتمعات الحضرية، نشأت في الأصل مع بداية الهجرات الكبرى".

وحول الشعار المثير الذي اختاره المنظمون لهذه الحملة، يقول رئيس منتدى الأجانب بكانتون فو بول تومبا: "لقد أردنا دعوة أصحاب القرار إلى أن ينظروا يوما نظرة إيجابية إلى المهاجرين". ويأمل هذا الأخير "أن يؤدي إقصاء كريستوف بلوخر من الحكومة الفدرالية الأسبوع الماضي، إلى أن تستعيد سويسرا بعضا من تقاليد الضيافة واحترام الأجانب المقيمين على أراضيها".

مساهمة الأجانب في النمو الديموغرافي

كيف يمكن تصوّر سويسرا من دون المهاجرين؟ سؤال طرحته سويس انفو على فليب فغنار، خبير في الديموغرافيا السكانية بجامعة جنيف، فكان جوابه بأسلوب طريف: "من دون الأجانب، ستكون الثقافة السويسرية أحادِية النظرة فقيرة، شكلا ومضمونا، ولن يكون لدينا فريق رياضي وطني متميّز، وستغلق جامعاتنا أبوابها وستعمل مستشفياتنا بنصف طاقة استيعابها اليوم. وبدون المهندسين المعماريين الأجانب، ستبقى سويسرا عبارة عن قرى معزولة".

وفي المجال العلمي، يكتفي هذا الخبير بالقول: "لك أن تتصور ما الذي سيحصل لمدرسة تقنية عليا مثل المعهد الفدرالي التقني العالي في لوزان، عندما يغادرها 57% من أساتذتها، الذين ينتمون لمائة وعشر بلد مختلف، ومن السهل تصور الوضع الصحي الذي ستصبح عليه سويسرا إذا عاد 40% من الموظفين في المجال الصحي إلى بلدانهم".

وليس هذا فحسب، فالتوازن الديموغرافي لهذا البلد يعتمد أساسا على المهاجرين. ففي سنة 2005، بلغت نسبة النمو العام 0.5% بالنسبة لمجموع السكان، في حين بلغت تلك النسبة 2% في صفوف المقيمين الأجانب.

واليوم، 21% من السكان في سويسرا من أصل أجنبي، و25% من اليد العاملة أجنبية، وكل يوم، يدخل، نتيجة الهجرة من الجنوب، عدد كبير من اليد العاملة النشطة في سوق العمل؛ في الوقت نفسه، يغادره عدد أكبر من العاملين من أصول أوروبية نتيجة تقدّمهم في العمر.

ويتوقع المختصون أنه إذا توقفت الهجرة إلى سويسرا، إما بسبب القوانين التي تحد من نسبة المهاجرين أو في حال تحسن أوضاع بلدان الجنوب وبالتالي لن يضطر شبابها لركوب أمواج البحر، فإنه بحلول سنة 2050، سينخفض عدد سكان سويسرا إلى 5 ملايين بدل سبعة مليون ونصف المليون، وسيمثل عدد الموظفين المتقاعدين 64%. وتؤكد هذه الإحصاءات المحققة عِـلميا أن سويسرا وكثيرا من البلدان الغربية الأخرى قد دخلت مدار التبعية الكاملة لمتغيّر الهجرة في تجديد الثروة السكانية. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتساءل البعض لماذا تركب بعض الأحزاب والهيئات السياسية موجة معاداة الأجانب!

الاقتصاد السويسري والهجرة

هذا على مستوى الخدمات والديموغرافيا، أما في المجال الاقتصادي، فلا يختلف الحال كثيرا، إذ يكفي زيارة أي مركز تجاري أو مصنع أو مطعم، حتى يرى المراقب الحضور الكبير للأجانب المنتجين والمستهلكين.

ولا تتوقف مساهمة الأجانب عند الإنتاج، بل الكثير من الشركات السويسرية الكبرى كـ"نستلي" و"سووتش" للساعات و"إي بي بي" و"سيرونو" للأدوية و"فاندر" للصناعات الغذائية، كلها من تأسيس أجانب هاجروا إلى سويسرا منذ عهد ليس بالبعيد.

وعلى مستوى اليد العاملة، نجد أن 25% من عدد ساعات العمل في المجالات المتنوعة، أدّاها عاملون أجانب. ولو أخذنا على سبيل المثال مجال السياحة والمطاعم، فسنجد أن 52% من العمل الذي أنجِـز فيه قام به عمال أجانب، وفي مدينة سياحية كبيرة مثل لوزان، 50% من سائقي سيارات الأجرة من الأجانب أيضا.

وتميل بعض الأحزاب السياسية المحلية خلال الحملات الانتخابية إلى اتِّـهام المهاجرين، مُـدَّعية بأنهم عالة على المساعدات الاجتماعية ويمثلون مصدرا ثقيلا للإنفاق العام. لكن المطّـلعين على حقيقة الأمور مثل السيدة دونيز إيفيونايي، المديرة المساعدة بالمنتدى السويسري لدراسات الهجرة بنوشاتيل، فتقول في تصريح لسويس انفو: "تؤكد الدراسات التي أجريناها أنه، إذا كانت هناك مشكلة في الوضع الاجتماعي في سويسرا، فإن المهاجرين يمثلون جزءا من الحل فيه وليس مصدرا للمشكلة، ولقد ثبت بعدُ بالدراسة والمقارنة، أن مساهمة الأجانب في صناديق التأمين الاجتماعي أهم بكثير من النفقات التي يستفيدون منها".

