Jump to content
نيكلاوس مولّر
تحميل
تقرير من إعداد

خطط وأعمال

الإنطلاقة في بلد يحاول اللحاق بالركب

سوازن ميسيخا (النص)، دانيالي ماتيولي (الصور)


"القفص الذهبي" تسميةٌ مبالغ فيها شيئا ما – يتعلّق الأمر بدلا من ذلك بنقطة انطلاق وشبكة أمان تساعد الطامحين على بسط أجنحتهم للتحليق، كما يقول شاب سويسري يدرس القانون ويعمل في شانغهاي بالصين.

بالنسبة لنيكلاوس مولّر، الصين هي المكان المناسب للعيش. وهو يُقيم الآن هناك للمرة الثالثة في غضون خمس سنوات. ومثل العديد من السويسريين الذين ينتمون لجيله، يبدو هذا الأخير شغوفا باستكشاف العالم، واستغلال هذه التجربة في بناء مستقبله.

ولكن ما يجعل تجربته أكثر لفتا للأنظار هو أنه في الواقع يسبح ضد التيار.

وقال مولّر متحدثا إلى swissinfo.ch: "الكثير من أصدقائي يريد التوجّه غربا، أما أنا فأردت العودة إلى الشرق. أنا مفتون بالصين. وعلى الرغم من أنني قد أمضيت أكثر من سنتيْن هناك، أشعر بالحاجة إلى تعميق فهمي لهذا البلد، ولمكانته في الإقتصاد العالمي".

يرتدي ثيابا أنيقة جدا، وقدم للمقابلة مصحوبا بمذكّرته الخاصة، يبدو مولّر من فئة الرجال الذي يأخذون الأشياء بعناية، ويعدوّن لها مسبقا. وبدأت أوّل تجربة له في الصين بعد حصوله على تدريب في إحدى شركات القانون الدولي ( CMS ) في عام 2011. وقد احتاج للعودة إلى زيورخ لاجتياز اختبار نقابة المحاماة في عام 2012، ولكن الصين ظلت معششة في مخيلته.

ويتذكّر مولر قائلا: "كنت مقتنعا بالفعل أنه عليّ أن أجد طريقة للعودة إلى الصين". وبالفعل بعد عودته إلى شانغهاي، منحته شركة CMS فرصة لبدء مشواره المهني كشريك بدوام كامل، وهو العمل الذي استمر فيه لمدة سنتيْن.

ولكن، لأنه من الصعب أن تستمرّ إلى ما لا نهاية في مكان بدأت فيه مشوارك كمتدرّب، انتقل مولّر من وظيفته تلك إلى أخرى في مصرف كريدي سويس في زيورخ. ولكن بعد عام فقط، وجد أن الصين تناديه من جديد، فالتحق ببرنامج الماجستير في معهد إدارة الأعمال الدولية في أوروبا والصين في عام 2015.

وأوضح مولّر المنحدر في الأصل من برن أنه "مهتم جدا بالمشروعات والريادة في الأعمال والابتكار. ونظرا للتطوّرات الأخيرة في الصين، أعتقد أن هذا البلد واحد من أكثر الأماكن إثارة يمكن أن يوجد فيها الإنسان"ز

وهذه الإثارة تشمل بالطبع الثقافة، والتاريخ، وكذلك اللغة، وعلى وجه التحديد لغة الماندرين.

ويقول هذا الشاب السويسري: "يبدو أن لكل حرف في هذه اللغة قصّة، وهذا يساعد على تذكّر كل تلك الأحرف، عبر محاولة فهم القصّة التي تختفي وراءه". ولقد اجتاز حتى اليوم، اختبار أربعة من أصل ستة مستويات، وهو يستعد الآن لاجتياز المستوى الخامس، الذي يتطلّب منه معرفة 2500 حرف.

باحث من برن إلى شانغهاي


.يالنسبة لنيكلاوس مولّر (32 عاما)، الصين هي البلد حيث يجب أن يكون الإنسان. لقد أقام هناك للمرة الثالثة في غضون خمس سنوات. ومثل العديد من أبناء جيله في سويسرا، قال إنه يريد استكشاف العالم والإستفادة من تلك التجربة في حياته الخاصة 

(الصور: دانيالي ماتيولي)


نيكلاوس مولّر يتدرّب على اللغة الصينية.
مقابلة.
في مكتبة مدرسته.
يطفئ ظمأه.
لحظة تأمّل وتفكير.
اقتناء بعض الأشياء للذكرى.
دائم التواصل مع العالم الإفتراضي.
لبن زبادي!
النظر بعيدا..

"الصينيون يتعايشون بشكل جيّد مع أوضاع الغموض وعدم اليقين، في حين يرغب السويسري في التمكّن والتعرّف على كل التفاصيل. نحن لا نشعر بالإرتياح إذا ظلت العديد من الأسئلة مفتوحة وبدون جواب"

شبكة الأمان الذهبية

لمولّر طموح واحد واضح – طموح ساعده على تجاوز فكرة – بغض النظر إن كانت حقيقة أم مجرّد وهم – سويسرا، "القفص الذهبي".

