الحصول على خدمة الإنترنت.. المعاناة اليومية لطلاب الكوت ديفوار
تحميل
تقرير من إعداد

التعليم بواسطة الشبكة العنكبوتية

الحصول على خدمة الإنترنت.. المعاناة اليومية لطلاب كوت ديفوار

كاتي رومي/ فلورينا روتينبرغر


«لو كان بإمكان الشباب الإستفادة من خدمات هذه المعدات، لما صعدوا في زوارق للّحاق بأوروبا رغم الأخطار.» كلمات لبنيامين ياو، أستاذ من كوت ديفوار، والتي تترجم الأمل الذي يعلّقه على "الموكس"، أو الدروس المتابعة عن بعد، تلك المقررات الالكترونية المجانية والمتاحة للجميع على الشبكة العنكبوتية، وأيضا الحلم بتقديم فرص تدريب أفضل لجيلٍ من الطلاب الأفارقة، الذين وُلدوا وكبروا مع الأنترنت ولا زالوا يتقدمون معها. أمل يحمله تصوير الدرس الإلكتروني الأوّل الذي أُنجِزَ في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والذي استطاعت swissinfo.ch حضوره في ياموسوكرو، عاصمة دوت ديفوار. خلف هذا المشروع، الذي بدأه المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) في سويسرا، تختبئ قصة طلاب يعملون دون كلل لينجحوا بالرغم من العديد من المعوقات. إنها قصة حلم الوصول إلى معرفة العالم بأكمله من خلال نقرة بواسطة فأرة الحاسوب.

لمحة عن حياة الطلاب

 (Flurina Rothenberger)

«الإنترنت مشكلة حقيقية هنا».

جوردن روماريك بريكا

حرص جوردان روماريك بريكا على ترتيب غرفته الجامعية قبل استقبالنا. فتح لنا الباب كاشفاً عن مساحة محدودة جدا وُضع فيها سرير ضيق ومكتب ومكان صغير للإستحمام ومبرّد صغير. بضعة أمتار مربعة هي في نفس الوقت غرفة وحمام وفي بعض الأحيان مطبخ إضافي. 

ويُشير الطالب في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي - بوانيي (INP-HB) في ياموسوكرو بإصبعه وبكل فخر إلى علبة "الوي في" الموجودة خلف شاشة حاسوبه المحمول، والتي تسمح له بالإتصال بالإنترنت لاسلكيا «لقد قمنا بتشكيل مجموعة من ثمانية طلاب لشرائه ونحن جميعاً نتقاسم إستخدامه الآن».

وبفضل هذا التنسيق، يستطيع جوردان روماريك بريكا تحميل "الدروس الإلكترونية"، أي «المقررات الإلكترونية المكثفة والمفتوحة للجميع» ويُتابع الطالب العاجي أربعة منها، من ضمنها مقرّر في إدارة المشاريع من المدرسة المركزية بليل في فرنسا «أتابع هذه الدروس لتعميق معرفتي في بعض المجالات. لأن هناك الكثير من المفاهيم التي نمر عليها مروراً سطحياً في الفصل الدراسي».

معظم هذه "المقررات عن بعد" تسمح للطلاب بالحصول على شهادة، مقابل مبلغ مالي، لكن هذه المرحلة لا تهم هذا الشاب الذي يُعلل ذلك قائلاً: «إمكانياتي المادية قليلة وليست الشهادة استثماراً مُربحاً بالنسبة لي».

وينقر جوردان روماريك بريكا على لوحة المفاتيح ليفتح صفحة شبكة كورسيرا، منصّة تتضمّن العديد من الدروس عن بعد. ولكن يستغرق تحميل الصفحة عدة دقائق ويعبر الطالب عن أسفه لذلك بقوله: «الأنترنت مشكلة حقيقية هنا».
 

يوم مع النخبة


في ياموسوكرو، الطلاب ليسوا في ضائقة كما هو الحال في جامعات البلاد. ويعدّ المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي - بوانيي في المجموع 3500 طالب وطالبة من 15 دولة إفريقية. هؤلاء يمثلون أفضل المتحصلين على الباكلوريا في كوت ديفوار، مادام لا يقبل سوى 650 طالب من أصل 7000 مرشّحا سنويا.

