Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

غموض في التفاصيل وكيفية التطبيق


الجهوية بالمغرب تجربة رائدة لكن "الشيطان يكمُن في التفاصيل"


بقلم محمود معروف - الرباط


تُعتبر الجهوية بالمغرب الأقصى تجربة رائدة ومُتميزة عربيا وإفريقيا، لكنها لا تزال في خُطواتها الأولى في بلد اعتمد الممارسة المركزية منذ استقلاله عن فرنسا في عام 1956. وفيما يرى البعض أن غموض تفاصيلها والتدبير السياسي لها، يجعل منها "مشروعا يحمل في طياته الفشل"، إلا أن ما يشهده العالم من تطوّر في تدبير تنوّعه في إطار وحدة دوله يُعزز آمال البعض بنجاح التجربة، نظرا لأن الجهوية ارتبطت عموما بتوسّع الممارسة الديمقراطية.

يجدر التذكير بأن مخاض الجهوية أو ما يُعرف بـ "اللامركزية المغربية"، التي نص عليها دستور 2011، بدأت في ثمانينات القرن الماضي، حين عبّر الملك الراحل الحسن الثاني عن إعجابه بنظام المقاطعات الألماني، ورغبته في الإستفادة منه في النظام الإداري المغربي، ثم بدأت الفكرة تحضر وتغيب في الخطاب المغربي، لكنها كانت تتطوّر واتخذت شكلا دستوريا في النص الأساسي لعام 1996، دون أن تحدد ملامحها تماما، التي ظلت دائما رهينة القوانين التنظيمية لتطبيقها.

في الواقع، كانت المخاطر التي تحيط بـ "الجهوية" المغربية نابعة من تسييسها. فقد انطلق مسارها في إطار البحث عن حلّ سياسي للنزاع مع جبهة البوليساريو على الصحراء الغربية، واستمر ذلك حتى عام 2010 حين اتخذت طابعا إداريا مرتبطا بالتحوّلات السياسية والإصلاحات الدستورية، التي يشهدها البلد منذ عقدين.

مؤخرا، تأكد التقدم المؤسسي الذي عرفته الجهة بوصفها جماعة ترابية، إنطلاقاً من المرجعية الدستورية الجديدة وبناءً على القانون التنظيمي للجهات، من خلال التنافس الذي شهدته الإنتخابات الجهوية التي أجريت يوم 4 سبتمبر 2015، وانتخابات رؤساء الجهات في الرابع عشر من الشهر نفسه، وهو ما بيّن وجود رهانات أكبر من طرف الفاعلين السياسيين على هذه المؤسسة، رغم الإنشغال بالإنتخابات وما ستفرزه من نتائج، دون أن يتركز الإهتمام على الجهة كمؤسسة وبصلاحياتها واختصاصاتها.

مشروع الجهوية الموسعة

في السياق، يقول محمد عامر، الوزير المغربي السابق المكلّف بالجالية المقيمة بالخارج (2007 – 2012) وعضو اللجنة الإستشارية العليا للجهوية فيما بعد، "بدأنا نتحدث عن الجهوية منذ خمس سنوات فقط، حيث لم يكن هناك اهتمام مغربي بالجهوية وبما أفرزته اللجنة الإستشارية"، ويضيف أن "القانون حول الجهوية يحمل غموضا كبيرا حول مفهوم هذا النظام وكيفية تطبيقه بالمغرب".

عمليا، انطلقت ورش خطاب "الجهوية الموسّعة" الجديد في خطاب ألقاه الملك محمد السادس يوم 9 مارس 2011، وقُدّم فيه مشروع الجهوية الموسّعة بوصفه "دفعة قوية لمسلسل الإنتقال الديمقراطي" بالمغرب، الذي حفزته حركة 20 فبراير الشبابية التي جاءت في سياق الربيع العربي. إثر ذلك، عاد النقاش ليظهر على السطح مجددا بعد أول انتخابات جماعية وجهوية تشهدها البلاد بعد بدء العمل بدستور 2011.

