Skip to main content
الشقيقتان بلايتلر
تحميل
تقرير من إعداد

شقيقتان في إفريقيا

الفيل في الغرفة

أناند شاندراسيخار (النص)، جورجينا غودوين (الصور)


غادرت الشقيقتان دانييلا ومارينا بلايتلر سويسرا، التي ضاقت بهما، إلى إفريقيا المعروفة بمساحاتها الشاسعة. لقد عثرا على ما كانتا تبحثان عليه، بفضل الصيادين في كينيا، ونساء الماساي في تنزانيا.

وأوضحت دانييلا التي ولدت في لوغانو، قبل 52 عاما أنه "لم يعد بإمكانها العيش في سويسرا. لقد شعرت بالضيق وكأنها تحت رقابة مشددة". وتقيم هذه المواطنة السويسرية حاليا في جزيرة لامو، الواقعة في شمال كينيا.

ينحدر والدها من أقصى شمال كانتون تيتشينو، وبالتحديد من بلدة آيرولو، وأمها من بلدة بونتريزينا من كانتون غراوبوندن. غادرت هذه الفتاة في سن 19 منزلها وأسرتها المحببة لتتمتع بأشعة شمس سانت- تروبيز. وعلى الرغم من أنها قد نشأت في أسرة متماسكة، وتشتمل على ثلاث شقيقات وشقيق، فإن الرغبة في الهروب إلى عالم آخر فاقت قدرتها على المقاومة.

تقول دانييلا: "سويسرا بلد جميل جدا. ولكنني كنت بحاجة إلى شيء أكثر من الجمال. كنت أبحث عن التحديات، لأن الحياة في سويسرا كانت سهلة جدا بالنسبة للشباب".

وحتى سانت – تروبيز المعروفة ببريقها وجمالها لم تلبّ ما كانت تطمح إليه هذه الفتاة. بعد سبع سنوات قضتها على شاطئ الريفيرا الفرنسي، حيث عملت في محلّ أحد أصدقائها لبيع المنشآت المعمارية، بدأت تدغدغ مشاعرها الرغبة في السفر. وهكذا انتهت ما كانت مجرّد زيارة عند مصففة الشعر إلى تغيير جذري في مسار حياتها.

وأسرّت دانييلا في حديثها إلى swissinfo.ch قائلة: "حلمت دائما بفيل في حديقة منزلي بدلا من رؤية الكلب. وعندما شاهدت هذه الصورة، أذكت في داخلي هذا الحلم. كنت مُتعبة في سانت- تروبيز، وعلى استعداد لتغيير مجرى حياتي".

وبعد أن أجرت بعض الأبحاث، اكتشفت أن هذه الصورة قد التقطت في مخيم لإعادة تأهيل الفيلة في بوتسوانا. فبادرت بكتابة رسالة إلى مالك المخيم الذي جاء ردّه عام بعد ذلك يدعوها فيها للإلتحاق والعمل في هذا المركز. هكذا بدأت مرحلة جديدة في مسار حياة هذه المهاجرة السويسرية.

وأوضحت قائلة: "كنا نسجّل أفلاما، وإعلانات تجارية، وننظّم سفريات لمشاهدة الفيلة. كان الهدف من المشروع إنقاذ الفيلة التي كانت تعاني من مشكلة ما، والتي توجد في حدائق حيوانات حول العالم، وإعادة إدماجها في الحياة البرية في إفريقيا".

شقيق وشقيقات، مسارات متشعّبة

بعد ذلك بسنوات، بدأت مارينا أولفر بلايتلر، هي الأخرى تحلم بالهروب من سويسرا. بيد أنها، وعلى خلاف شقيقتها، لم تكن أحلامها أحلام فتاة في سن المراهقة تبحث عن آفاق جديدة. فقد كانت تبلغ من العمر 34 عاما آنذاك، وتعمل في شركة برمجيات، وتعيش في رغد من العيش.

"استيقظت في صباح أحد الأيام، وقررت أن ما أنا بصدده ليس الشيء الذي أريد أن أنذر إليه بقية حياتي"، تقول هذه المرأة التي تبلغ حاليا السادسة والخمسين من العمر. "لقد شعرت أني مكبّلة، وأن سويسرا صغيرة جدا بالنسبة لي".

كانت مارينا ترغب في السفر عبر العالم. وخطّطت لكي تكون محطتها الأولى في افريقيا، للقاء شقيقتها، مع أمل مواصلة الرحلة.