 (Flurina.Rothenberger)

"فقط الطلاّب الذين يتوفّر لهم المال بمقدورهم متابعة الدروس الإلكترونية عن بعد"

موسى كوني أحمد

ويذهب الطالب موسى كوني أحمد إلى ملاعب الرياضة في الحرم الجامعي، حاملاً مضرب التنس على كتفه وبملابسه الرياضية الأنيقة. إنها لحظات استرخاء نادرة في حياة طالب مجتهد. ويروي لنا الطالب في هندسة الخدمات اللوجستية والنقل: «أنتهي في معظم الأوقات حوالي الساعة السادسة مساءاً، آكل ثم أكون جاهزاً للإنهماك في الدراسة».

وكزميله جوردان روماريك بريكا، فهو يستغل وقت فراغه ليتابع الدروس على الانترنت، وهذا ما خوَّلَهُ الحصول على شهادة من مدرسة إدارة أعمال فرنسية. «كان الحصول على الشهادة أمراً مهماً بالنسبة لي، وأشعر بأن سيرتي الذاتية أصبحت أكثر قيمة.»

ويُخرج موسى كوني أحمد من جيبه مفتاح اتصال انترنت 3 غيغا قابل للشحن ويضيف: «كان عليّ أن استثمر بعض المال لكي أستطيع الحصول على خدمة الأنترنت ومتابعة الدروس عن بعد خلال وقت محدد وإعادة الواجبات في الوقت المطلوب، فالطلاب الذين يملكون المال هم وحدهم فقط الذين بوسعهم فعل ذلك».

وبالفعل، زميلته ميكائيل ساهي، التي تدرس نفس الفرع، حاولت هي الأخرى متابعة هذه الدروس لكنها لم تستطع إكمالها لأنه لم يكن لديها المال الكافي لتشترك بالإنترنت. وتعرب الشابة عن أسفها لهذا الأمر: «لو كان عندنا في الجامعة اتصال بالإنترنت فعّال ومجاني، لأصبحت الدروس الإلكترونية محل اهتمام ومتابعة من الجميع لأننا نرغب جميعاً بتحسين معلوماتنا، إلا أن ذلك يستحيل في ظل الظروف الراهنة».

ويُشكّل دخول الشبكة المجاني عبر اتصال لاسلكي يغطي كل الحرم الجامعي في الوقت الحالي ضرباً من الخيال، مع أن الانترنت بالنسبة لطلاب ياموسوكرو أداة في غاية الأهمية بشكل خاص. ويعلّق كوني أحمد: «نحن نستعمل الشبكة العنكبوتية العالمية في أبحاثنا، بسبب عدم توفر الكتب المهمة في المكتبات». وخلال الأربع سنوات التي قضاها في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفويه – بواني (INP-HB)، لم يذهب الشاب إلى المكتبة إلا نادراً «الكتب المتوفرة قديمة، وتعود للثمانينات والتسعينات، وهذا ما يجعلها غير مفيدة لمعرفة آخر التطورات التكنولوجية».

محاضرات كأنها عروض سينمائية


ثلاثة أجهزة عرض (بروجكتور) وكاميرا مُسلطة عليه. لقد اختار قميصاً ملوناً بالأخضر والأصفر يرتديه خلال كل فترة التصوير. ويُقرّ: «إنني متوتر قليلاً». إيف تيكورا ليس ممثلاً سينمائياً يجهز نفسه لتمثيل دوره الجديد. إنه أستاذ في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفويي – بواني (INP-HB)، ويتهيأ لتسجيل أول درس إلكتروني "صناعة إفريقية" 100% وبعنوان «لافتات ولوحات الصمام الثنائي الباعث للضوء (LED)».

