Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

 نصف مليون سويسري تحت حافة الفقر!



عندما يعض الفقر بأنيابه عشرات الآلاف من العائلات ومئات الآلاف من سكان سويسرا من غير المشردين أو العاطلين عن العمل، فان الأمر يحتاج إلى وقفة بل إلى قرارات...

مبدئيا يبدو أن هذا هو المنطلق الذي دفع وزير الإقتصاد السويسري إلى تكليف اثنين من كبار أساتذة جامعة برن بإعداد دراسة مقارنة حول أفضل السبل لمواجهة ظاهرة "الفقراء العاملين" (Working poor) وهو مصطلح أنغلوسكسوني استعمل للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية لتوصيف صنف جديد من المساكين يعملون أربعين ساعة في الأسبوع لكن مداخيلهم لا تسمح لهم بتجاوز عتبة الفقر بمقاييس البلد أو المنطقة التي يقيمون فيها.

لكن الظاهرة لفتت الأنظار إليها في سويسرا في موفى التسعينات بعدما اكتشفت الأوساط الحكومية والإجتماعية أن الأزمة الإقتصادية التي عاشتها الكونفدرالية في العشرية الماضية والتحولات التي طرأت على سوق العمل وأساليب التوظيف قد أدت إلى نشوء طبقة جديدة من الشغالين لا يتمكن أفرادها من تأمين حد أدنى من الدخل المادي على الرغم من ممارستهم لنشاط مهني عادي طيلة أيام الأسبوع.

وتؤكد الدراسة التي أشرف على إعدادها الأستاذان الجامعيان "ميكائيل جيرفين" و"روبير لـو" بناء على مقاييس تعريف "حافة الفقر" المعتمدة من جانب "الندوة السويسرية لمؤسسات العمل الإجتماعي" أن عدد الأشخاص المعنيين بهذه الظاهرة في الكونفدرالية يقدر حاليا بأكثر من نصف مليون شخص.

وطبقا للمقاييس المعتمدة في الدراسة، يتراوح سقف (أو حافة) الفقر في الوسط الحضري ما بين 1999 فرنك لشخص يعيش بمفرده و4323 فرنك لعائلة لها أربعة أطفال. ويتراجع هذا السقف قليلا في الوسط الريفي ليستقر ما بين 1909 فرنك للشخص الذي يعيش منفردا وبين 3945 لعائلة تتركب من أب وأم وأربعة أطفال.

هذه الأرقام تم التوصل إليها بعد أن روعيت في تحديدها الإحتياجات الضرورية الدنيا للعيش بشكل "مستور" في بلد مثل سويسرا وسمحت باكتشاف حقائق مذهلة من قبيل أن 115 ألف شخص (يمثلون أربعين ألف أسرة تقريبا) يعملون أربعين ساعة على الأقل في الأسبوع يضاف إليهم 284 ألف أجير أو من ذوي المهن المستقلة لا يتمكنون من ضمان دخل يفوق "سقف أو حافة الفقر" ...

 بحثا عن أفضل الحلول؟

ونظرا لمتابعة النقابات السويسرية المبكرة لهذه الظاهرة، بادرت بالمطالبة منذ فترة بإقرار أجر أدنى يضمن وقف توسعها ويوفر لكل العاملين ولعائلاتهم العيش خارج "سقف الفقر"، لكن هذا المقترح قوبل برفض أرباب العمل وتحفظ وزارة الإقتصاد.

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي حرص وزير الإقتصاد باسكال كوشبان على استعراض نتائجها مع ممثلي وسائل الإعلام في لقائه التقليدي بهم قبل العطلة الصيفية للحكومة، حيث توصل الباحثان بعد حسابات معقدة ومقارنات مع بلدان غربية أخرى إلى أنه من الأفضل التوجه للتخفيضات الجبائية بدلا من التفكير في تحديد أجر أدنى قار لهذا الصنف من الفقراء-العاملين.