"كنا متماثلتيْن، أنا وشقيقتي. كانت لديْنا نفس الميول"، تقول دانييلا.

مثّل قرار الشقيقتان بمغادرة سويسرا في اتجاه افريقيا صدمة في البداية بالنسبة للعائلة. ولكنهما تلقيا أيضا الكثير من الدعم. وعلقّت دانييلا في هذا الصدد قائلة: "لم أتسلّم من والديّ أي مبالغ مالية، لكنهما قالا لي إنهما سيظلان يحبانها، وسيحتفظان لها بغرفة في منزلهما، إذا ما قررت العودة يوما ما. هذا الشيء منحني القوة على المغادرة".

"ربما كانت أمّي ستفعل نفس الشيء، لو كانت تنتمي لجيلنا، تضيف مارينا. أما أبي فكان سويسريا حتى النخاع، لكنه كان يتفهّم رغبتنا في استكشاف العالم".

أما بقية الأشقاء، فلم تكن تستهويهم المغامرة. فشقيقهما الوحيد ذهب إلى اسبانيا، أما شقيقتهما الكبرى، فقد استقرّ بها المقام في لوغانو حيث تعيش سعيدة.

وتشير إليها دانييلا قائلة: "تعيش على بعد مسافة 200 متر من منزل أمّي. وهي متزوّجة، ولها ثلاثة أولاد وكلب. جميعهم لم يكن يرغب في مغادرة المنزل".

التمتّع بالحياة إلى أقصى الحدود على الساحل الكيني


مغادرة سويسرا في سن التاسعة عشر لم يكن قرارا صعبا بالنسبة لدانييلا. واليوم هي تعتبر لامو وماليندي الواقعتيْن على الساحل الكيني موطنها، والأطفال الأربعة الذين تبنّتهم أسرتها.

(الصور: جورجينا غودوين)

في استراحة، لكنها مشغولة جدا بالعمل في ورشتها في ماليندي
الطريق المؤدية إلى منزل دانييلا في ماليندي.
لإن نجحت في الهروب من سويسرا، فإنه لا مفرّ من الجلوس إلى المكتب والعمل الدؤوب.
تستعد للمغادرة في رحلة تسوّق مع ساعدها الأيمن، شعيب.
وجبة العشاء مع أطفالها االمتبنين الأربعة وبعض المتعاونين معها.
على الطريق لمرافقة الأطفال الذين تبنتهم إلى المنزل بعد انهائهم للدوام المدرسي.
منزلها في ميلاندي تحوّل هو الآخر إلى ورشة عمل. 
تحرص دانييلا على قضاء وقتا ممتعا مع الأطفال الذين تبنتهم، بعد عودتهم من المدرسة.
تحويل أشرعة قوارب الصيد المعاد تدويرها إلى حقائب متماشية مع الذوق العصري.
تناقش عملياتها التجارية مع رولاند، المسؤول عن الشحن.
دانييلا تصغي لنداءات القلب في اختيار الزخارف، وتعكس تلك الزخارف أشكالا وألوانا على الحقائب التي تنتجها.
ورشة علي لامو دائما مفعمة بالنشاط.
دانييلا تأخذ نصيبا من الراحة بينما يعد شعيب وجبة العشاء.
دانييلا تتمتّع بلعب دور الأم بالنسبة للأطفال الأربعة الذين تبنّتهم، ويبدأ وقت الأسرة بإنتهاء الدوام المدرسي.
قليلا من المرح واللعب على الشاطئ قبل العودة إلى المنزل والقيام بالواجبات المدرسية.
تنقطع دانييلا عن التفكير في العمل عندما تكون مع الأطفال.


واقع إفريقي

وعندما غادرت مارينا إلى بوستوانا لزيارة شقيقتها، شدّ المكان انتباهها وانجذبت إليه. وتتذكّر ذلك: "منذ أن وطأت قدمايا الأراضي الإفريقية، رائحة الأرض وشيء يشبه العطر أوحى إليّ بأني أريد أن أبقى هنا لمدّة طويلة".

وبينما كانت دانييلا منشغلة جدا بعملها في رعاية الفيلة، عُرِض على مارينا تولّي إدارة المخيّم. شعرت مارينا أنه عليها ألا تضيع هذه الفرصة.

وتقول: "عدت إلى سويسرا لبيع منزلي، وسيارتي، وكل الأشياء الأخرى، ثم رجعت إلى بوتسوانا".

