Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

رحلة المشردين عبر أوروبا


صحفي سويسري: "مُهاجرون يُعامَلون كالحيوانات"


بقلم ستيفانيا سومّـرماتر


 انظر لغات أخرى 3  لغات أخرى 3

على مدى ثلاثة أسابيع، رافق نيكولاي سكاو، الصحفي العامل لدى هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، مجموعة من اللاجئين السوريين في رحلتهم من تركيا وحتى ألمانيا، ومن ثم إلى "غابة كاليه" شمالي فرنسا. وعند عودته إلى سويسرا، حدّث نيكولاي swissinfo.ch عن انطباعاته حول "رِحلة الأمل" التي تعجّ بها شبكات التواصل الإجتماعي وغيرها. 

محطة سكك حديدية في النمسا.. في انتظار القطار إلى ألمانيا. من المرجح أن يكون الأطفال الضحايا الرئيسيون لمأساة الهجرة التي تشهدها أوروبا. (Reuters)

محطة سكك حديدية في النمسا.. في انتظار القطار إلى ألمانيا. من المرجح أن يكون الأطفال الضحايا الرئيسيون لمأساة الهجرة التي تشهدها أوروبا.

(Reuters)

 "إنها رحلة عذاب حقيقي، جسدي نعم، ولكن النفسي أكثر بكثير، حيث لا يتلقّى اللاجئون أية معلومات ولا يعرفون في كثير من الأحيان، إلى أيْن هُـم ذاهبون وما الذي ينتظرهم"، قال الصحفي نيكولاي سكاو، الذي انطلق من الحدود التركية السورية مرافِقا مجموعة لاجئين (ستة شباب تتراوح أعمارهم ما بين 13 و24 عاما) لمدة ثلاثة أسابيع، في رحلة وثقها من خلال تقرير تفاعلي ومتعدّد الوسائط وعبر شبكة الإنترنت وفي الإذاعة وعلى الشبكات الإجتماعية، تحت عنوان "إكسيلز Exils".

swissinfo.ch: طوال ثلاثة أسابيع، قطعتَ خلالها أراضي البلقان بصُحبة اللّاجئين السوريين.. كيف كانت الرحلة؟

نيكولاي سكاو: للفِرار من سوريا، اضطر اللاجئون السوريون إلى الإعتماد على المهرّبين لتجنّب الجنود الأتراك الذين تحرس دورياتهم الحدود، ولتفادي نِقاط التفتيش التي تقيّمها "الدولة الإسلامية".

وعندما يصبحون في تركيا، يستقلون الحافلة إلى اسطنبول، التي تمثل نقطة الْتِقاء للمهاجرين والمهرّبين، وهناك يتم تنظيم الرّحلات لعبور البحر، فيذهبون بشاحنات إلى الساحل، حيث تُبحر القوارب من أماكن سِرية، ويبدأ المهاجرون بلُعبة القط والفأر مع السلطات التركية التي صعّدت من الرقابة في الآونة الأخيرة.

وللوصول إلى اليونان، احتاج الشباب الستة إلى ثلاثة أيام، وحصل أن اعترضتهم الشرطة التركية ذات ليلة في عرض البحر مع نحو مائة مهاجر آخرين، فألقت القبض على البعض، بينما تمكّنوا هُم من الهروب والإختباء ومعاودة الكَرّة، فأفلتوا وتكلّلت المحاولة بالنجاح.

تقوم القوارب المطاطية برحلة ذهاب واحدة لا غير، وغالبا ما يقودها مهاجِرون من بلاد المغرب العربي، يتظاهرون بأنهم سوريون لكي يحصلوا على اللجوء، ومنهم الشاب الجزائري الذي التقيتُ به خلال الرحلة، أما المهرّبون الحقيقيون، فإنهم لا يصعدون إلى القوارب مُطلَقا.

swissinfo.ch: وبعد وصولهم إلى اليونان..