ويقول مولّر: "أستطيع أن أتفهّم شعور بعض الناس بأن قيودا مفروضة عليهم على نحو ما. ويقولون إنه من الصعب إجراء تغيير، مادامت قواعد السلوك المتوقّع واضحة ومعلومة. وقد يكون من الصعب الحياد أو الخروج عنها".

لكنه يعتقد في نفس الوقت، أن الشعب السويسري لابد ان يكون ممتنا لما يتمتّع به من استقرار سياسي واقتصادي في الداخل.

وبالنسبة إليه: "هذا الوضع يساعدنا (كسويسريين). نحن محظوظون لأننا نملك إمكانية خوض مغامرة في الخارج. وإذا لم ننجح في ذلك، نكون في وضع مريح، لأنه يُمكننا دائما العودة إلى سويسرا. وأنا على يقين تقريبا من العثور على وظيفة في غضون بضعة أشهر إذا ما عدت إلى البلد"، مضيفا بأن "الذهاب إلى بلد آخر يمكّن الإنسان من تخفيف الضغوط".

ربما يكون المصطلح الأفضل في هذه الحالة ليس "القفص الذهبي" بل "شبكة الأمان الذهبية" – وهو أمر ليس بالضرورة أن الجميع يتمتّع به. ويستشهد مولّر في هذا المجال بزميله الإسباني الذي اضطرّ إلى البقاء في الصين لأنه من الصعب عليه العثور على عمل في إسبانيا.

مُقارنة بين الصين وسويسرا

تمرّ الصين حاليا بمرحلة يزيد فيها الرخاء الإقتصادي وتتمتع بعلاقات وروابط أفضل مع البلدان الأخرى.

ويشير مولّر إلى أن "الشركات الصينية منتشرة في جميع أنحاء أوروبا، وفي العالم أجمع، ومع اتفاقية التجارة الحرّة الموقعة بين سويسرا والصين في عام 2014، أعتقد أنه ستكون هناك فرص مثيرة للإهتمام".

وعلى الرغم من أن سويسرا عادة ما تحتل مراتب متقدّمة دوليا في مجال الإبتكار، فإن مولّر يُشيد بروح المبادرة التي تميّز الصينيين كذلك.

وأوضح هذا المهاجر السويسري إلى بلاد التنين كيف أن "الإبتكار مسألة يصعب تحديدها. يُتداول في وسائل الإعلام أن الصين بلد مقلّد، ولكن عندما ترى ما يحدث هناك، تجد أن الصين قد أصبحت بلدا رائدا في بعض القطاعات مثل التجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا الدقيقة. وإلى جانب ذلك، عندما تنظر إلى شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة، عادة ما يكون لها ما يعادلها في الصين". مولّر مقتنع جدا بما يقول، ويضرب أمثلة على ذلك من قبيل "على بابا" مقابل تاوباو، و"تانسينت" مقابل "وي شات"، و"دي دي كوايدي" مقابل "إي باي"، و"واتساب" و"أوبر".

إنه معجب أيضا بالحلول التقنية المتاحة للشركات الصغرى، مثل تطبيقات الدفع بواسطة الهاتف المحمول والمستخدمة من طرف الجميع- وهو يشير إلى أن هذه التكنولوجيا كانت متوفّرة منذ سنوات، بيد أنها حديثة جدا في سويسرا. وربما لهذا علاقة متينة بروح التفاؤل والإنفتاح التي تميّز الصينيين والتي يخوض مولّر تجربتها.

يقول الشاب السويسري بلسان الواثق، العالم بخفايا ما يقول: "الصينيون يتعايشون بشكل جيّد مع أوضاع الغموض وعدم اليقين، في حين يرغب السويسري في الحصول على كل التفاصيل". و"نحن لا نشعر بالإرتياح إذا ظلت العديد من الأسئلة مفتوحة وبدون جواب"، يتذكّر مولّر كيف أنه ومن خلال المفاوضات بشأن عقد داخل مكتب المحاماة الذي كان يعمل فيه "بإمكانك تجربة الصدام بين الثقافات إلى حدّ ما. بالنسبة لي هذا يساعد إذا تخفّف الإنسان من ذلك قليلا".

مبادلات/ خيارات تفصيلية

وردّا عن سؤال، ما الذي لا يعجبك في علاقة بالصين؟ يتسلّح مولّر بالحذر خلال تقديم الإجابة: "العيش في بلد يفتقر إلى حرية التعبير". يقول ذلك وهو كما لو أنه يحرص على عدم المجازفة بالإساءة إلى مضيّفيه.

وأردف يقول: "هناك، السكان بأعداد هائلة – وشوارع مكتظة، والمتروهات ممتلئة، ولكنني لستُ قلقا من ذلك، لأنها وقائع لا يُمكننا تغييرها". وهو يعتقد أن ممارسة نوع من الرقابة الذاتية، وشيء من الدبلوماسية من شأنه أن يُساعده على مواصلة تطوير أعماله في الصين.