«توقف!» يأمر إيف تيكورا بقطع التسجيل. يجب إيقاف المكيّف، الذي يصدر ضجيجاً ويشوّش على التصوير. ثم يصبح الجو في الاستوديو ثقيلاً. في حين يُعلّق العاملون في الخدمات الصوتية والمرئية على الصور التي تمَّ تصويرها. فلكي يتم نشر المحاضرة فيما بعد على موقع كورسيرا، يجب أن تستوفي معايير الجودة المطلوبة.
 

صمت. نحن بصدد التسجيل

 افتتاح استوديو لتسجيل دروس المتابعة عن بعد (موكس) في ياموسوكرو بمبادرة من المعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان والذي تكفّل بتوفير التجهيزات.  


مع أن إيف تيكورا نجم في ياموسوكرو، بيدَ أنه ليس الفرد الوحيد الذي يقوم بدور أثناء تسجيل المقرر الإلكتروني الأوّل الذي يتم تصويره بالكامل وللمرة الأولى في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فهذا المقرّر هو ثمرة للتعاون مع ثلاثة أساتذة آخرين: مامادو ندي الأمين من السنغال، والكاميروني آلان تيدو وبيار- إيف روشا الأستاذ المحاضر في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL). فهو عبارة عن درس إلكتروني بالشراكة، مفهوم اقترحته الشبكة المتميزة لعلوم الهندسة في البلاد الناطقة بالفرنسية (RESCIF).

والقيام بعمل يشترك فيه ثلاثة أساتذة ينتمون إلى خلفيات ثقافية مختلفة لا يتم دائماً دون عقبات ويحتاج لبعض التنازلات. فكان من الضروري التوافق على استخدام بعض المصطلحات.

المعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان يركّز اهتمامه وجهده على البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية.

في مجال الدروس المتابعة عن بعد، يتصدر المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) الريادة في أوروبا. حيث بدأت جامعة لوزان بتصميم المقررات الجامعية المنتشرة عبر الإنترنت منذ عام 2012. وجاء الإندفاع من رئيس المعهد باتريك إبيشير، الذي لاحظ الظاهرة لدى زيارته لجامعة ستانفورد، في الولايات المتحدة.

واتبع الموك في البداية النموذج الذي كان سائداً في أوائل عام 2010 في أميركا الشمالية وكان يُكتب باللغة الإنكليزية. واكتشف المعهد بعد بث المساق الالكتروني الأول باللغة الفرنسية عام 2013 أهمية هذا العرض بالنسبة للقارة الأفريقية. فكان 16% من المشاركين في ثلاث مساقات بالفرنسية أفارقة، دون أي محاولة من المعهد الفدرالي لاستقطابهم.

فقام المعهد الفدرالي في لوزان (EPFL) بإنشاء درس إلكتروني خاص بإفريقيا، وهو عبارة عن «برنامج تعاوني لبلدان الشمال والجنوب يسعى لدعم التعليم العالي والدورات التعليمية في أفريقيا». ويدعم هذا المشروع كل من إدارة التنمية والتعاون السويسرية ومؤسسة ايدموند دي روتشيلد. كما يعتمد معهد (EPFL) أيضاً على المؤسسات الأعضاء في الشبكة المتميزة لعلوم الهندسة في البلاد الناطقة بالفرنسية (RESCIF).

وبين العامين 2012 و2015، حقق معهد (EPFL) تسجيل أكثر من مليون مشترك من أكثر من 186 دولة.

"يعتبر المعهد التقني الفدرالي العالي بلوزان الدروس الإلكترونية التي يمكن متابعتها عن بعد حلا لمعالجة مشكلة الكثافة في التعليم العالي".

ويُولِّدُ هذا التسجيل السمعي البصري الحماس لدى المدرسين العاجيين، كما يتابع المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) الحدث باهتمام شديد. فهو بمثابة تجربة؛ وهدف (EPFL) هو نقل الوسائل التقنية والتربوية الضرورية لإعداد واستخدام المقررات الإلكترونية، لشركائه الأفارقة. ويوضح ديمتريوس نوكاكيس، مدير برنامج «درس إلكتروني من أجل أفريقيا» أن: «الفكرة هي أن يستطيعوا إنتاج محاضراتهم تماشياً مع الاحتياجات الإقليمية لمدينة أبيدجان، فنحن نعلم أن طريقة التدريس تختلف بحسب المكان الذي نوجد فيه على الكرة الأرضية».