نيكولاي سكاو: اجتازوا الأراضي اليونانية بواسطة حافلة بمبلغ 35 يورو عن طريق شبكة من المهرّبين السوريين، وعندما وصلوا إلى مقدونيا، استقلوا القطار إلى صربيا وعبروا الحدود سيرا على الأقدام، ثم ركبوا حافلة أوصلتهم إلى الحدود مع كرواتيا. وبدءا من كرواتيا، تصبح الطريق سالِكة، حيث يصل المهاجرون إلى الحدود بالقطار ويركبون القطار التالي بكل تِرحاب "صباح الخير، شكرا، مع السلامة"، والمُهم، أن يكون مُكوثهم في بلاد العبور أقل ما يُمكن.

swissinfo.ch: كم كلّفت الرحلة؟

نيكولاي سكاو: دفعوا حوالي 1000- 1500 يورو للإبحار من تركيا إلى اليونان، ثم 165 يورو للوصول برّا إلى ألمانيا، يُضاف إليها 150 يورو على أكثر تقدير للطعام.

وبمجرّد الوصول إلى كرواتيا يصبح التنقل بالقطارات مجّانا، باستثناء بعض الدول، مثل مقدونيا، التي تسعى إلى التكسّب على حساب المهاجرين. ففي الصيف كان سِعر تذكرة القطار 5 يورو، وأصبحت الآن بـ 35 يورو، والقطارات طافحة بالركّاب.

swissinfo.ch: ما هي ظروف السفر؟

نيكولاي سكاو: الحافِلات لا بأس بها، أما القطارات فرهيبة. في مقدونيا، تضطر الكثير من العائلات للسفر وقوفا على الأرجل لمدة ست ساعات في قطارات تفوح منها رائحة البول وحيث تصل نسبة الرطوبة إلى نحو 95٪.

أما قطارات العار الأخرى، فهي القطارات المجرية، حيث كانت المرة الوحيدة التي لم أتمكّن فيها من مرافقة المهاجرين لأن السلطات منعتني من الركوب، فانتظرتهم في الجهة الأخرى من الحدود ورأيتهم يسيرون في طوابير، وفي الوحل، وتتنازعهم وتصرخ في وجوههم وحدات من الجنود، قِوامها 500 جندي مسلّح وبوجوه مقنّعة. وبعد أن امتلأ القطار المتّجه إلى النمسا بالمهاجرين، رجع به السائق لمسافة 600 متر إلى الخلف، وفقط عند هذه اللحظة تمكّن المتطوّعون من توزيع الوجبات الغذائية على النازحين من دون كلام معهم، وبرمي زجاجات المياه وحفّاظات الأطفال إليهم من خلال النوافذ. ويُعامَل المهاجرون معاملة الحيوانات.

وفي ألمانيا، ظروف السّفر أيضا سيِّئة، فقد كنّا أكثر من 1500 شخص في قطار لحوالي 500 شخص، ولم يكن يعرف اللاجئون إلى أين هم متّجهون ولا حتى مدّة الرحلة.. عذاب نفسي. 

wissinfo.ch: كيف يُحدّد اللاجئون وجهتهم؟

نيكولاي سكاو: في الحقيقة، إنهم كثيرا ما يكونون تائهين، لا يعرفون إلى أين يتّجهون، وهو ما آلمني كثيرا، فحتى آخر لحظة وهُم يتساءلون: النرويج أفضل أم ألمانيا؟ أم أنّ ثمّة فرصة للبقاء في النمسا؟ ويدور الحديث حول العديد من الدول وبسرعة، لدرجة أن البعض يتيه ويبقى حائرا، ما عدا يوسف، الصبي ابن 13 ربيعا، فهو يعرف منذ الانطلاق أنه ذاهب عند عمه في السويد، بينما اضطربت أفكار الآخرين فغيّروا رأيهم عشرة آلاف مرة، وفي نهاية المطاف، حطوا الرحال في ألمانيا بناءً على اقتراح من السلطات وحيث أعياهم السفر. القليل من اللاجئين مَن يعرف أيْن توجد سويسرا، ولا توجد لديهم نيّة للمجيء إلى هنا.

swissinfo.ch: الرِّحلة عبر أوروبا فقط تُكلّف أكثر من ألف يورو.. من أين يأتون بالمال؟

نيكولاي سكاو: كثيرا ما يندهش الناس حين يرون المشرّدين السوريين يحملون هواتف نقّالة ولديهم المال الكافي للسفر! لكن، لا ننسى بأن الكثير من السوريين قد باع كل ما يملك قبل أن يهرب، ثم إن المعيشة في سوريا هي أكثر غلاء من بعض دول شرق أوروبا.