وفي خطابه يوم 30 يوليو 2015، قدم العاهل المغربي مشروع ''دفتر تحملات'' (أو كراس شروط) جهوي، اعتُبر نقطة انطلاق عمل الجهات والأقاليم والجماعات المحلية، وتمت الإشارة فيه إلى 800 20 مشروع، في إطار دراسة شملت ''كل جهات المملكة، وتم تحديد أكثر من 29 ألف دوار (حي هامشي)، في 1272 جماعة تعاني من الخصاصة وتستهدف أكثر من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، وبميزانية إجمالية تبلغ حوالي 50 مليار درهم (حوالي 5 مليارات يورو)".

من جهته، يعتبر أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس في الرباط أن "القانون الجديد يُتيح صلاحيات واسعة لرؤساء الجهات"، إلا أنه "لحدود الساعة لم يتم إطلاع المتتبعين بتفاصيل وفحوى الدراسة، للتأكد إن كان برنامج الجهات سيتضمن تنفيذ أكثر من 20 ألف مشروع، التي تحدث عنها الخطاب"، كما أننا ''لا نعرف طبيعة الدراسة، هل هي دراسة استشرافية أم تقييمية"، على حد قوله.

بطبيعة الحال، منح حجم هذه الورشة أهمية استثنائية للجهة، وانطلق النقاش من جديد حول تنزيل قانون الجهوية وتطويره، وفي لقاء مع swissinfo.ch، أوضح عامر أن "هناك من يختصِر تطوير الجهوية بتوسيع صلاحيات المجالس الجهوية، التي أسست بناء على دستور 1996، بينما تطورت الجهوية لتلعب دورها الدستوري، إذ أن الجهة موجودة منذ 1996 والمطلوب هو تقوية وتعزيز صلاحياتها كمؤسسة ومنحها اختصاصات واسعة وإمكانيات كبيرة، لأن مفهوم الجهوية أوسع، فهو إصلاح الدولة من خلال إعادة توزيع الإمكانيات بين الدولة والجهات".

ووفق القانون المنظم للجهات في المغرب، فإنها تعتبر مؤسسات تتمتع بالشخصية الإعتبارية، والإستقلال الإداري والمالي، غير أن المشاريع التي تحدث عنها الخطاب الملكي، أحيلت على بعض المصالح داخل وزارة الداخلية، وستشرع في تنفيذها مطلع 2016، لفترة لا تقل عن خمسة أعوام، أي ما يُوافق المدة التي سيتولى فيها رؤساء الجهات تنفيذ مهامهم.

الموارد المالية

من الناحية القانونية، تتمثل مهمة الجهات، حسبما ورد في القانون 111. 14 المنظم لها، في "استعمال الموارد الطبيعية المتوفرة لها، والعمل على تيسير توطين الأنشطة المنتجة للثروة والشغل، وتحسين القدرات التدبيرية للموارد البشرية وتكوينها". ويتميز الحكم الجهوي، بالإستقلالية المالية والتدبيرية، حسب القانون المنظم، ما يسمح لها بـ "تسيير مجال ترابي بموارد مالية وبشرية مستقلة، وبنوع من الحرية".

ومن أجل ممارسة اختصاصاتها، تتوفر الجهات على موارد مالية ذاتية وموارد مالية ترصدها لها الدولة، وما تحصله من اقتراضات لتنفيذ برامجها، حيث تُلزم المادة 186 من القانون المنظم للجهات الدولة برصد موارد "ثابتة وكافية" للجهات من أجل تمكينها من ممارسة الإختصاصات الذاتية المخوّلة لها. ومن المنتظر أن ترصد الدولة للجهات بموجب قوانين المالية بصفة تدريجية، نسبا محددة في 5% من حصيلة الضريبة على الشركات، و5% من حصيلة الضريبة على الدخل، و20% من حصيلة الرسم على عقود التأمين، تضاف إليها اعتمادات مالية من الميزانية العامة للدولة في أفق بلوغ سقف 10 مليار درهم سنة 2021. من جهة أخرى، يُمكن للجهات أن تستفيد أيضا من تسبيقات تقدّمها الدولة في شكل تسهيلات مالية، في انتظار استخلاص المداخيل الواجب تحصيلها برسم الموارد الضريبية وبرسم حصّتها من ضرائب الدولة.