العمل في هذا المخيّم كان يشغل وقت الشقيقتيْن، لكن الإقامة في بوتسوانا لن تستمرّ إلى ما لا نهاية. وخلال رحلة استطلاعية إلى القاهرة للتحضير لنقل إثنيْن من الفيلة عن طريق البر، فوجئت مارينا بظواهر الفقر المدقع التي شاهدتها على طول الطريق.

"العدد الكبير من الفقراء الذي رأيته على جانب الطريق جعلني أدرك أني لا يمكن أن أبرّر جمع الكثير من المال من أجل الفيلة، في حين أن القارة تحتاج إلى أولويات أخرى"، تقول هذه السويسرية.

دانييلا هي الأخرى كانت قد عاشت نوعا من خيبة الأمل بعد سنوات قليلة من وصولها إلى القارة الإفريقية، عندما تمّ تكبيل فيل كانت تحبه كثيرا: "قلت عندئذ، لن أعود إلا عندما يُعاد هذا الفيل إلى أحضان الطبيعة. سنتان بعد ذلك، عدت لأجده حرا طليقا في الطبيعة. تابعت خطاه لمدّة ثلاثة أشهر للتأكّد من أنه بخير. ثم ذهبت إلى كينيا لبداية حياة جديدة".

البداية من جديد

وقعت دانييلا في شراك حب خبير في علم أحياء البحار من أصل بريطاني إلتقته في نيروبي. ولكن هذه التجربة ما كان من الممكن أن تتواصل. وتذكر دانييلا كيف أنه "كان رجلا رائعا. ولا يزال قلبي منكسرا إلى اليوم".

لتجاوز هذه الصدمة، قبلت بمهمة تتمثّل في تصوير الصيادين على جزيرة لامو، في كينيا. لقد أعجبت بالمنطقة وبمجموعة الصيادين.

وتشرح ذلك فتقول: "لامو، هي أجمل مكان على وجه الأرض. لا توجد فيها سيارات، ولا نوادي ليلية، أو كازينوهات. إنها لا تزال عذراء. هنا أنا أعيش تجربة حب على الدوام".

ولكن بالنسبة للصيادين المحليين، الحياة ليست وردية على الدوام. فالمنافسة مع سفن الصيد الكبيرة، والمياه الخطرة خلال موسم الأمطار يجعل من الصعب عليهم كسب لقمة العيش. أحد هؤلاء الصيادين، علي لامو، طلب من دانييلا دعما، فتساءلت كيف يمكن لها أن تلبي حاجته، ثم انتهت إلى فكرة خلاقة.

"كنت مفتونة ومعجبة بالمواد المستخدمة في أشرعة سفنهم خلال الإبحار. فرسمت قلبا كبيرا فوق تلك المواد، ثم ألحقت بذلك الرسم عبارة "الحب مرّة اخرى وإلى الأبد".

ثم طلبت إلى أحد أصدقائها بعرض ذلك الرسم في محله التجاري، وبيعت تلك القطعة في أقل من ساعة من بداية عرضها، بما قيمته 193 فرنك سويسري. وبمساعدة الصيادين، نجحت دانييلا في ابتكار العديد من القطع الأخرى. وبسرعة، دفعها هذا النجاح إلى إطلاق مشروع تجاري يقوم على ترويج هذه اللوحات الفنية، وحقائب مصنوعة يدويا انطلاقا من أشرعة سفن الصيد التي تخضع لإعادة ترميم.

أطلقت دانييلا على هذا المشروع التجاري "علي لامو"، هو اسم الصياد الذي طلب مساعدتها في البداية. اليوم، هذا المشروع يشغّل 30 شخصا بدوام كامل، من بينهم علي لامو نفسه، الذي يشغل خطّة رئيس المشروع.

هذا الآخر، انقلبت حياته رأسا على عقب منذ أن اقترب من المرأة السويسرية ليطلب مساعدتها. وقال هذا الرجل في حديث إلى swissinfo.ch: "لقد بنيت منزلا صغيرا لعائلتي، وأستطيع الآن أن أرسل أطفالي إلى المدرسة. عندما كنت صيادا، كنت أستأجر غرفة، وأتحمّل صعوبات كبيرة من أجل دفع الإيجار". 

الطمأنينة والراحة في أحضان الطبيعة ومع الماساي في تنزانيا


كانت مارينا تريد الإفلات من قبضة السباق المحموم مع الزمن في بلدها الأصلي، على الرغم من أنه لم تكن لديها خطة بديلة حقا. وبعد تذوّق المغامرة وخيبة الأمل في افريقيا، أخيرا عثرت على رقعة من الأرض، ومهمّة منحتها شعورا كبيرا بالإرتياح.