قاعات محاضرات مكتظة وأساتذة مُنهكون ليس لديهم الوقت لتطوير محاضراتهم أو أن المحاضرات لا تدع مجالاً للتفاعل. هذه هي الحياة اليومية في جامعات ساحل العاج وبشكل عام في القارة الإفريقية. المعاهد التقنية كالمعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي – بواني (INP-HB)، هي وحدها بمنأى عن اكتظاظ الطلاب.

بالنسبة للمعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL)، الموك هو الحل لمشكلة ما يُسمى بـ «تكثيف التعليم العالي». والإستراتيجية التي يتّبعها: تأسيس ثلاثة مراكز تقنية – تربوية، مهمتها الأساسية إعداد الموك. وأصبح المركز في ياموسوكرو جاهزاً وقابلاً للإستعمال، في حين سيرى مركزان آخران النور في داكار (سنغال) وياوندي (كاميرون). وسيتم تدريب اثني عشر أستاذاً، من كل واحدة من هذه المؤسسات الجامعية، لدمج الموك الموجود وإدخاله في المناهج التعليمية.

ولكن هل معنى هذا أن الفيديوهات ستحل محل الأساتذة؟ يؤرق هذا السؤال العديد من المدرسين. ويجيب ديميتريوس نوكاكيس بهذا الصدد: «نحاول أن نقول لهم أن هذا ليس هدفنا على الإطلاق. عليهم بكل بساطة استعادة قيمتهم المُضافة والتي ليست، بالتأكيد، إلقاء محاضرة في قاعة أمام 1500 شخص»

هناك قلق ومخاوف ولكن بالإضافة إلى ذلك هناك تفاؤل. فالموك يجعل الأساتذة يحلمون أيضاً.

أساتذة بمثابة الممثلين


."أكون مرتاحا أكثر في الفصل أمام الطلاب أكثر منه عندما أكون أمام الكاميرا"

إيف تيكورا

قال إيف تيكورا: «يظن الكثير من الشباب أن عليهم الذهاب إلى فرنسا ليستفيدوا من تعليم أفضل. فإذا استطاعوا متابعة الدروس عالية الجودة عبر الشبكة العنكبوتية، فربما لن يُحبذوا الذهاب إلى شمال البحر الأبيض المتوسط(أوروبا)».

هذا الأخير الذي درس في أوكرانيا، هو الأستاذ الوحيد في المؤسسة العلمية الذي يعدّ الفيديوهات. ابتسامته ومظهره البشوش يجعلان منه شخصية في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفويي – بواني (INP-HB). فهو يتوقف ليمازح بعض زملائه في ممرات المعهد ثم يتحدث مع مجموعة من طلابه. «أنا أشعر بالراحة في الصف أكثر من أمام الكاميرا. فعندما أسجّل درسا إلكترونيا، يجب أن أكون دقيقاً وأن أذهب مباشرة إلى الفكرة الأساسية، لا أستطيع ممازحة طلابي، كما أفعل عادة» هذا ما قاله وهو يَعبُرُ المرج الواسع الذي يفصل بين مختلف مباني الجامعة، تحت شمس حارقة.

ويضيف إيف تيكورا وهو مقتنع بأن الدرس الإلكتروني يُمثّل مستقبل التعليم: «نحن نعيش في عصر الصورة، في عالم رقمي. وعلى المعهد أن يتأقلم مع هذه التقنيات الجديدة.» ويأمل أن تتحسن أيضاً نوعية التعليم: «عندما كنت طالباً، كنت كثيراً ما أتساءل إن كان ما نتعلمه في كوت ديفوار صحيحاً وإن لم يكن متأخراً. وسيُجبر الدرس الإلكتروني المدرسين على التحقق من معلوماتهم ومن طرح التساؤلات على أنفسهم، لأن المقررات ستنتشر في جميع أنحاء العالم.»

كما يمكن للفيديوهات أيضاً أن تحل محل التجهيزات التي يصعب على الجامعة توفيرها.
 