في هذا الإطار، يقول عبد الرحيم العلام، الباحث في العلوم السياسية: "إن المتفحص للقانون التنظيمي للجهات، لا يمكن أن يلمس تغييرات كبيرة في صلاحيات المنتخَبين، إلا إذا استثنينا أن رئيس مجلس الجهة سيكون آمِرا بالصرف، لكنه يبقى دائما تحت وصاية سلطة وزارة المالية والوالي، فيُمكن لهذا الأخير مثلا، أن يحل محل رئيس المجلس الجهوي، وتجميد صلاحياته وعمل المجلس أو حله عن طريق القضاء الإداري المستعجل".

المطلوب هو تقوية المجالس وإعادة النظر في أسس الدولة، من خلال ركيزتين، هُما: تقوية الجهة كمؤسسة، وإعادة النظر في صلاحيات الدولة على المستوى الترابي والمركزي

محمد عامر، وزير مغربي سابق

امتحان جديد

محمد عامر، الوزير المغربي السابق أشار أيضا إلى أن "كلّ ما تم خلال السنوات الماضية، هو جزء من المطلوب، وما أنجز هو الجهة، لكن الجهوية كرؤية سياسية تنموية جديدة كمقاربة تنموية، لا زالت غامضة لأن المطلوب هو تقوية المجالس وإعادة النظر في أسس الدولة، من خلال ركيزتين هُما تقوية الجهة كمؤسسة وإعادة النظر في صلاحيات الدولة على المستوى الترابي والمركزي. فالمرادف الطبيعي للجهوية، هو اللامركزية، أي تحويل جزء أساسي من صلاحيات إدارات الدولة المركزية للجهات، وهو أمر يحتاج لتعميق النقاش وممارسة طويلة، ويصعب رؤيتها على أرض الواقع قبل عام 2017. فالدولة المغربية قامت على المركزية الشديدة مثلا رغم وجود مندوبيات للوزارات في مراكز الجهات، إلا أن القرار كان دائما من العاصمة الرباط، الإدارة المركزية، بالإضافة إلى دور الوالي في التنسيق وعدم رغبة الوزارات في ترك سلطاتها وصلاحياتها".

ويؤكد عامر، وهو نائب برلماني في الوقت الحاضر، على ضرورة إيجاد شراكة واضحة بين الجهات والجماعات وتحديد اختصاصات كل مؤسسة، وكذلك الإختصاصات المشتركة مع الدولة. فالقانون لا يُلزم الدولة المركزية بتحويل نفس الإختصاصات لنفس الجهات، وهو ما يستدعي حسب رأيه أن "تكون الإنطلاقة سليمة"، وأن تتمّ "الإستفادة من تجربة تدبير المُدن الكبرى التي قطعت خُطوات مهمة، لكنها لم تطوّرها بعد أن سقطت بتسييس تدبيرها والصراعات الحزبية"، مضيفا بأن ذلك "يتوقّف على طبيعة النّخبة التي ستدبّر الجهة وقدرتها على انتزاع هذه الصلاحيات والإختصاصات".

إنه امتحان جديد يدخله المغرب طوعا، لكنه ضروري في زمن اللاتمركز، خصوصا وأن التعددية والتحولات التي شهدها البلد والإصلاحات التي قام بها لم تخرج عن سياقات التغيير المغربي، المتدرج وغير الإنقلابي، لأن التوازنات القائمة تفرض عدم القطيعة مع الماضي، وهو ما يعني أن كلّ تغيير يجد فيه كلّ طرف مكسبا، وأيضا ثغرات يطمح لسدّها.

×