وقد تطرقت الدراسة إلى مقارنة تفصيلية بين النتائج المتوقعة لاعتماد أجر أدنى بثلاثة آلاف فرنك شهريا للأجراء وبين انعكاسات بعض التخفيضات الضريبية المقترحة على وضع هذه الشريحة من العاملين التي تتشكل في معظمها من أشخاص غير متزوجين أو من أمهات أو آباء يعشن بمفردهن مع أطفالهن.

ولا تقتصر البدائل المطروحة في الدراسة على مجرد إعفاءات كاملة أو جزئية من دفع الضريبة على المداخيل بل شملت مقترحات بدفع مبالغ مالية محددة (تتغير حسب الحالات) من أجل سد الفجوة القائمة بين المداخيل الفعلية والرقم الذي يحدد سقف الفقر مثلما جرب بدرجات متفاوتة في بعض الولايات الأمريكية وفي فرنسا وبريطانيا.

وقد توصلت الدراسة -بالأرقام والجداول المفصلة- إلى أن الإعفاءات أو التخفيضات الضريبية تمثل الحل الأنجع لتمكين "العاملين-الفقراء" وعائلاتهم من سد الفجوة القائمة بين مداخيلهم واحتياجاتهم والإبتعاد بهم عن "حافة الفقر". وقدرت أن تخصيص مبلغ ثلاثمائة وستين مليون فرنك سيكون كافيا لحل المشكلة ووضع حد للظاهرة.

 وانطلق الجدل!

ومن خلال ردود الفعل الأولية، لا يبدو أن الخلاصات التي توصلت إليها الدراسة التي مولتها وزارة الإقتصاد السويسرية ستحسم الجدل حول الموضوع. فالنقابات العمالية لا زالت متمسكة بضرورة اعتماد نظام الأجر الأدنى المضمون وتطالب بالترفيع في قيمة العلاوات العائلية، فيما ترى التيارات اليسارية أن السلطات العمومية تتهرب من الضغط على أرباب العمل لتتجه إلى معالجة "اجتماعية" لقضية تتعلق بسوق الشغل ونظام الأجور أساسا.

في المقابل قال وزير الإقتصاد بوضوح:"إن اعتماد نظام الأجر الأدنى سيُرغم الكونفدرالية على تحمل مسؤولية إفلاس المؤسسات والشركات غير القادرة على مواجهة الأعباء المالية التي ستفرضها الدولة من خلال إقرارها للأجر الأدنى"، وأكد باسكال كوشبان على أن الحوار حول هذا الموضوع يجب أن يظل "ضمن إطار السياسات الإجتماعية وليس في سياق سوق الشغل" لكنه أشار إلى أنه لا يريد استباق الأحداث داعيا إلى تنظيم حوار واسع حول السيناريوهات المحتملة بين النقابات وأرباب العمل.. فقط!

لكن بعض وسائل الإعلام السويسرية سارعت في تعليقات نشرت يوم الأربعاء إلى اتهام الوزير بالعمل على استباق الأحداث وإعداد الأجواء –من خلال مثل هذه الدراسة العلمية–للابتعاد تماما عن فكرة الأجر الأدنى وإقناع الرأي العام بجدوى اعتماد التخفيضات الضريبية بدلا من ذلك.

وفي انتظار الحسم في هذا الملف، نشرت صحيفة 24 ساعة الصادرة في لوزان تحقيقا أظهر أن المداخيل المصرح بها من طرف أربعة أخماس دافعي الضرائب في المدينة تقل عن سبعين ألف فرنك سنويا. وهو ما يعني (بالمقاييس السويسرية بالطبع) أن نسبة كبيرة من سكان واحدة من أكبر المدن في البلد تقترب من "حافة الفقر"... أي أن المسألة جدية إلى أبعد الحدود!

كمال الضيف – سويس إنفو



وصلات

×