Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

ذكريات الماضي واحتمالات المستقبل


كوبا والولايات المتحدة: هل حان الوقت لإنزال العلم السويسري.. وفتح المصارف؟


بقلم مارتشيلا أغيلا - روبين


صورة التقطت يوم 1 أكتوبر 1965 وتجمع بين رئيس الوزراء الكوبي آنذاك فيدال كاسترو (على اليمين) والسفير السويسري في كوبا ايميل شتادلهوفر لدى التفاوض على مسألة حرية مغادرة الكوبيين الراغبين في الذهاب إلى الولايات المتحدة في وقت متأخر من الليل في محل لبيع البيتزا في هافانا.  (LIFE Images Collection/Getty Images)

صورة التقطت يوم 1 أكتوبر 1965 وتجمع بين رئيس الوزراء الكوبي آنذاك فيدال كاسترو (على اليمين) والسفير السويسري في كوبا ايميل شتادلهوفر لدى التفاوض على مسألة حرية مغادرة الكوبيين الراغبين في الذهاب إلى الولايات المتحدة في وقت متأخر من الليل في محل لبيع البيتزا في هافانا. 

(LIFE Images Collection/Getty Images)

مع إعادة فتح سفارات واشنطن وهافانا في البلدين، يقترب فصل آخر من فصول الحرب الباردة، ونصف قرن من الوساطة الدبلوماسية السويسرية من نهايتهما. فما هي طبيعة دور الوساطة الذي لعبته سويسرا بين وجهتيْ نظر متباينتيْن شغلتا العالم؟ وما هو الشكل الجديد الذي سيتخذه هذا الدور ضمن المرحلة الحالية من الثورة الكوبية؟

أوضحت وزارة الخارجية السويسرية في حديث إلى swissinfo.ch أنه "نظرا لوضعها التاريخي ولتجربتها، توجد سويسرا في وضع مثالي لمواكبة ومرافقة المرحلة الانتقالية الحالية في كوبا".

في وقت مبكّر من عام 1961، وبسبب وضعها كدولة محايدة، تلقت سويسرا طلبا من الولايات المتحدة لتمثيل مصالحها تجاه الحكومة الكوبية.

وفي عام 1959، في غضون 72 ساعة، اعترفت واشنطن بالحكومة التي انبثقت عن الثورة الكوبية. لكن شهر العسل لم يدم طويلا. بعد ذلك بعاميْن، حزم الدبلوماسيون الأمريكيون حقائبهم ثم عادوا إلى بلادهم.

"كانت خيبة أمل كبيرة"، وفقا لما صرّح به مؤخرا آيني سميث، السكرتير الثالث في الوفد، ورئيس لاحق لقسم المصالح الامريكية إلى وكالة الانباء الفرنسية (AFP).

تولّت سويسرا إذن مهمّة شائكة، خصوصا خلال ازمة الصواريخ الكوبية في عام 1962، لحظة حاسمة في تاريخ الحرب الباردة التي أعقبت محاولة غزو خليج الخنازير، حين نصب الإتحاد السوفياتي قاذفات صواريخ قادرة على ضرب واشنطن. واعترفت مصادر دبلوماسية سويسرية أنه كان هناك "تهديد بنشوب حرب عالمية ثالثة، لكن نووية هذه المرة".

نفس المصدر، الذي أعلن مؤخرا عن نشر ملف خاص بشأن التمثيل السويسري للمصالح الأمريكية لدى كوبا، ذكر أنه على الرغم من أن الازمة بين موسكو وواشنطن تم تسويتها في نهاية المطاف، إلا أن "الدبلوماسية السويسرية لعبت دورا أساسيا". فقد طُلِب من السفير إيميل شتادلهوفر الوساطة مع فيدال كاسترو، وقام الدبلوماسي السويسري في وقت لاحق بتنظيم إجراءات نقل جثمان الطيار الأمريكي رودولف أندرسن، الذي أسقطت طائرته فوق الأراضي الكوبية. 

شهادة سويسري حول أزمة كامريوكا 

تمثّل أزمة اللاجئين بكامريوكا (1965 – 1973) حالة اخرى لتدخّل الجهود الدبلوماسية السويسرية. في تلك المرحلة فرّ أكثر من 260.000 كوبي من الجزيرة، في البداية عن طريق البحر، ثم عن طريق الجو، بتفويض من بلد المنشأ وبلد المقصد.