منبع إلهام


 تحت مسميات فنية في بعض الاحيان، بعض الدروس المتابعة عن بعد يمكن أن تكون لها انعكاسات عملية إلى حد بعيد. هذا هو وضع الدرس الذي يحمل عنوان "فهم المتحكّم الدقيق أو المتحكّم الصغير" والذي وضع تصوّره بيار - إيف روشا من المعهد التقني الفدرالي بلوزان، وجون- دانيال نيكود. ويلقى هذا الدرس إقبالا كبيرا من الطلبة الأفارقة في البلدان الناطقة بالفرنسية.  .



 (Flurina Rothenberger)

"منذ أن بدأت أعرض فيديوهات الدروس الإلكترونية على أنظار طلابي، والتي تصوّر فيها التجارب العلمية بدأوا يفهمون الدروس بشكل أفضل"

فلورانس نيامكي بوبيلي

فمن الصعب تدريس مادة الكيمياء بدون مختبر. وليس لدى المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفوي – بواني (INP-HB) الإمكانيات للحصول على صالات مجهزة كما يجب. وأعربت فلورانس نيامكي بوبيلي، أستاذة الكيمياء ونائبة مدير المعهد، عن امتعاضها: «عليّ إذاً أن أمتنع عن تحضير التجارب».

وفجأة تغزو نظرتها، المحاطة أصلاً بهالة من التعب، موجة من الكآبة، فهي من الأساتذة النادرين اللذين لم يدرسوا في أوربا فتصف نفسها بأنها «منتج صافي من المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفويي – بواني (INP-HB)»، وتتذكر فلورانس نيامكي بوبيلي أنها عندما كانت طالبة كان المعهد مجهزاً بمخابر جديرة بالتسمية، ولكنها أصبحت الآن في حالة سيئة جداً. وتعتبر أن المقررات الإلكترونية عبر الإنترنت هي الحل الأمثل: «أعرض على طلابي فيديوهات لدروس إلكترونية فيها تجارب مُصورة. ومنذ ذلك الوقت، صاروا يستوعبون بشكل أفضل».

تحت الجناح الحديث والمُكيَّف الذي هو بمثابة مطعم للمدرسين، يجلس ألفونس ديانغو، الأستاذ في الهندسة الميكانيكية، والذي يبدو مشككاً. فهو مهتم بالدروس الإلكترونية ويحاول متابعتها أيضاً لكنه يصطدم، كطلابه، ببطئ الانترنت. ويتنفس الصعداء ثم يقول وهو يتناول الأتيكة: «لا نستطيع متابعتها. نحن نسّجل ولكن عندما نحاول الدخول إليها، لا نستطيع بسبب مشاكل الاتصال بالإنترنت». ثم يتابع مشيراً إلى عقبة أخرى: «نشتري اشتراكاً من شركة الاتصالات بسرعة تحميل 400 ميغا، إلا أننا لا نصل أبداً لاتصال بهذه السرعة على حواسيبنا، ما يبيعوننا إياه لا يتطابق مع سرعة التحميل الحقيقية».

ويسأل أستاذ آخر التقيناه في ممرات المعهد ذاته: «درس إلكتروني؟ ولكن ما هذا؟». فهذه التقنية الجديدة لا تهمه كثيراً، وهو يفضل العمل بالوسائل التعليمية التقليدية، التي يجهزها بنفسه. وبعد التفكير، يستأنف قائلاً: «الموك، هذا جيد ولكن يجب أن تكون الانترنت على المستوى المطلوب!»

كوت ديفوار عرفت الدروس عن بعد عبر تجارب سابقة

معظم العاجيين الذين كانوا في المدرسة الابتدائية بين 1968 و1981 شاركوا في برنامج التعليم المُتلفز (PETV). ونُفِّذَ المشروع بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو). وقد تمّ بث الحلقات المدرسية الأولى في عام 1971، من مدينة بواكي عبر تلفزيونات وُزعت على المدارس الابتدائية. وكانت مهمة المعلمين إدارة سير الحصة، وقد وُضع برنامج إعادة تكوين لهم بهدف تدريبهم على طريقة التعليم هذه. وقد تطلّب هذا المشروع وضع تجهيزات ضخمة ومكلفة للغاية. ففي العام الأول، كان هناك 447 صفاً مُتلفزاً، أي ما يمثل حوالي 22500 تلميذاً. وفي عام 1980، ضمّت الصفوف المُتلفزة حوالي 80% من تلاميذ المدارس في البلد. 

