Skip to main content
بالكلمة والصورة والفيديو.. رحلة مثيرة فوق أطول نفق في العالم
تحميل
تقرير من إعداد

أسطورة الغوتهارد

بالكلمة والصورة والفيديو.. رحلة مثيرة فوق أطول نفق في العالم

دانييلي مارياني / كارلو بيزاني


ما هو الجبل الأكثر شهرة في سويسرا؟ سيجيب مُعظم الناس بأنه جبل ماترهورن. وما هو الجبل الذي يجسد صورة سويسرا أفضل تجسيد؟ قد لا تسعف الإجابة القراء الأجانب، إلا أن أغلب السويسريين قد يجيب وبلا تردّد أنه جبل غوتهارد، فهو قلب جبال الألب، ومهد الكنفدرالية، ورمز إرادة الاستقلال والوحدة في البلاد، وملهم الأمة القوة والإبداع والشجاعة.... لا يوجد مكان غيره استحوذ، ولا يزال يستحوذ، على نفس القيمة الرمزية لتلك الصخرة الضخمة، التي هي، في الحقيقة، كتلة وليست جبلا، ولا وجود في الواقع لجبل بذات الإسم.

عمّا قريب، سيُصبح ممكنا فيما يشبه لمحة بصر، عبور النفق الأطول والأكثر عمقا في العالم، فمع بداية شهر يونيو 2016، سيُدشن نفق الغوتهارد الحديدي الأساسي الذي يبلغ طوله 57 كيلومترا. وسيقطع القطار هذه المسافة في ظرف عشرين دقيقة، أي أنه سيستمر في السير عشرين دقيقة في قاع كتلة صخرية يبلغ ارتفاعها 2300 متر. والأعظم من ذلك أنه سيبقى عشرين دقيقة تحت الجبل الذي طالما اعتُبر أسطورة تاريخية لا تنفك عن الهوية السويسرية. ولكن من سيدرك ذلك وهو يعبر بسرعة عالية قلب جبال الألب؟

 (swissinfo.ch)


لذلك، عقدنا العزم على اقتفاء آثار هذا التاريخ وتتبع معالمه سيرا على الأقدام، على طول طريق غوتهارد القديمة، بدءا من منطقة إيرستفيلد في كانتون أوري، حيث المدخل الشمالي للنفق الجديد، وعبر خمس مراحل تصل بنا إلى منطقة بولليجيو في كانتون تيتشينو، حيث ينتهي النفق.


من إيرستفيلد إلى فاسّن


نحن في نهاية شهر يونيو، وقد توقعت الأرصاد الجوية أسبوعا مشمسا، لذلك لن نضع في حقائبنا ملابس تقينا من المطر، وكل ما نحتاجه هو جهاز كمبيوتر محمول وميكروفون ولوازم تصوير الرحلة.

لا يكاد ينفصل تاريخ قرية إيرستفيلد عن سكة غوتهارد. فمع افتتاح هذا الخط الحديدي في عام 1882، لم تكن سوى قرية ريفية صغيرة، ثم تحولت إلى محطة سكة حديد هامّة. وليس من قبيل الصدفة أن نجد فيها أحد المستودعات الثلاثة التاريخية للسكك الحديدية الفدرالية. وفي جولة عبر القاطرات والمقطورات، ومن بينها "التمساح" الأسطوري، التي صنعت تاريخ السكك الحديدية في سويسرا، يرافقنا كارل فالديس، وهو مدرس متقاعد ومُرشد سياحي "مولع بالسكك الحديدية".

قبل الحديث عن السكك الحديدية، يتطلّب أن نُرجع عقارب ساعة التاريخ إلى الوراء، حيث مَثّل ممرّ غوتهارد، ولعدة قرون، أحد نقاط عبور جبال الألب، وليس هو بالتأكيد أهمها، كما يقول رالف أشفاندن، المؤرخ والصحفي في الجريدة الأسبوعية المحلية "أورنر فوخنبلات"، لأن تنقل الأشخاص والبضائع كان أكبر من ممر "سان برناردو" على سبيل المثال.