(الصور: جورجينا غودوين)

يهيمن على المشهد جبل ميرو الذي يعتمل في أحشائه بركان خامد، والذي يفرض حضوره على الوضع في أورشا.
كسب ثقة موراني- محاربو الماساي - أمر مهم من أجل الإندماج في المجتمع.
تنظر نساء الماساي بارتياح كبير لزيارة مارينان لأن ذلك يعني المزيد من العمل والمزيد من الربح بالنسبة لهم.
مناقشة تصاميم الحقيبة في الورشة الجديدة لصناعة الجلد في مكورو. 
انتاج المجوهرات المستوحاة من الماساي تتطلّب بصرا حادا وانامل ذكية.
غابرييل هو واحد من عدد قليل من الخبراء الذكور في الشركة.
أكواخ مجتمع الماساي هو المكان المفضّل لإلتقاء مارينا مع الفريق القبلي المتعاون معها.
الإستجابة للطلبيات الدولية يتطلّب تخطيطا وانتاجا مستمرا.
ويبقى أن نرى إذا ما كان الجيل القادم مستعدا للعمل مع الشركة بدلا من الإنجذاب للأضواء الساطعة في البلدات والمدن.
الإلتقاء بنساء الماساي في مكورو يتطلّب التنقل على بعد 50 كلم على الطرق الوعرة.
تدريب موظفين جدد في متجرة للبيع بالتجزئة في مقر الشركة في أروشا.
صيانة الإطارات هي واحدة من الأشياء الكثيرة التي يجب الإستمرار في القيام بها لتجنب مفاجآت غير سارة.
من المهمّ تذكّر إغلاق الأبواب بالنسبة للذين يعيشون في مزرعة.
بيكّولا وبوفّو أنتدبا أنفسهما حارسيْن لمسكن مارينا.
إنه ليس من المبكّر جدا الرد على مكالمة هاتفية بشأن العمل.
التوفّر على حمام بهذا الشكل هو من مظاهر الترف في الأدغال.
الشرفة هي المكان المناسب للجلوس والإستمتاع في منزل مارينا.
الإستفادة القصوى من بعض اوقات الفراغ النادرة للقيام ببعض المطالعات.
كثيرا ما يمرّ شخص ما ليقول نهارك سعيد في ورشة العمل.
أوّل عمل تقوم به مارينا في الصباح التحقق من سلامة حوافر حصانها.
المشي لمسافات طويلة برفقة كلبيْها هي الهواية المفضّلة لدى مارينا.


الفن في تنزانيا

مارينا هي الأخرى، أصبحت أكثر واقعية بعد أن غادرت مخيم الفيلة في بوتسوانا. لقد وصلت إلى تنزانيا خلال رحلة ترفيهية، ولم تقدر على مغادرة ذلك المكان.

تقول مارينا: "ما أحبه في هذا البلد، هو تنوّعه، بسلاسله الجبلية، وغاباته، ومساحاته المترامية. لقد كانت بوتسوانا جميلة جدا، ولكن مسطّحة بالكامل".

وقعت مارينا في حب بول أولفير، محارب قديم في إفريقيا، ويقضي وقته في إدارة مخيم سفاري خاص به قرب أروشا في شمال البلاد. لم تكن مارينا مقتنعة تماما بالعمل الذي يقوم به صديقها. وبالتزامن مع ذلك عرضت عليها إحدى صديقاتها الإشراف على إدارة منظمة غير حكومية يوجد مقرّها بميلانو.

تقول مارينا عن هذا المشروع الجديد: "لقد طلبت مني العمل لصالح مشروع يهدف إلى توفير دخل إلى نساء الماساي من خلال تسويق قلائدهن المكوّنة من الخرز. قبلت بهذه المهمّة بشرط أن يحقق المشروع لهن في يوم ما الإكتفاء الذاتي".

بعد عاميْن، أصبح هذا المشروع، شركة مستقلة تسمى "فنون نساء ماساي بتنزانيا"، وتتعاون معه 200 إمرأة. وتضع هاته النساء جانبا 10% من مداخيل المجموعة لأغراض العمل التنموي، مثل إصلاح الصناديق"، على حدّ قول مارينا.

"حوالي 99% منهن أميات، ويعشن في ظروف صعبة. لا أستطيع تغيير وضعهن جذريا، ولكن على الأقل الأموال المتأتية من عملهنّ الحرفي تعزّز ثقتهن في أنفسهن، واحترامهن لذواتهن".