ومنذ بداية الثمانينات، كان برنامج التعليم المُتلفز (PETV) محطاً للانتقادات اللاذعة. وكان يُشار بالإصبع لضعف مستوى التلاميذ الذين درسوا في هذا البرنامج، وخاصة في الكتابة. وفي النهاية، قررت حكومة ساحل العاج التخلي عن هذا البرنامج (PETV) في عام 1981.
(المصدر: «برنامج التعليم المتلفز في ساحل العاج»، J.C. Pauvert، يونسكو/ المغامرة الملتبسة، P.Désalmand/ «المذياع والتلفاز في خدمة التعليم والتنمية في أفريقيا»،Chloé Maurel)



الأمل في عالم أكثر تواصلا

 (Flurina Rothenberger)

"لا أستطيع أن أفهم لماذا، في بلد فقير مثل بلدنا، خدمة الأنترنت غالية بها الشكل".

بنيامين ياو

35 درجة في الخارج و20 درجة في مكتب الأستاذ بنيامين ياو المُكيَّف بشكل مُفرط. فالفرق مدهش. استقبَلَنا المسؤول عن برنامج الدروس عن بعد في المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي – بواني (INP-HB) وهو يشير إلى علبة "الوي في" قائلاً: «اشتريته بنفسي ليستطيع طلاب الدكتوراه متابعة الدرس الإلكتروني».

ثم أوضح لنا أنه صار بمقدور طلابه متابعة بعض الدروس المُعيّنة، التي يتعذر إعطائها في ياموسوكرو، عبر الانترنت. ويُلخّص الأستاذ، الذي يشغَل أيضاً منصب مدير معهد الدكتوراه التقني، رأيه بالقول: «الموك أو الدرس الإلكتروني بالنسبة لي هبة من السماء».

إلا أن الاتصال المحدود بالانترنت يهدد بالقضاء على الجهود المبذولة من قبل فريق البروفسور بنيامين ياو لدمج الدروس المتابعة عن بعد وإدخاله ضمن آليات التعليم. وقال هذا الأخير أنه «حانق» لاكتشافه أنه لن يحصل مطلقاً على سرعة تحميل الاتصال التي يدفع للحصول عليها: «هذا أقرب للاحتيال! ولا أستطيع أن أفهم لماذا، في بلد فقير كبلدنا، الانترنت غالٍ بهذا الشكل».

ويُقَدّر الأستاذ تكلفة الاشتراك الشهري بالانترنت بأربعين فرنكاً سويسرياً، أي أقل بقليل من نصف الحد الأدنى للراتب في ساحل العاج (60000 فرنك س ف ا، أي ما يعادل 99 CHF). وأضاف مُعلقاً: «إن مشاكل الانترنت هي عقبة هائلة، تجعلنا نبقى في وضعنا المتخلف. لو كان بإمكان الشباب الوصول لهذه المعدات، لما صعدوا في الزوارق للّحاق بأوروبا وربما الموت غرقا قبل الوصول إليها».

 (swissinfo.ch)

 (Flurina Rothenberger)

«وصل بنا الأمر إلى حد توجيه نداء إلى وزير الميزانية من أجل محاولة إيجاد حل».

مصطفى ك سانغار

وقد ناشدت إدارة المعهد وزير المالية لإيجاد حل لهذه المشكلة. «أجابنا أنه سيضغط بكل ثقله على شركات الاتصال» بحسب ما أوضح مصطفى ك سانغار، المدير العام المساعد.