مع ذلك، تمتع غوتهارد دوما بامتياز على غيره من المعابر: "إنه أقصر طريق تربط بين شمال البلد وجنوبه، إذ تبلغ المسافة بين البحيرة الكبرى وبحيرة الكانتونات الأربع 140 كيلومترا فقط، وهذا أمرٌ مهمّ لأن معظم حركة البضائع في العصور الوسطى كانت تتم بواسطة النقل المائي"، مثلما يوضح أشفاندن. 

والأمر السلبي؟ "كونها طريق كانت دائما صعبة العبور"، وهي كثيرة الوديان، على غرار طريق "شولّينن". ولقد بقي عبورها مستحيلا إلى بداية القرن الثالث عشر، وبالرغم من ذلك، فقد كانت بالنسبة للسكان المحليين مصدر رزق رئيسي، مثلما يضيف أشفاندن. من جانبه، ذكّر كارل فالديس أن "نحو ثلثي سكان كانتون أوري كانوا معتمدين على العمل في مجال النقل بواسطة الحيوانات".

وفي سيلينن، على بعد أربعة كيلومترات من إيرستفالد، توقفنا قليلا أمام المبنى حيث كان يوجد أول مستودع لناقلي البضائع وللمسافرين من "فلويلن"، الواقعة على ضفاف بحيرة لوتسيرن. ويقول فالديس: "كانت تجمعات ناقلي البضائع هي التي تتولّى تنظيم الشحن إلى بيلينزونا، وكل تجمع يشرف على مسافة معيّنة". وبحسب وثيقة يعود تاريخها إلى النصف الأول من عام 700م، كان يصل عدد الدواب التي تُستخدم في النقل إلى 300 دابة يوميا. 

وليس من المستغرب أن تكون إدارة المعبر، الذي يُعدّ مصدرا رئيسيا للدّخل، هي الأساس في إبرام التحالفات بين الكانتونات السويسرية في ذلك العهد المُبكِّر ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وهي التّحالفات التي كانت فيما بعد بمثابة البُذور الأولى لنشأة الكنفدرالية السويسرية. ومن الطبيعي، أن تكون هذه المنطقة وأبطالها التاريخيون، وبالذات في القرن التاسع عشر، من أمثال ويليام تيل وأرنولد فينكيلريد، أساس الأساطير المؤسسة للكنفدرالية. 

نتابع تقدّمنا على المسار الذي كان يسلكه البغّالون، وبمجرد وصولنا إلى أعالي آمستيغ، فوق تلة فويلي، إذا نحن بمعلم أثري آخر: إنها أطلال "سفينغ – أوري"، عبارة عن قلعة مدمّرة شُيّدت في النصف الأول من القرن الثالث عشر. وتقول الأساطير، غير المؤكّدة تاريخيا، إن تدميرها حصل خلال الثورة الشعبية ضد أباطرة هابسبورغ. غير أن للتلّة أهمية تاريخية أخرى، فقد تم خلال الحفريات اكتشاف قطع أثرية تعود إلى العصر البرونزي الأوسط (حوالي 1500 ق.م)، وهو ما يشير إلى أن المستوطنات البشرية قد وُجدت منذ العصور القديمة.

وعند محاذاتنا للسكة الحديدية، بدأ الوادي يضيق شيئا فشيئا وبدأت الطريق في الصعود، وإذا نحن أمام مشهد طبيعي خلاب يحبس الأنفاس لولا أن الطريق السيّار يعكّر، ولو لبعض الشيء، شاعرية النسمات المنبعثة من نهر رويس.

وفي غورتنيلن ، تُذكّرنا صورةٌ لفيضانات عام 1987 بالضراوة العاتية لقوة الطبيعة في هذه المنطقة. لقد سبق لنا أن مررنا هنا عشرات المرات، ولكنها المرة الأولى التي نجتاز فيها هذا المحور مشيا على الأقدام، وهي المرة الأولى التي ندرك فيها بأن سكة القطار والطريق السيّار ليستا مجرد جسور وأنفاق، فحيثما وجّهنا نظرنا نشاهد حواجز وجدرانا للحماية ضد الإنهيارات وسياجا من الأسلاك المشبّكة تحجز الصخور المتدحرجة، وشبكات إنذار...