قال فيرنر ب*. مدليا بشهادته إلى swissinfo.ch: "لم نكن نحن الذي يقرر من سيذهب ومن سيبقى. أجرينا مقابلات مع الأشخاص الذين يُعانون من مشاكل خاصة، والذين كانت أعمارهم تتجاوز سن الخدمة العسكرية (15 – 27) وأسماؤهم على القوائم التي قدّمتها السلطات الكوبية، وكنا ننقل تقارير إلى السلطات الامريكية".

كانت مهمّة عظيمة. "بين 3000 و4000 شخص كانوا يغادرون كل شهر. كانت طائرات ممتلئة تقلع. كانت هناك رحلتان يوميا. الرحلة الاولى تصل إلى فاراديرو بين الساعة السادسة والسابعة صباحا. ويرافق كل رحلة رجلا أمن وطبيب. كانوا يفحصون وثائق الركاب ويتأكدون من سلامة صحتهم".

في البداية عن طريق القوارب البحرية، ثم عن طريق الجو، غادر أزيد من 260000 كوبي بلادهم إلى الولايات المتحدة خلال الأزمة التي تعرف بأزمة كامريوكا. وقد شاركت سويسرا في تنظيم هذه الهجرة. (Immigration (Cuban) Subject File, CG Historian's Office)

في البداية عن طريق القوارب البحرية، ثم عن طريق الجو، غادر أزيد من 260000 كوبي بلادهم إلى الولايات المتحدة خلال الأزمة التي تعرف بأزمة كامريوكا. وقد شاركت سويسرا في تنظيم هذه الهجرة.

(Immigration (Cuban) Subject File, CG Historian's Office)

كان فيرنر يبلغ 24 عاما عندما دعته وزارة الخارجية ببرن لتعزيز صفوف الموظفين في السفارة السويسرية بكوبا: "كنا نتلقى مئات الرسائل كل يوم من الذين يريدون الإستفسار عن طلباتهم، أو ما يلزمهم القيام به لتكون أسماؤهم على القوائم. كنا نردّ على رسائل الجميع، أحيانا الردود تكون بشكل آلي. كانت مهمّة هائلة".

شهادة سويسرية

كانت الدبلوماسية السويسرية السابقة ريغولا أوخسنباين البالغة من العمر 13 عاما آنذاك، لا تفهم الكثير مما يجول في عالم السياسة، لكنها مع ذلك كانت تعي خطورة الوضع خلال أزمة الصواريخ. لذلك قررت بعث رسالة إلى قائد الإتحاد السوفياتي، نيكيتا خروتشوف، موجهة إلى الساحة الحمراء في موسكو، داعية إياه إلى بذل ما في وسعه لتجنّب اندلاع حرب.

وتضيف الدبلوماسية السابقة: "لأنه لم يكن لدى المال لشراء طابع بريدي، وضعت الرسالة في ظرف، ثم أرسلتها، لقد كنت مقتنعة بأن إدارة البريد سوف تتفهّم أهمية الرسالة، وسوف ترسلها بالرغم من عدم وجود الطابع عليها".

أصبح فيرنر في وقت لاحق عضوا كامل العضوية في السلك الدبلوماسي السويسري، وسافر إلى العديد من البلدان. هو الآن متقاعد، لكنه يستحضر بحنين السنوات التي قضاها في كوبا، بما في ذلك المهمّات الإدارية التي لا تنقطع، ورحلات الذهاب والإياب بين هافانا وفاراديرو. وقبل كل شيء، المخاوف التي ترافق تقديم الطلبات، وآلام الفراق (حيث لم يكن يُسمح للذكور الذين هم في عمر الخدمة العسكريةبالهجرة)، ثم كرم وسخاء الناس الذين هم دوما على استعداد لتقاسم القليل مما هو بين أيديهم، ويقول: "في كوبا، فهمت وضع الإنسان على حقيقته".

مرحلة تاريخية مهمة

ابتداء من عام 1991، وفي أعقاب تفكك الكتلة الإشتراكية، توقفت تشيكوسلوفاكيا عن تمثيل المصالح الكوبية لدى الإتحاد الأوروبي وأخذت سويسرا مكانها. وهنا يجدر التذكير بأن جيمي كارتر وفيدال كاسترو اتفقا منذ عام 1977 على افتتاح مكاتب أقسام لرعاية المصالح في البلدين ما أدى إلى تخفيف الأعباء عن سويسرا.