نحو سياسات بديلة في مجال الهجرة

للهجرة كل هذه الفوائد وهي ضرورية لاستمرارية رفاهية البلدان الصناعية، ولكن لكل عملة وجهان، فهي أيضا مصدر توترات اجتماعية في بعض الأحيان وتفرض على المجتمع المضيف التخلِّـي عن انسجامه الثقافي وتجعل هويته الوطنية مصدر تنازع، فتظهر ردود الأفعال في صعود لهيئات سياسية قومية متشددة تستغل ملف الأجانب لتحقيق مكاسب سياسية.

والاعتماد على الهجرة على المستويين الإقتصادي والديموغرافي، يجعل مستقبل البلاد رهن عوامل خارجية، ولذلك، تقترح السيدة إفيونايي "العودة إلى اعتماد سياسية الدوائر الثلاث (قانون يمنح حق العمل في البلاد للأوروبيين أولا، ثم للأجانب الآخرين ثانيا، عند الضرورة) وإلى منح حق الإقامة آليا للطلاب الأجانب الذي أكملوا دراستهم في الجامعات والمدارس العليا واعتماد سياسة الهجرة المؤقتة عبر فتح الحوار مع البلدان المصدرة لليد العاملة وتوقيع اتفاقية شراكة معها، تضمن مصلحة الطرفين".

لكن بول تونبا، رئيس منتدى الأجانب يرى في "هذه الدعوة مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يعطي الحق لكل إنسان في الإقامة حيث يريد، ومخالفة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يرفض أي تمييز بين البشر لأسباب دِينية أو عرقية أو ثقافية، ويعكس هذا الاختلاف في وجهات النظر نقاشا أعمق يتعلق بإيجاد نقطة التقاء بين أنصار القانون الدولي وحقوق الإنسان وبين أنصار الدولة الوطنية وسيادة الدول على أراضيها واعتماد القوانين التي تحمي شعوبها ومصالحها".

عبد الحفيظ العبدلي - لوزان

باختصار

في 4 ديسمبر 2000، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 18 ديسمبر، يوما عالميا للمهاجرين آخذة بعين الاعتبار الأعداد الكبيرة والمتزايدة للمهاجرين في العالم.

وفي مثل هذا اليوم أيضا قبل عشر سنوات، صادقت الجمعية العامة على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

ودعت الجمعية العامة جميع الدول الأعضاء، وكذلك المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، جميعها إلى الاحتفال بـ"اليوم الدولي للمهاجرين"، من خلال نشر معلومات عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع المهاجرين وتبادل الخبرات ووضع الإجراءات التي تكفل حماية تلك الحقوق.

وتشكل هذه المناسبة السنوية أيضا فرصة للتذكير والاحتفاء بمساهمة المهاجرين في تحقيق سعادة ورفاهية المجتمعات التي يقيمون فيها، ومن الأنشطة الجديدة التي ستشهدها هذه السنة، تنشيط برنامج إذاعي يغطّـي جميع أنحاء العالم حول الهجرة، وتنظيم مؤتمر دولي في باريس تحت عنوان: "هجرة الفن، والهجرة داخل الفن".

ستكون هذه المناسبة كذلك، فرصة للتأكيد على حق وحرية التنقل وحق الاحتفاظ بصلة وصل بالبلد الأصلي، وتشهد توجيه دعوة للبلدان التي لم تصادق على اتفاقية الهجرة، للإسراع في فعل ذلك، خاصة في أوروبا التي لم تصادق أي دولة عليها، لأنها تنظر إليها كنص ينال من سيادتها الوطنية في وضع السياسات الملائمة لتنظيم إقامة الأجانب.

معطيات أساسية

يبلغ عدد الذين يعيشون خارج بلدانهم الأصلية 200 مليون نسمة.
بين سنة 1950 و2000، هاجر إلى سويسرا 5 مليون شخص من أجل العمل، بعضهم استقر في البلاد، وبعضهم عاد إلى بلده الأصلي.
33% من السويسريين من أصول أجنبية أو أحد والديهم على الأقل من أصل أجنبي.
40% ممن هم بين 20 و40 سنة، هم مهاجرون.
10% من السويسريين يعملون في بلد أجنبي.
حوالي 50% من الأنشطة الاقتصادية في البلاد، يقوم بها أجانب.
عدد الذين تجاوزت أعمارهم 65 سنة في سويسرا، بلغ في عام 2006، 1.6 مليون نسمة.
نسبة اليد العاملة الأجنبية في الصناعة تبلغ 32%.
ربع تمويل صندوق الشيخوخة والتأمين على الحياة يأتي من المهاجرين.



وصلات

×