في الطريق إلى الغوتهارد


رغم أنه كان معروفا منذ الحقب القديمة، إلا أن معبر الغوتهارد لم يبدأ في اكتساب قدر من الأهمية إلا منذ بداية القرن الثالث عشر. ومنذ ذلك الحين، تطورت الأمور إلى أن أصبح اليوم أحد المحاور الأكثر استخداما للمبادلات بشتى أصنافها بين شمال جبال الألب وجنوبها. (الصور: كارلو بيزاني، swissinfo.ch)

الجسر العابر للطريق السريعة في بياسكينا (Biaschina).
الطريق القديمة في "مضائق بيوتّينو" (Le gole del Piottino)
قرب بلدة "فاسّن" (Wassen) بكانتون أوري.
في الطريق المنحدر شمال الطريق السريعة "A2".
طريق "تريمولا" (Tremola) القديم.
بضع مئات الأمتار لا زالت تفصلنا عن مدخل النفق الموجود على الطريق السريعة الذي يبلغ طوله حوالي 17 كيلومترا. 
على قمة معبر الغوتهارد (أو سان غوتاردو بالإيطالية).
مضائق "شولّينين" Schöllenen
تم تشييد أول طريق مُعبّد ما بين عامي 1827 و1830. في المقابل، تم الإنتهاء من إعداد طريق "تريمولا" Tremola في عام 1951. 
توجد تكيّة (أو مأوى) الغوتهارد في أعلى قمة المعبر، وقد تمت الإشارة إليها أول مرة منذ عام 1237. 
الطريق القديم الذي كانت تستخدمه البغال.
قبل فترة من تعميم استخدام الكهرباء، كان هناك كابل كهربائي يتبع مسار خط السكة الحديدية من أجل تأمين الربط التلغرافي والهاتفي. ومن أجل حمايته، أقيمت مقصورة في كل 800 متر. 
البوابة الجنوبية للنفق الأساسي الجديد. 
على أديم سهل "أنديرمات" Andermatt.

كان تشييد سكة حديدية في هذا المكان مهمة جسيمة قبل حوالي 150 عاما. "استفسر كبير المهندسين كونراد فيلهلم هيلفاغ وطاقم راسمي الخرائط والجيولوجيون من السكان المحليين عن منحدر السيول والمياه عند هطول أمطار غزيرة، حتى يتسنّى لهم رسم وتحديد وإعداد تدابير الحماية"، مثلما يشرح فالديس، مُضيفا بأنهم لم يتركوا شيئا من دون حساب ولا تقدير، بدليل أن السكة الحديدية لم تتزحزح عن موضعها سنتيمترا واحدا حتى بعد مرور هذه السنوات الطويلة.

ومع وصولنا إلى فاسن، بعد أكثر من ثلاث ساعات من المشي، كان أول شيء نفعله أن نتحسّس بأيدينا الكنيسة البيضاء الرابضة على ربى تلة في وسط الوادي. فلا شك أن أكثر من مسافر تساءل إن لم تكن تلك الكنيسة مُجرّد سراب، وربّما نطق دون شعور بكلمات غير لائقة من شدة استغرابه من المشاهد المحيطة به. ومما تُعرَف به فاسن كونها إحدى الروائع الهندسة للسكك الحديدية، فهي تشتمل على ثلاثة أنفاق لولبية تتيح بلوغ حوالي 100 متر من خلال كيلومترات معدودة، حتى ليبدو للمسافر في القطار وكأنه لم ينتقل من مكانه، فالكنيسة ولبضع دقائق دائما في مرآه: يمينا، يسارا، إلى أسفل، إلى أعلى ...

من فاسّن إلى أندرمات



انطلقنا في الصباح الباكر من هذا الثلاثاء الأخير من شهر يونيو. الحرارة بلغت درجات استوائية تقريبا. وفاسن أصبحت خلفنا. لا يكاد المرء يُصدق بأن عدد سكان هذه القرية كان يُناهز 3 آلاف نسمة قبل عامين فقط من افتتاح خط السكك الحديدية، معظمهم من العاملين في ورش الإنشاءات. أما اليوم، فعددهم يتجاوز بالكاد 400 شخص.