أما المجال الذي يرى مولّر أنه بالإمكان تحقيق تحسينات فيه فهي السياسات البيئية. ففي كل صباح، يكون مُجبرا على الإطلاع على التطبيقات التي تقيّم درجة التلوّث.

"الطريق في كثير من الأحيان ونوعية الهواء يكونان سيئيْن. وفي بعض الأحيان بالكاد تستطيع أن ترى 100 متر أمامك. ومقارنة بالصيف، يكون الوضع أسوأ في الشتاء. ويحدث أحيانا أنه لا يمكنك متابعة أو القيام بأي أنشطة في الخارج بسبب النوعية السيئة للهواء، وفي بعض الأيام الأخرى، تختار بنفسك البقاء في المنزل وعدم الخروج"، يقول مولّر ذلك وهو لا شك يفتقد المشاهد الطبيعية الجميلة في سويسرا.

إنها نوع من المفارقة، يلاحظ مولّر.

الذي يقول: "عندما ترى التدهور الخطير للطبيعة، تجد أن هذا النمو الإقتصادي الكبير يقابله ثمن باهظ جدا. ولكن هناك أيضا إشارات إيجابية مثل الإستثمارات الكبيرة التي أطلقتها الصين في مجال الطاقة النظيفة، وتمسكها بالتزاماتها مؤخرا تجاه نتائج مؤتمر الامم المتحدة المعني بالتغيّر المناخي بباريس 2015".

كذلك عدم الرفق بالحيوان، مسألة أخرى تُزعج مولّر في الصين. وفي الوقت الذي يحيّي فيه الإقبال على استهلاك كل أجزاء الحيوان - فكّر في سلاطة أذن الخنزير أو أرجل الدجاج المقلية - فإنه غير راض على الطريقة التي تُعامل بها الحيوانات في الصين.

وخصوصا الطريقة التي يتم بها إعداد هذه الحيوانات، والطريقة التي يحتفظ فيها بهذه الكائنات: "هناك بالتأكيد أشياء لا يمكن استساغتها"، وهو يشير بذلك مثلا إلى الحيوانات المحشورة في أقفاص ضيّقة.

وأما ما يحبّذ أكله فهو الزلابية على وجه الخصوص، ويقول: "الآن بدأت أصنع البعض منها بنفسي، فعلا!".

المستقبل .. أبيض مشرق

لما كانت شانغهاي مدينة عالمية، لم يعش مولّر صدمة ثقافية حقا – رغم ذلك كان من الصعب عليه العثور على حذاء بقياس 45 هناك. لكنه يتذكّر في المقابل كيف أنه وخلال عملية تسوّق عثر على شيء لم يكن يتوقّع وجوده هنا – مستحضر طبي لترطيب البشرة.

يقول مولّر ضاحكا: "أعرف أنه بالنسبة للنساء في الصين، من المهم جدا التمتّع ببشرة بيضاء جدا، لذلك يستخدمن الكثير من المستحضرات لهذا الغرض. ولكن هناك كذلك مجموعة متنوعة من هذه المستحضرات تكون خاصة بالرجال. لكن، لا أحد أخبرني بذلك، رغم أن هذا أمر مهمّ جدا بالنسبة إليهم، والمرء المثالي يكون أزرق العينيْن وبشرته طبيعية.

بمستحضرات خاصة أو من دونها، يبدو المستقبل مشرقا في الآن نفسه بالنسبة لمولّر وللصينيين. "هم متفائلون. ويعلمون أن هذا عصرهم – و"أن لديهم مستقبلا اقتصاديا مشرقا"، على حد قول مولّر متحمّسا بسبب النمو السريع المسجّل في بلد التنين – وفي شانغهاي على وجه الخصوص-” إنه أمر لا يصدّق أن تكون هنا، ولا تعيش هذه التجربة الفريدة من نوعها".

ولكن بماذا تُوصي السويسريين للتكيف مع هذا الواقع؟

"إذا كنت تريد أن تعيش في الصين، يجب أن تكون على استعداد للغوص في الثقافة. ولهذا من المهمّ جدا محاولة فهم الحضارة الصينية وتاريخها، وأن تحاول تعلّم اللغة".

ولكنه يقرّ بأن شانغهاي هي مدينة دولية إلى حد بعيد، وذلك على النقيض تماما مع بعض الأماكن الأخرى التي زارها في الريف الصيني.

كما أن "شانغهاي هي بمثابة الفقاعة إلى حد ما. لم تعد تمثّل الصين بالنسبة لي، إنها على العكس من ذلك هي وعاء لذوبان الثقافات واختلاطها مع بعضها البعض"، كما يقول.

الآن من المنتظر أن يتخرّج مولّر من برنامج الماجستير في إدارة الأعمال في عام 2017. وبعد ذلك، لكل شخص أن يتخيّل ما الذي يمكن أن يحدث! فهو يحبّ الإطلاع، ومتحرّك، وله مجموعة من المهارات، التي يمكن أن تأخذه إلى أي مكان تقريبا.