خلال الرحلة، قالت لي إحدى السيدات: "كيف تسألني من أيْن أتيتُ بالمال؟ لقد كان عندي ثلاثة محلّات تجارية وسيارتين ومنزليْن وحياة.... وها أنا ذا هنا مع طفلي، فهل تعتقد بأني كنتُ سآتي هنا لو كان الأمر بيدي؟". 

swissinfo.ch: تمّ بث الوثائقي "اكسيلز Exils" بشكل مباشر عبر الشبكات الإجتماعية، فهل أتاحت هذه الطريقة وصوله إلى جمهور جديد؟

نيكولاي سكاو: الشبكات الاجتماعية، أتاحت لي فرصة نشر ما كان يحدث خلال الرحلة لحظة بلحظة، وما كنت أكتبه "كان يعبر الحدود"، ليقول: "هنا والآن"، في ذات الوقت لا دقيقة قبل ولا دقيقة بعد. إنها طريقة جديدة لمتابعة الوثائقي!

ويجب أن لا يغيب عن البال أنّي كنت كل صباح أتحدث مباشرة عبر الإذاعة، باعتبار أن ذلك هو عملي الرسمي، وكنت أتحدّث عن "وثائقي كبير"، لأنّي استعنت بكل الوسائل المتاحة، من راديو وفيديو وإنترنت وشبكات اجتماعية، لأقصّ حياة المهاجرين، ولكي يعيش المشاهد تجربة جديدة وأكثر "واقعية"، فقد سجّلت كل شيء بواسطة هاتفي المحمول فقط، واستخدمت كاميرتي فيديو لكي أصوّر الواقع على نسق "غوغل فيو".

swissinfo.ch: ألا يمكن أن يتحوّل النّقل المباشر لمأساة المهاجرين إلى ما يشبه برامج الواقع؟

نيكولاي سكاو: فعلا، لقد كان التحدّي أن لا تتحوّل الفكرة إلى برنامج من تلفزيون الواقع، فقمت باستخدام "تطبيق الناظور" ثلاث مرات لأبيّن للمُشاهد الزمن الحقيقي لِما يحدث، لكن، من دون تطفّل أو إثارة الفضولية.

أساس فيلمي وأبطاله هم المهاجرون، ولست أنا، واستخدامي للشبكات الاجتماعية لتسليط الضوء على حياتهم ومعاناتهم، وإظهار وجه وصورة أولئك الأشخاص الذين لطالما اعتُبِروا مجرّد أرقام.

swissinfo.ch: ما أكثر ما تفاجأت به في هذه الرحلة؟

نيكولاي سكاو: إنها رغبة هؤلاء الأشخاص في الحياة وحبهم لوطنهم، فهم ليسوا ذاهبين للسياحة في أوروبا، وإنما أناس تقطعت بهم السُّبل وليس أمامهم خِيار آخر. علينا أن لا ننسى ذلك ولا نيأس من تكراره.

ثم تلك الآلام النفسية، ليست بالأمر السهل... هناك الكثير من الأطفال المضطّرين لأن يقرّروا بأنفسهم ماذا عليهم أن يفعلوا وإلى أين يذهبون. ننظر إليهم وكأنهم يكيدون لنا أو أنهم يغزوننا، وننسى بأنهم بشر يغمرهم الخوف وهُم أحوج ما يكونون إلى مَن يرشدهم ويُهدِّئ من روعهم.

swissinfo.ch

×