الطريق صاعدة في الواجهة الغربية من الوادي، وقد مررنا من أمام المنزل الذي كان خاصا بمراقب خط السكة الحديدية، وهو معزول عن محيطه بالكامل، حيث كان من المعهود، في العقود الأولى لنشأة خطوط السكك الحديدية، أن يكون هناك من يقوم بفحص القضبان الحديدية والبنية التحتية يوميا. وفي معظم الأحيان، كان هذا الموظف يقيم هو وعائلته في مثل تلك البيوت، وكنت تجد كل ثلاثة كيلومترات بيتا منها، واليوم، مع تطور الفولاذ المستخدم، والتقدم في أجهزة القياس لم يعد ثمّة داع للقيام بالفحص الموضعي، وبالتالي، أصبحت معظم تلك البيوت فارغة.

ها قد وصلنا "غوشنن"، ولكن بعد أن أخطأنا الطريق وفعلنا ما لا يجب فعله، حيث مشينا على طول قضبان الحديد لتجنب معاودة الصعود مرة أخرى. وأمام مدخل نفق السكة الحديدية "القديم" خطر ببالنا آلاف العمال الذين قدم معظمهم من شمال إيطاليا والذين ساهموا في هذا الإنجاز، وتذكرنا عندئذ كلمات كارل فالديس:

رسميا، لقي 177 عاملا حتفهم في أعمال الحفر، ولن الحصيلة الحقيقية قد تكون أكثر بكثير وقد تناهز 500 ضحية، وفقا للأرقام التي جمّعها. فعلى سبيل المثال، لا تأخذ الأرقام الرسمية بعين الإعتبار العمال المصابين الذين توفوا بعد عودتهم إلى بلادهم.

الأكيد أن ظروف العمل كانت صعبة داخل النفق، لكنها لم تكن أهون خارجه، فقد كان العمال مكدّسين على الأسطح وفي مقصورات غير صحية، من دون ماء ولا مراحيض، وكان الحافز الوحيد هو الراتب، الذي كان أعلى بقليل من مرتبات المستويات المهنية الشبيهة. العامل في مجال التعدين كان يتقاضى مرتبا شهريا لا يكاد يزيد عن 100 فرنك، يُخصم منها، عدا عن المصاريف المعتادة، قيمة استئجار مصباح زيتي (5 فرنكات) والإيجار (ما بين 15و20 فرنكا للسرير).

من المفترض لنا أن نصعد من غوشنن بالقطار إلى أندرمات، غير أن الطريق مُغلق بسبب انهيار للتربة، ويكاد الوادي يضيق حتى يُسَد. وبعد أن وصلنا إلى أندرمات وصعدنا بارتفاع 300 متر إلى "فال دورسيرا"، عدنا أدراجنا لكي يتسنّى لنا التمتع بمشاهدة المضيق عن قرب، وها نحن في "شولينن" حيث المضيق الخانق الذي يمثّل الجزء الجوهري من طريق معبر غوتهارد، والذي بقي لقرون غير سالك، وحتى نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر، ومع بناء أول جسر للمشاة معلق فوق الخانق، ومن بعده "جسر الشيطان"، صار بالإمكان اجتياز تلك العقبة الطبيعية.

ومن هنا، بدأ فعلا تاريخ معبر غوتهارد، بمساعدة من الشيطان الذي - كما تقول الأساطير – رضي بأن يحصل في المقابل على روح أول المارّة... كانت عنزة سيئة الحظ، أجبرها قدماء الأورانيين (أهالي أوري) على ولوج الجسر. 

وعلى الضفة اليمنى من المضيق، يوجد نصب تذكاري كبير يحتوي على نقوش بالسيريلية، يذكّرنا أيضا بأن معركة دامية حصلت هنا في عام 1799، بين جيش الجنرال الروسي سوفوروف وقوات نابليون، حيث اجتاز سوفوروف ومعه جنوده، وتعدادهم 21 ألفا، المعابر الثلاثة، غوتهارد ولوكومانيو وأوبرألب، وهي الخطوة التي شبّهها البعض بتلك التي قام بها هانيبال، واعتُبرت واحدة من البطولات التاريخية الأسطورية للجيش الروسي.

