فن التنبؤ بالأحوال الجوية - من التكنولوجيا الفائقة إلى النمل

ما هي حالة الطقس اليوم؟

(Keystone)

بعد أن كانوا يعتمدون على الفولكلور المحلي والمراقبة لتحليل حالة الطقس والتنبؤ بما هو قادم، يستخدم خُبراء الأرصاد الجوية السويسريون اليوم الأقمار الصناعية وأجهزة الكمبيوتر العملاقة في علم يتسم بدرجة عالية من العولمة.

لكن كيف حدثت هذه التغييرات؟ وما هو السبب في عدم تمكننا من الحصول على معلومات أكثر بكثير حول ما يخبئه لنا الطقس مُقدماً؟ هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع معرض "الطقس، ضوء الشمس، البرق والعواصفرابط خارجي" الذي يقدمه المتحف الوطني السويسري في زيوريخرابط خارجي، والذي يستمر حتى يوم 21 مايو.

كان ديسمبر 2016 الشهر الأكثر جفافاً في سويسرا منذ 150 عاماًرابط خارجي، حيث لم تشهد بعض أجزاء البلاد أي هطول للأمطار، كما اندلعت الحرائق في بعض الغابات الواقعة جنوب سويسرا، وبالأخص في كانتوني تتشينو وغراوبوندَن. على الجانب الآخر، أتى شهر يناير معه بموجة بردرابط خارجي وثلوج طال انتظارها.

تظل حالة الطقس موضوعاً يتعذر التنبؤ به. مع ذلك، يبقى تعطشنا لمعرفة المزيد عن هذا الموضوع غير مروي. وفي الكنفدرالية، يتابع نحو مليون شخص يومياً توقعات الطقس من على شاشة التلفزيون العمومي السويسري، كما أضحى تطبيق المناخرابط خارجي من بين التطبيقات العشرة الأولى الأكثر تحميلاً في البلاد.

"أعتقد أن الكثير من الناس لا يُدركون كمية التكنولوجيا والعلوم الكامنة وراء توقعات الطقس التي يتابعونها كل يوم"، كما يقول بيتر بيندَر المدير العام للمكتب الفدرالي للأرصاد الجوية وعلم المناخرابط خارجي (أو ميتيو سويس)، الذي ساهم في إقامة هذا المعرض.

نحن نقف الآن في إحدى صالات المعرض حيث صور الأقمار الصناعية ورادارات هطول الأمطار ونماذج التنبؤ التي تساعد في شرح الظروف الجوية الحالية والمقبلة. وبغية الخروج بتوقعات دقيقة حول حالة الطقس، يعتمد علماء الأرصاد الجوية على حركات الغلاف الجوي على نطاق عالمي، مُستَخدمين مُعطيات تصل إلى أكثر من عشرة ملايين مجموعة بيانات يومياً من داخل سويسرا وخارجها على حدٍ سواء.

استحالة التنبؤ بكل شيء

وكما يقول بيندَر تسمح هذه التقنية بتوقعات مُفَصَّلة جداً، مع ذلك ليس بإمكان خبراء الارصاد الجوية التنبؤ بكل شيء.

"أعتقد أن الناس يحبون أحيانا معرفة ما سيكون عليه الطقس في عطلة نهاية الأسبوع بعد المقبل، والحصول على تفاصيل حول توقعات الطقس بعد عشرة أيام، ولكن هذا مستحيل تماماً"، كما أخبر swissinfo.ch.. "بإمكانك التنبؤ بما ستميل حالة الطقس لأن تكون عليه في ذلك الوقت لكن بدون تفاصيل عن مكان معين".

وبحسب بيندَر، فإن علم الأرصاد الجوية مجال تشاركي دولي للغاية. "نحن في سويسرا نتبوأ الصدارة بالفعل في بعض الموضوعات، مثل التنبؤ الرقمي للطقس وكذلك تكنولوجيا وعلوم رادارات الرصد الجوي"، كما قال. وهذا في بَلد قد تُصَعِّب تظاريسه الصخرية الوعرة وجباله ووديانه المتعددة - الخروج بتوقعات حول حالة الطقس.


ضفادع’ الطقس

ولكن موضوع الطقس لا يتعلق بالعلم فقط، ولكنه يشكل جزءاً من الاحاديث اليومية القصيرة بالإضافة إلى كونه ركناً أساسياً من التراث الشعبي، حيث يمكن العثور على كلام مُقفى قديم جداً حول هذا الموضوع مثل "سماء حمراء في الليل، فرحة للراعي. سماء حمراء في الصباح، إنذار للراعي"، الذي كانت قاعدة أساسية مستخدمة للتنبؤ بالطقس خلال الألفي سنة الماضية، إعتماداً على الوهج المُحمَر للشمس في المساء أو الصباح.

وإلى يومنا هذا، يحتفظ بعض خبراء الارصاد الجوية التقليديين بشعبية كبيرة جداً، كما هو الحال مع متنبؤو الطقس من موتاتالرابط خارجي (وهي قرية في كانتون شفيتس وسط سويسرا).

"إنهم يتنبأون بحالة الطقس لفصل الصيف والشتاء، كما أن ظهورهم في الإذاعة والتلفزيون مُسَلٍّ جداً. الجميع يعرفهم". كما يوضح يورغ بورلَت، أمين المعرض. "انهم مجموعة من حوالي نصف دزينة من المزارعين الجبليين الذي يتنبأون بالطقس بالإستناد على بعض الظواهر، مثل كيفية تصرف النمل أو بالإعتماد على رائحة نشارة الخشب عند القيام بقطع إحدى الأشجار.