في هذا اليوم، 20 يوليو 2015، عادت الأمور إلى نصابها وفتحت السفارات أبوابها من جديد (بالمناسبة، كان التدخل السويسري وراء الحيلولة دون تحوّل مقرّ بعثة الولايات المتحدة في هافانا إلى وزارة كوبية للثروات السمكية).

وفيما حان وقت إنزال العلم السويسري، يرى أعضاء في البرلمان الفدرالي ورجال أعمال سويسريين أنه بالإمكان للمبادلات بين البلديْن أن تزيد وتتطوّر.

13 مايو 1998: فيدال كاسترو يزور العاصمة الفدرالية برن. وقد جاءت زيارته ضمن فعاليات الإحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس منظمة الصحة العالمية، ويُرى في الصورة إلى جانب السيد فلافيو كوتّي، رئيس الكنفدرالية آنذاك.  (Keystone)

13 مايو 1998: فيدال كاسترو يزور العاصمة الفدرالية برن. وقد جاءت زيارته ضمن فعاليات الإحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس منظمة الصحة العالمية، ويُرى في الصورة إلى جانب السيد فلافيو كوتّي، رئيس الكنفدرالية آنذاك. 

(Keystone)

في هذا الصدد، يرى أندرياس وينكلر، رئيس الغرفة التجارية السويسرية – الكوبية أن "أوّل شيء يجب القيام به هو إعادة العلاقات المصرفية مع الجزيرة"، ويضيف: "من العيب" أنه على الرغم من السمعة الطيبة التي تتمتّع بها المصارف السويسرية "لا يُوجد في كوبا مصرف سويسري واحد".

وبسبب "ردّ الفعل المبالغ فيه من قبل المصارف عقب المشاكل مع الولايات المتحدة الامريكية"، بشأن المسائل المالية، يرى وينكلر أن تنصبّ جهود الممثليات الرسمية على مساعدة الشركات الحريصة على القيام بأعمال تجارية في كوبا، بدلا من التركيز على الخدمات المصرفية الخاصة.

خطوة تاريخية

أعيدت يوم الإثنيْن 20 يوليو 2015 العلاقات الدبلوماسية بين الوايات المتحدة الامريكية وكوبا بفتح سفارتهما في العاصمتيْن هافانا وواشنطن. وسيشارك وزير خارجية كوبا برونو رودريغيز في حفل تشهده واشنطن اليوم على الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر (بتوقيت سويسرا )، يتم فيه رفع العلم الكوبي على سفارة هذا البلد. كما يتوقّع دبلوماسيون تنقل وزير الخارجية الامريكي، جون كيري، إلى هافانا لرفع علم بلاده على سفارتها هناك. لكن لم يعلن عن موعد محدد لذلك.

بذلك يكون دور سويسرا، بوصفها البلد الراعي لمصالح البلديْن قد وصل إلى نهايته. وفي رسالة إلى ديديه بوركهالتر، يعود تاريخها إلى بداية شهر يناير 2015، أعرب وزير الخارجية الامريكي جون كيري، عن امتنانه العميق لسويسرا للجهود التي بذلتها خلال عقود في رعاية مصالح الولايات المتحدة وكوبا. كما نوّه المسؤول الأمريكي بالتزام الشعب السويسري بالعمل من اجل التقارب بين هذيْن البلديْن خصوصا خلال الحرب الباردة، "جهود تصلح أن تكون مثالا للآخرين للعمل الدؤوب من أجل خدمة السلام".

أما هانس- بيتر بورتمان، العضو في الحزب الليبرالي الراديكالي (يمين وسط) ورئيس مجموعة سويسرا- كوبا في البرلمان، فيوافق على أهمية زيادة المبادلات والأعمال التجارية مع هافانا، نظرا لحجم الثقة العامة في سويسرا، ولما تتمتع به كوبا من موارد طبيعية وبشرية.