ورغم أن هذه هي الواقعة الحربية البارزة الوحيدة التي شهدتها المنطقة، إلا أن تاريخ غوتهارد حافل بالأعمال العسكرية. ويكفي مُجرد إلقاء نظرة فاحصة على الجدران الصخرية لنرى كيف تمّ حفر فتحات كثيرة في المكان، بما يشبه الجبنة السويسرية ذات الثقوب، تخرج منها فوهات مدافع موجهة إلى كلّ ناحية. والظاهر أننا بدأنا نستبق الأحداث، إذ أنه من المُبكر الحديث عن هذا الجانب من الماضي القريب، وسيكون بإمكاننا تناوله عندما نصل إلى قمة المعبر. أما الآن، فإن الجرافات والرافعات التي تحتل منطقة أندرمات تعيدنا إلى الحاضر القريب.

من أندرمات إلى معبر غوتهارد


كانت أندرمات منتجعا للتزحلق آخذ في التراجع، لكن فجأة سطع نجمه مع مجيء رجل الأعمال المصري سامي ساويرس، الذي استثمر مئات الملايين من الفرنكات في إقامة مجمع سياحي جديد في السهل المؤدي إلى "هوسبنتال" كان يستخدمه الجيش فيما مضى للتدريب، وقد ظهرت لافتة تدعو المتجولين إلى الحذر من "كرات الغولف المتطايرة".

الكتابة المنقوشة على واجهة كنيسة هوسبنتال، تكريما لسان شارل بوروميو (Saint Charles Borromée)، تلخص تماما تاريخ مفترق طرق الناس قديما: "هنا تتشعّب المسارات، أيها الصديق، أين تقودك خطواتك؟ هل تنزل نحو روما الأبدية؟ أم نحو الراين الألمانية وكولونيا المقدسة؟ أم نحو الغرب إلى أرض فرنسا؟". أما نحن، فنازلون نحو روما الأبدية، أو بالأحرى، وأولا وقبل كل شيء، لنصعد حوالي عشرة كيلومترات أخرى لنصل إلى قمة المعبر، عبر درب ممتدّ على طول طريق الحناطير القديم، الذي أنشئ حوالي عام 1830، ومسار البغال القديم. 

"حتى افتتاح خط سكة الحديد في عام 1882، كانت طريق المعبر تُستخدم طوال السنة، وكان يُستعان بالثيران لرصّ الثلوج، وتُستَبدَل العربات بالزلاجات"، مثلما أوضح كارلو بيتربوستن، مدير متحف سان غوتهارد الوطني الذي انضم إلينا خلال سيرنا، وأضاف بأن الحناطير كانت تستغرق يومين في الطريق من بازل إلى ميلانو، في حين كانت البغال تأخذ ما يقارب عشرة أيام من فويلن إلى ميلانو.

وتُذكرنا فُوهة ضخمة للتهوية بوجود نفق على الطريق السيّار إلى الأسفل منّا بقرابة 100 متر. ويقول بيتربوستن: "هذه طريق للسيارات وتلك سكة حديد للقطارات، ليس هذا فقط، بل فوق رؤوسنا يوجد ممر جوّي للطيران الدولي وممر للطيور المهاجرة".

وبعد أن مررنا أمام حصن سان كارلو، الذي كان قلعة تحوّلت إلى فندق، أخيرا شاهدنا لافتة كتب عليها "ممر غوتهارد 2106 متر". ها نحن وصلنا إلى قمة المعبر أو المضيق الذي يخلد ذكرى الأسقف البندكتيني لـ"هيلدسهايم" الذي نُصّب قديسا في عام 1131. 

هنا نقطة التقاء جغرافية واجتماعية ثقافية، ألحظ بيتربوستن، فضلا عن كونها ملتقى مائيا لأربعة أنهار رئيسية تنبع كلها من هنا، وهي: الراين والرون ورويس وتيتشينو.

ونظرا لموقعه الجغرافي المركزي، اعتُبرت صخرة غوتهارد لفترة طويلة أعلى قمة في جبال الألب، إلى أن تم اكتشاف الخطأ وتصحيحه في عام 1716 . 

بدأت الشمس في الغروب، وبدأت السيارات والدراجات تختفي عن الحركة، وخيّم الصمت، وبرد الجو، لكن ليس كثيرا: "في مثل هذه الليالي أستعيد أنفاسي"، قال لنا أورس أوتيلّي، مدير فندق ونزل غوتهارد، مُلفتا أن سحر هذا المكان نابع من كونه نقطة لقاء يومي بين "الناس من جميع أنحاء أوروبا."