بانتظار تطور بهذا الشأن، يسعى المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي – بواني (INP-HB) وبدعم من المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL)، لإنشاء شبكة انترنت داخلية في المعهد تسمح للطلاب بمتابعة المحاضرات المصورة بواسطة الخادوم (السيرفر) المحلي. كما قام معهد لوزان (EPFL) بتركيب هوائي أقمار صناعية سيمنح الطلاب فرصة الاتصال بالانترنت للدخول للموك تحديداً، لاسيّما من أجل طرح الأسئلة على منتديات النقاش أو لإرسال الواجبات.

هناك المئات من المدرسين العاجيين المستعدين أيضاً للشروع بإعداد الموك. ويدعو المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) بشكل خاص مدرسين ليشاركوا في أسابيع تكوينية، تماماً كما تفعل الوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF) التي تنظم أيضاً بعض الندوات.

ويُشبِّهُ روجيه كبون، مدير المعلوماتية في المركز السويسري للأبحاث العلمية في ساحل العاج والمُدرِّب أيضاً لدى الوكالة الجامعية للفرنكوفونية (AUF)، هذه الخطوة بمن يضع المحراث أمام الثيران. «في أبيدجان (العاصمة الاقتصادية لساحل العاج)، تعلم مئات الأساتذة إنشاء الموك، لكن لم يكن هناك بالفعل ما يتبع، لأنهم لا يملكون المُعدات ولا الإمكانية للدخول إلى الانترنت ليقوموا بإعداد المحاضرات ونشرها عبر الشبكة العنكبوتية».

ويعتقد هذا الأخصائي بإمكانيات الموك شرط أن يستطيع جميع الطلاب الوصول إليها. وينهي كلامه بالقول: «لا تصلح المعرفة إلا إذا كانت في متناول الجميع».

أبيدجان، جامعة تعج بالطلاب

هنا، أصبح السكون الذي كان يلفّ المعهد الوطني للعلوم التطبيقية فيليكس هوفيي – بواني (INP-HB) في ياموسوكرو حلماً بعيد المنال على ما يبدو. فمنذ وصولنا إلى جامعة كوكودي في أبيدجان، لاحظنا التواجد الكبير لرجال الأمن «التصوير ممنوع!» وقد أحاط بنا العديد منهم لأنهم لم يتقبلوا فكرة وجود مُصوِّر بيننا.

وعدم الثقة هذا لا يأتي من فراغ. فقبل وصولنا بعدة أيام، اندلعت اشتباكات بين الطلاب وقوات الأمن في الحرم الجامعي. ويعود السبب للإستخدام المُفرط في القوة لرجال الأمن في أبريل 2016 والذي تفاقم فيما بعد. حتى أن بعض الشابات قد تعرضن للإعتداء الجنسي.

مناخ متوتر يعطي صورة عن الوضع. وطلاب الجامعة، الذين يبلغ عددهم 60000 في ضيق، فعدد الطلاب كبير، في حين أن عدد القاعات وعدد المدرسين غير كاف. ويُذكّر ماموتو توريي، الأستاذ في معهد الجغرافيا، بأن «الجامعة كانت قد وضعت الدروس الإلكترونية كأولوية لحل مشاكل الكثافة في التعليم العالي».

بالرغم من ذلك، لازالت الجامعة غير مجهزة باستوديو للتسجيل. ومن المُقرر أن يرى النور في مارس 2017. وفي الوقت الذي يشعر فيه بعض الأساتذة أنهم جاهزون لخوض مغامرة الموك، يجهل البعض الآخر حتى الآن معنى هذا المصطلح (الذي هو عبارة عن مجموع الأحرف الأولى للكلمات التي تعني الدروس الإلكترونية التي يمكن متابعتها عن بعد من خلال الشبكة العنكبوتية).

En Quête d'Ailleurs

هذا الريبورتاج أنجز في إطار برنامج "EQDA" "السعي للتعرّف على الآخر"، والهادف إلى إرساء شراكة بين صحفيين من سويسرا ومن خارجها بغرض قيام كل واحد منهم بتحقيق ميداني في بلد الآخر.

 (swissinfo.ch)

النصوص


  كاتي رومي بالتعاون مع أومّو دوسّو

انتاج

فليب شارير وإيستر أونترفينغر