إنهنّ يعشن حياة صعبة. هنّ مجبرات على جمع الحطب، وجلب الماء من بعيد لإعداد الطعام إلى العائلة، ثم لاحقا الاعتناء بالمواشي. ولا أحد يسألهن رأيهنّ فيما يخص حياة المجموعة، ويعانين في أغلب الاحوال من العنف الجسدي.

لقد استغرق الامر من مارينا سنة كاملة تمكنت بعدها من كسب ثقة هاته النسوة. وهي تأمل أن يأتي يوم تستطيع فيه نساء الماساي إدارة تجارتهن بمفردهنّ، ومن هناك الانخراط في مشروع آخر مستقبلي كمركز لتقديم العلاج للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.

تقول مارغريت غابريال، المسؤولة عن المبيعات حتى شهر نيسان 2016: "مارينا تمتلك شخصية متميّزة. هي تحب ما تفعله، وتتميّز بإندفاع كبير. وتغمر النساء السعادة عندما تصلهن طلبيات جديدة".

في سويسرا .. الكثير من القوانين

الواقع السويسري بعيد جدا عن الروح التي تصدر عنها الشقيقتان. ، على الرغم من أنهما يزوران بلدهما الأصلي مرةفي السنة. 

"عندما أكون في سويسرا، أشعر كما لو أنني في فضاء لقضاء عطلة. كل شيء نظيف ومنظّم"، تعلّق دانييلا.

فهي تقضي عطلتها متمتعة بالأغذية السويسرية، والتجوال عبر المسارات الجبلية، والتسوّق إلى المراكز التجارية.

وتشير دانييلا إلى أنها "تشعر بأنها سواحلية أكثر من كونها سويسرية. أقدّر عاليا عندما يصل الناس في الوقت المحدّد، ولكن إذا لم يحضروا في الوقت، فالأمر ليس خطيرا (كما يتصوّر المرء في سويسرا)".

تبدو دانييلا مندمجة في المجتمع المحلّي بجزيرة لامو، وقد تبنّت أربعة أطفال على عين المكان تتراوح أعمارهم بين 3 و18 عاما. وقد اختارت لها إسما محليا هو خليلة.

وتعتقد دانييلا أن "جزيرة لامو الكينية مكان جميل وهادئ يطيب فيه العيش وبالتالي مناسب للصحة، وللقلب وللروح. أستيقظ في الصباح فأتجه للبحر للوقوف على ميلاد يوم جديد، وفي المساء ايضا. ولكن بإمكاني في نفس الوقت ركوب قطار، والذهاب إلى أماكن مزدحمة للتسوّق".

ورغم افتقادها للشكولاتة السويسرية، تؤكّد دانييلا، أنه لم يعد بإمكانها العيش في سويسرا، لأنها عندما تكون في بلدها الأصلي تشعر بالضيق".

وتوضح ذلك فتقول: "توجد في سويسرا الكثير من العلامات التي تقول لنا ما الذي يجب ان نفعله، وما الذي لا يجب ان نفعله. في لامو، نحن أحرار إلى أبعد الحدود، على الرغم من كل المخاطر التي تحيط بنا".

فحركة الشباب الصومالية تشكل خطرا مستمرا. وهذه المجموعة الإرهابية سبق أن شنّت العديد من الهجمات في منطقة قريبة من لامو. والصومال ليست بعيدة من هناك.

ويقول علي لامو، الشريك التجاري والصديق المقرّب من هذه المرأة السويسرية: "لم يحدث أن هاجمت حركة الشباب الجزر، ولكن نرى على الدوام قوات الأمن ترابط على الطرقات، والاماكن العامة والفنادق الكبيرة، منذ أن طفى على السطح هذا الخطر الإرهابي".

يبدو هذا الأخير منشغلا أيضا بالمسؤوليات التي وضعتها دانييلا على عاتقها، مثل تبنيها لأربعة أطفال محليين. ويقول علي لامو: "دنييلا تمتلك قلبا كبيرا، ولكن في بعض الاحيان تكون وحيدة وتحتاج إلى من يساعدها، مثلا عندما سقطت ابنتها بالتبني مريضة". 

خيمة وفضاءات مفتوحة

حياة شقيقتها مارينا بعيدة كل البعد كذلك عن نمط الحياة في سويسرا. فهي تقيم في خيمة من الصنف المنغولي، في مزرعة يملكها صديق، حيث يوجد حصان، وكلبان، وحمار.