ندخل داخل النزل المتواضع، إنه مكان رائع (أثبتت الوثائق وجوده منذ عام 1237) تمّ تجديده مؤخرا، ومُنح كل باب فيه اسم شخصية من المشاهير الذين جاءوا إلى هذا المكان: غوته، وبلزاك، وفيكتور هوغو، وروسيني، وبترارك...، وهلم جرا. ويحمل باب الغرفة التي نحن فيها اسم ميخائيل باكونين، فكأننا ننام هنا في أحضان التاريخ. 


من معبر غوتهارد إلى أيرولو


بدأت أشعة الشمس تضيء البحيرات، فيما تعكس الجبال شعورا بالأنس والهدوء، إنه سلام خادع، فما أسرع أن تتحول السماء إلى كابوس مرعب، فنحن لا نزال في جبال الألب، وهناك آلاف المسافرين ممّن اجتاحتهم هذه التجربة المأساوية، فعندما زار سان شارل بورومي (1538-1584) غوتهارد، أصيب على ما يبدو بالصدمة لكثرة الهياكل العظمية لعابري السبيل حيث أمر بدفنهم مؤقتا فيما يعرف اليوم بكنيسة الموتى، وهي كنيسة بُنيت فوق شق صخرة، كما يحكي كارلو بيتربوستن.

غير أننا سندخل في شق من نوع آخر، إنه من صنع الإنسان. فعلى مسافة بضع مئات من الأمتار من نزل السلام، وجدنا أنفسنا أمام باب ضخم ومدرّع، وسيكون داميان زينغ، مدير المؤسسة العسكرية "ساسّو سان غوتاردو"، هو مرشدنا في جولتنا داخل حصن "ساسّو دا بينيا" الذي شُيّد بين عامي 1941 و1943 وبقي محاطا بالتكتم والسرية العسكرية حتى عام 2001، إلا أنها على ما يبدو سرية نسبية، فعلى بضع عشرات الأمتار من المدخل تمر آلاف السيارات وبإمكان أي عين فضولية أن ترى المدافع المطلّة من فوهات في الجدار وعلى طول نحو مائة متر إلى الأعلى. 

أصبحت استراتيجية الحصن الوطني - المُتمثلة في سياسة الدفاع والتحصين الوطني التي اعتمدتها هيئة الأركان العامة السويسرية بعد اندلاع الحرب الثانية، وركّزت على تحصين منطقة جبال الألب، وخاصة غوتهارد - رمزا لعزيمة الدفاع عن الكنفدرالية، وعن استقلال الشعب السويسري.

وبفضل هذه الاستراتيجية، وصخرة غوتهارد بالذات، أمكن لسويسرا تجنب الغزو، وهو ما اعتبره القاموس التاريخي لسويسرا "أسطورة مُؤسِّسة حديثة"، لكن هذه الأسطورة صارت موضع تشكيك فيما بعد، لاسيما في التسعينات، عندما بدأ عدد من المؤرخين يركزون على الروابط الاقتصادية والمالية والسياسية لسويسرا مع القوى المتحاربة، لينزلوا إلى الدرجة الثانية دور الحصن الوطني.

واللافت أن استراتيجية تحصين جبال الألب لم تنته باستسلام ألمانيا النازية، وإنما استمرت طوال مدّة الحرب الباردة، ثم بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، تمّ تقليص الجيش والتخلي عن العديد من تلك المخازن والخنادق العسكرية، وتحوّل بعضها إلى متاحف.

بعد كيلومترات داخل الأنفاق ذات البرودة الصحية المنشطة، وحيث تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون سبع درجات تحت الصفر، ها نحن في أجواء إلى حدّ ما صيفية. 

لقد وصلنا إلى تريمولا، ومما لا شك فيه أنها أفضل طريق ترمز إلى سان غوتهارد، وهي بحق تحفة فنية من مآثر العصر الحديث، وما زالت إلى اليوم تبدو وكأنها أنجِزت لتوّها في حين أنها شُيدت عام 1951، وفي مسافة كيلومتر واحد بالقياس الجوي، يتيح وجود 24 منعطفا التغلب على فارق ارتفاع يبلغ 340 مترا. العديد من راكبي الدراجات وعاشقي المغامرات، يتجشمون صعود الطريق من ناحيتها المعبدة بالجرانيت، في حين قد يحلو لبعض سائقي السيارات التقليدية القديمة أن يستعيد انتعاشة الماضي حين لم يكن يمتلك السيارة إلا الملوك، وكان السفر فيها ضربا من المغامرة الممتعة. 