من المؤكد أن لهذا علاقة كبيرة بالخبرة وملاحظة الأحوال الجوية. من المهم أن يكون المزارعون مُراقبين جيدين لأحوال الطقس، وإلّا قد يتعرض الحصاد للتلف"، كما أضاف بورلَت.

لكن، هل هناك أي حقيقة في ما يقوله متنبؤو الارصاد الجوية المحليون هؤلاء؟ "بالإمكان الإعتماد على توقعاتهم بشكل كبير فيما يخص قواعد الطقس المحلية، ولكن هذا على المدى القصير والمحلي فقط. أما التوقعات الأطول أجلاً - وهو ما يتمنون التوصل إليه حقاً - فمستحيلة تقريبا"، كما يجيب بورلَت بعد برهة من التفكير.

ملاحظات لا تقدر بثمن

إهتمام السويسريين بتسجيل أحوال الطقس يعود إلى وقت مبكر، وهو ما توثقه المذكرات الخاصة بالطقس للصيدلي وكاتب العدل رينفارد سيستا (1545 - 1614) من لوتسيرن، ويوميات الدير للراهب الأب جوزيف ديتريش (1645 - 1704) من بلدة "آينسيدَلن" في كانتون شفيتس.

وفي يومياتهم هذه، وثق الإثنان مشاهداتهم اليومية، وبشكل متكرر في كثير من الأحيان، وربطا الطقس بالأثر الذي تسبب به على الأشخاص والبيئة المحيطة بهم. وكما جاء في كتابات الأب ديتريش في أغسطس 1675، كان الثلج يتساقط غير مرّة ولم يكن هناك سوى القليل جداً من أشعة الشمس. وعلى العموم، كان الصيف بارداً ورطباً، ما كان يعني غلة زراعية منخفضة وأوقات عصيبة بالنسبة للناس.
وبمرور الوقت، أصبح عمل المُهتمين بهذا المجال أكثر علمية. وكان عالم الارصاد الجوية ألبرت ريغَّنباخ من بازل (1854-1921) أحد الرجال الأوائل في العالم الذين قاموا بالتقاط صور للسحب للحصول على تفاصيل أكثر دقة - قبل ذلك، كان يتم اللجوء إلى الكلمات والرسومات للوصف، الأمر الذي أدى إلى حالات من سوء الفهم. وكان ريغَّنباخ هو المحرر المشارك لأول نسخة من أطلس السحب الدولي الصادر في عام 1896 الذي يحدد تصنيف السحب.

 

وبالنسبة لعمل علماء المناخ في يومنا هذا، لا تُقَدَّر الملاحظات التاريخية حول الطقس ولا سيما تلك الموثقة على مدى القرن ونصف القرن الماضي بثمن. وهذا ما يؤكده ستيفان بادر من المكتب الفدرالي للأرصاد الجوية وعلم المناخرابط خارجي (أو ميتيو سويس)، الذي يهتم بتحليل كيفية تطور الطقس بدلاً من التنبؤ به.

"نحن نعمل مع هذه الملاحظات ونستخدمها كأساس لإثبات حدوث تغيُر في المناخ. الناس حينئذٍ لم يكونوا مُهتمين بتوقعات الطقس، بل كان إهتمامهم مُنصباً على مشاهداتهم. هذه المعلومات والملاحظات هي أساس لصناعة تاريخ طويل الأجل للمناخ. لم يكن الناس في ذلك الوقت يدركون قيمة الهدية التي منحونا إياها مع هذه القياسات والملاحظات"، كما قال بادَر.


إرتفاع محتمل في دراجات الحرارة

إحدى التغييرات الحاصلة في المناخ هي زيادة درجات الحرارة. وكما قال بادر :"بإمكاننا أن نثبت أننا نعيش في ظروف مناخية تختلف عن 30 - 40 عاماً".


وعلى سبيل المثال، زاد الجفاف في فصل الصيف، كما زادت موجات الحر، وهو ما كان واضحاً في الأعوام 2003 و2015، كما أوضح بادَر. وفيما يخص الجفاف - وكانت سويسرا قد ذكرت أنها تخطط لإضافة حالات الجفاف إلى قائمة المخاطر الطبيعية خاصتها - مازالت هذه الظاهرة مرتبطة بفصل الصيف أكثر كثيراً من ارتباطها بفصل الشتاء - وفقاً لـ بادَر.
وفيما يتعلق بالمستقبل، تشير السيناريوهات المناخية الحالية إلى إحتمال ارتفاع درجات الحرارة ما بين 1,5 و5 درجات مئوية في سويسرا بحلول نهاية القرن الواحد والعشرين، اعتمادا على الانبعاثات العالمية من غازات الدفيئة في المستقبل بحسب "ميتيوسويس". كما يُتَوَقَّع حدوث انخفاض كبير في هطول الأمطار خلال فصل الصيف إعتباراً من منتصف القرن الواحد والعشرين وما بعده.

ومع مثل هذه التغييرات، تظل حاجتنا لتوقعات الطقس ملحة أكثر من ذي قبل، سواء كان ذلك باستخدام أحدث التقنيات أو من خلال مُراقبة النمل.



/blob/42162240/-/subscription-form-in-arabic-data.xml

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك


swissinfo.ch

×