تقول مارينا: "سويسرا تصيبني بالضيق وانحباس الأنفاس. أحبّ المساحات المفتوحة هنا: الجبال، والغابات، والمساحات الشاسعة".

نادرا ما تنضبط أيام مارينا لجدول زمني محددّ مسبقا. والحياة بصفة عامة في تنزانيا تخفي مفاجآت بانتظام. ولكن يحلو لها القيام ببعض الأعمال عندما لا تكون الامور فوضوية إلى حد بعيد.

وتصف مارينا إيقاع حياتها اليومية على النحو التالي: "أبتدأ يومي برحلة على صهوة حصان، ثم أذهب لاحقا إلى المركز التجاري أو إلى المكتب في أروشا. أعود إلى المنزل في المساء، ثم أصطحب كلبي في جولة طويلة مشيا على الأقدام، أشاهد غروب الشمس، وفي بعض الأحيان أحتسي مشروبا، أو أتناول العشاء مع أصدقائي".

على عكس بوتسوانا، هنا لا توجد حيوانات متوحشة وخطيرة، مثل الأسود والفهود، ولكن بعض الحيوانات الصغيرة، مثل الضباع وابن آوى. وهكذا بإمكان مارينا أن تتفسّح مثلما يحلو لها. وبصرف النظر عن الحيوانات، في هذا المكان يعيش أيضا الماساي، حيث تنتشر بيوت القش في جميع هذه المنطقة. وفي نهاية الأسبوع، تعتلي دراجتها الهوائية وتذهب لملاقاة السكان لتحدّثهم عن الفرص المتاحة لتطوير أنشطتهم وأعمالهم التجارية.

مع ذلك، افريقيا ليست مجرّد بطاقة بريدية. والكثير من الناس يحسدونني لما يعلمون أنني أعيش في هذه المنطقة، ولكن الأمور قد تكون أيضا صعبة هنا. يمكن للأمور أن تتعطّل، وهناك الكثير من البيروقراطية ومن الفساد".

مارينا منفصلة عن زوجها، وهي تعيش وحيدة في أغلب الأحيان، وفي تواصل مع عدد قليل من الأصدقاء. مع ذلك، لا تتوقّع العودة قريبا إلى سويسرا.

وتقول: "سويسرا بمثابة الجزيرة الصغيرة، وهذا واضح في طريقة تفكير الناس هناك. تفكير لا يتجاوز حدود الكنفدرالية".

مع ذلك تعترف مارينا بأنها تفتقد إلى الثلوج والتزلّج، وإلى الإنضباط والنظام اللذان يميّزان النمط السويسري: "من الصعب جدا صناعة منتجات في ظروف العالم الثالث تكون موجهة إلى العالم الأوّل".

مستقبل هش؟

تشعر مارغريت غابريال بالقلق للمستقبل الذي ينتظر زميلتها مارينا. فهي ترى أنها تبذل أكثر من طاقتها، وأنها تفعل الكثير. كما أنها تبدو غير متفائلة بمستقبل المشروع الذي استثمرت فيه مارينا الكثير من الجهد.

وتقول غابريال: "عليها أن تفكّر في الجيل القادم، لأن بعض النساء بصدد التقدّم في العمر، وبات من الصعب عليهن إدخال الخيط في الخرز. ومن أجل ضمان مستقبل شركتها، عليها أن تتعاون الآن مع النساء الأصغر سنا".

وعلى الرغم من العبء الثقيل الذي يمثله العمل، والمسؤولية الملقاة على عاتقها من خلال تعاملها مع 200 امرأة من الماساي، لا تبدي مارينا أي ندم، وتقول: "أعيش أحلامي، ولدي كل ما أحتاج إليه، وليس لدي الكثير من المال. أنا حقا في سلام. وكان هذا هدفي في الحياة".

ولشقيقتها دانييلا بعض النصائح لمواطنيها السويسريين الذين يحلمون يوما في مغادرة سويسرا للعيش في مكان آخر: "يصفني أصدقائي بأني شجاعة، ولكن أنا لا أفهم لماذا. أرى أن من يظل في سويسرا لبقية حياته، هو أكثر شجاعة. اتبعوا ما تشير به عليكم قلوبكم، ولا تتركوا الخوف او القلق بشأن المال يستقرّ في أذهانكم. كل شيء ممكن إذا كانت لديكم قلوب مفتوحة".