ومع نهاية المنعطفات الضّيقة، اتسع الوادي وانفسح، وبوضوح تام أمكننا رؤية أيرولو وجزءا من ليفينتينا على مسافة خمس مئة متر إلى الأسفل، وعند ثكنة "موتّو بارتولا"، ينتظرنا إدوارد راينهارت، أحد مرشدي جمعية "أصدقاء معسكر أيرولو"، ليصحبنا إلى ما اعتقدناها للوهلة الأولى مزرعة عادية، مزرعة ببوابة مُدرعة؟



استكشاف حصن "فروبا" الكبير

يسمح المبنى المُحصّن الذي يقع على ارتفاع 1540 متر لمن يُسيطر عليه بأن يضع "سهل فورماتزا" Val Formazza (بإيطاليا المجاورة) في مرمى نيرانه. تم الإنتهاء من تشييد التحصينات في عام 1942 ثم جرى توسيعه في السنوات الموالية حيث كان يتسع لحوالي 50 رجلا. (الصور: كارلو بيزاني، swissinfo.ch)


حقا، لقد كانت زيارة مذهلة أتاحت لنا مرة أخرى إدراك مدى قدرة الإنسان على الإبداع عندما يتعلق الأمر بالحرب. ولكننا سعداء الآن بخروجنا إلى الهواء الطلق. أما ديكور وترتيب حصن "فوبّا" الكبير فهو يجعلنا نستحضر أجواء أفلام جيمس بوند القديمة التي كانت تُطعّم بلمسات الرعب، لذلك لم نشعر فيها بالأمان، ولو أن شبحا لأحد الجنود خرج لما استغربنا كثيرا.


لم ننته بعد من زيارة الحصون والثكنات والقلاع العسكرية، ولا يزال موقع سنكتشفه الآن، هو الأقدم والأجمل، إنها ثكنة أيرولو أو "فورتو أيرولو"، المحاطة بخندق، وتذكرنا إلى حدّ ما بقلاع القرون الوسطى: "لقد كانت من أوائل الثكنات المغطاة بالكامل في أوروبا"، كما ذكّر إدوارد راينهارت، وسطحها من الجرانيت الذي قد يصل سمكه في بعض الأجزاء إلى ثمانية أمتار، وهو شبيه بدرع السلحفاة.

بُني الحصن بين عامي 1886 و1889، و"كان الغرض من إقامته حماية نفق غوتهارد للسكك الحديدية، الذي رُبما جاز لإيطاليا المطالبة بحقوق فيه بما أنها ساهمت في تمويله"، وفق قول راينهارت.

وعلى الرغم من مرور أكثر من مائة عام، إلا أن الجيش لا يزال يستخدم هذه الثكنة كمُعسكر كبير، بينما تم تحويل جزء منها إلى متحف. وفضلا عن أنها تجعل جزءا من منطقة ليفينتينا العليا تحت سيطرتها [إذ أن مدافعها يمكن أن تستهدف أي عدو محتمل]، فإن لها خاصية أخرى وهي وجود نفق يصلها مباشرة بمدخل نفق سكة الحديد: "وأصل الفكرة هو إمكانية تفجير النفق إذا اقتضت الضرورة، بحيث لو تمكّن الجيش الإيطالي من السيطرة على المنطقة، فلن يكون لانتصاره أي أهمية استراتيجية".

وبالفعل، نفذنا إلى داخل هذا النفق الضيق، وطوله كيلومتر واحد وعرضه مترين وكذلك ارتفاعه، لكن يبدو لنا وكأنه بلا نهاية، ولحسن الحظ، الإضاءة جيدة وتعمل بشكل ممتاز، ومن حين إلى حين، يلفحنا تيار هواء وذلك: "كلما مرّ قطار"، كما يشرح لنا مرشدنا. 