ويقول وينكلر مازحا: "الآن، لم نعد إرهابيين"، كما يرى الرجل صاحب الخبرة في هذا المجال بحكم إقامته في كوبا 22 عاما أن إعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية بين الجزيرة وجارتها القوية يُعدّ "التطوّر الأهم"، الذي عاشه خلال 22 عاما من الإقامة في كوبا.  

وعقب سحب كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو إجراء "لم يكن مبررا من الأصل"، واستئناف العلاقات بين البلديْن، يأمل وينكلر في أن يُوضع حد للحصار الإقتصادي "الذي ألحق أضرارا فادحة بكوبا".

قرار البرلمان

في شهر مايو الماضي، قدّم بورتمان إلتماسا في البرلمان يسعى إلى "تكثيف التعاون الحكومي مع كوبا"، بشأن المسائل الإقتصادية، وفي مجال البحوث والتعليم. كما اقترح ايضا إبرام اتفاقية للتبادل التجاري الحر بين البلديْن.

والفكرة، بالنسبة إليه: "هو المساهمة في تحسين الوضع الإقتصادي في كوبا، وتقليل اعتماد سويسرا على الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي".

لكن البرلمان رفض المقترح، بحجة أن المبادلات التجارية بين البلدين محدودة جدا. وتظهر الإحصاءات الرسمية لعام 2014 أن قيمة الصادرات الكوبية إلى سويسرا وصلت إلى 31.2 مليون فرنك، فيما لم تتجاوز الصادرات السويسرية إلى كوبا 17.8 مليون فرنك.

في السياق، أوضحت وزارة الخارجية أن كوبا تنظر إلى التعاون التقني مع سويسرا كنموذج وقالت: "إن حجم وأهمية هذا التعاون التقني لابد أن تزيد في السنوات المقبلة، نظرا للإصلاحات الإقتصادية التي تجري في كوبا، وتحسّن العلاقات مع الولايات المتحدة، ما سيفتح المجال لظهور فرص، في حين سيتم التغلّب على مشكلة عدم المساواة بين السكان في كوبا".

مع امكانية تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين، تعتزم ليفيا لوين، رئيسة قسم العلاقات الثنائية في كتابة الدولة للشؤون الاقتصادية حضور معرض هافانا الدولي كضيف في نوفمبر المقبل. ويرى بورتمان في مشاركة هذه المسؤولة لمعرض هافانا دفعا لمساعيه الهادفة إلى تعزيز التعاون مع كوبا.

ووفقا للحزب الليبرالي الراديكالي، لا تبدو برن متشجّعة حاليا لاتخاذ المزيد من الخطوات السياسية تجاه كوبا.
وقال بورتمان: "في الوقت الراهن، لا يمكن أن تتحقق مبادلات تجارية كبرى، ولكن بالإمكان اقامة اتصالات واستكشاف الفرص بالنسبة للمستقبل. ومن المهمّ جدا أن تتموقع سويسرا بشكل جيّد منذ الآن".

من جهته، يتساءل وينكلر: "لماذا لا يمكن أن تتعزّز المبادلات التجارية؟ عندما قمنا بتأسيس الغرفة التجارية قبل 12 عاما اعتقد بعض الناس، أنه لن تكون لها أي جدوى، وأنه لم يكن من الممكن ممارسة التجارة مع كوبا. ومع ذلك، لدينا 61 عضوا، 10 منهم لديهم أسهم في بورصة نيويورك".

* تحتفظ swissinfo.ch بالإسم الكامل للشخص الذي أدلى بشهادته لأنه فضل عدم الكشف عن هويته.

 محطات في العلاقات الكوبية الأمريكية

3 يناير 1961: الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا تقطعان علاقاتهما الدبلوماسية. وسويسرا تشرع في تمثيل مصالح الولايات المتحدة في هافانا. (حتى 20 يوليو 2015).

من عام 1991 وحتى 20 يوليو 2015: سويسرا تمثّل المصالح الكوبية في واشنطن.

في عام 1997: الولايات المتحدة وكوبا ينشآن أقسام المصالح الثنائية.

17 ديسمبر 2014: راؤول كاسترو وباراك اوباما يعلنان استئناف العلاقات الدبلوماسية.

29 مايو 2014: الولايات المتحدة الأمريكية تسحب كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

20 يوليو 2015: إعادة افتتاح السفارتين في كل من واشنطن وهافانا.


(نقله من الإنجليزية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)

×