نصل إلى أيرولو. وبعد يوم طويل داخل الكهوف، لا نجد أفضل من الجلوس على طاولة في مطعم، والتلذذ ببعض أطايب الجنوب.

من أيرولو إلى بُلّيجيو


حركة المرور تتدفّق بسلاسة على الطريق السيّار، وهو أمر يكاد يكون نادر الحدوث في هذا المحور ما بين الشمال والجنوب، حيث تعبره كل يوم حوالي 15 ألف سيارة و2300 شاحنة في المتوسط. لن نتحدث عن اختناق دائم، ولكنه يكاد يكون، لدرجة أن غوتهارد أصبح رمزا لأنصار البيئة في كفاحهم ضد حركة المرور في مناطق جبال الألب.

اليوم، آخر محطة في رحلتنا، وللإنتقال من أيرولو إلى بُلّيجيو اخترنا، كما هو متوقع، ركوب الدراجات بدلا من السّير على الأقدام. 

وبعد عبور منطقة مُنبسطة، وصلنا إلى "داتسيو غراندي دي رودي"، وهو أحد المباني الرمزية في طريق سان غوتهارد. وتتمتع هذه المنشأة المهيبة بموقع في غاية الإستراتيجية على بعد بضعة مئات الأمتار من مضيق بيوتّينو، ذلك الممر الذي لا غنى عنه لكل مّن أراد العبور من هذا المكان.

وكما استنتجنا سابقا في وديان منطقة شولينن، لم يكن "الأورانيون" – الذين سيطروا على ليفينتينا حتى عام 1798 – يستسلمون أمام العوائق الطبيعية، فما دام بإمكانهم أن يبنوا طريقا على مضيق ليفينتينا لماذا سيتحولوا عنه إلى ما هو أطول بكثير؟ وفعلا هذا ما كان، ففي عام 1561 كانت الطريق جاهزة، وكان من الضروري أيضا السعي من أجل الإستفادة منه.

أما الطريق الممتدّة على طول الدّرب القديم المارّ عبر الوديان فهي مذهلة، لكن تصعب رؤيتها على من كان في القطار أو السيارة. وفي جزء منها، جرف انهيار أرضي كامل الطريق تقريبا. فعندما تنفلت الطبيعة وتتدفق المياه على طول تلك المنحدرات الحادة، لا شك أن المشهد يكون مُبهرا وربما مُفزعا أيضا.

تخطينا فاييدو، القرية التي تحولت ما بين نهاية القرن التاسع عشر والحرب العالمية الأولى إلى منتجع للإصطياف ازداد عليه الإقبال، على نفس مستوى سانت موريتس في كانتون غراوبوندن، مثلما ذكرتنا ديانا تينكوني، أمينة متحف ليفينتينا الرائع الذي تم تجديده مؤخرا، وقد التقيناها بعد الظهر في جورنيكو.

نتجه إلى الأسفل عبر وديان بياسكينا، التي يعلوها جسر الطريق السيّار العملاق، بينما تتزايد درجة الحرارة وبسرعة. ومرة أخرى عدنا إلى السهل، واقتربنا من هدفنا. وسنتوقف في محطتنا الأخيرة بجورنيكو، الجوهرة البديعة من مآثر العصور الوسطى، بكنائسها السبعة وجسريها الرومانيين.

أزفت رحلتنا على الإنتهاء، بعض الضغط مرّات معدودة على الدّواسة، سنكون قد خلّفنا بوديو وأتينا على آلة حفر عملاقة جاثية على جانب الطريق، كان لها الفضل في شق النفق الجديد، والآن قد استُغني عن خدماتها وتحوّلت إلى نصب تذكاري عصري.

على بضع عشرات الأمتار، يوجد المخرج الجنوبي للنفق، وفي غضون أشهر قليلة ستبدأ منه إطلالة القطارات، وسنخترق في ومضة عين الجبل التاريخي الأسطورة، ولربما في عصر السرعة، ومع الوقت، تتلاشى أسطورة جبل غوتهارد أو لعلّه يُضاف إليها جزء آخر. 

الكاتب

دانييلي مارياني

الفيديو والصور

كارلو بيزاني

الإنتاج

لوكا شوبْباخ 

كريستوف بالسيغر

كاي رويسر

@swissinfo.ch