Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

اقتراع فيدرالي


هل يتسبب المضاربون في الأسواق المالية في ارتفاع أسعار الأغذية؟


بقلم أوليفييه بوشار


 

"لا نلعب بقوت الناس!”، تأخذ الشبيبة الاشتراكية في سويسرا مأخذ الجد هذه الجملة التي كثيرا ما يُكرّر ذكرها على مسامع الأطفال. في 28 فبراير 2016 يدلي الشعب برأيه حول مبادرة هؤلاء "لا للمضاربة على المواد الغذائية"، والتي تدعو إلى منع المؤسسات المالية من المضاربة في سوق الأسهم في مجال السلع الغذائية. أما المعارضون فيعتبرون هذه المبادرة غير واقعية، ومضرّة بالاقتصاد.  

 يظلّ الحصول على المواد الغذائية الأساسية مسألة ملحّة وحرجة في بلدان الجنوب. (Keystone)

 يظلّ الحصول على المواد الغذائية الأساسية مسألة ملحّة وحرجة في بلدان الجنوب.

(Keystone)

وتشهد أسواق المواد الغذائية في بعض الأحيان حمّة مفاجئة. وترتفع الأسعار بشكل جنوني على حساب الفئات الفقيرة، ما يؤدّي إلى انفجار غضبهم. خلال السنوات الأخيرة، حدثت هذه الأزمة مرتيْن: في 2007- 2008، وفي 2010. 

بالنسبة للشبيبة الاشتراكية بسويسرا، يرجع الإرتفاع المشط لأسعار هذه المواد إلى مشكلة المضاربة. ولهذا السبب هم أطلقوا مبادرة "لا للمضاربة في المواد الغذائية". 

مبادرة تخرج السياسيون عن المألوف

تدعو هذه المبادرة إلى منع المؤسسات المالية (البنوك، وشركات التأمين، والمؤسسات الاستثمارية، وصناديق الإستثمار،..) التي يوجد لها مكتب او فرع في سويسرا منعا باتا من "الإسثمار سواء لصالحها او لصالح عملائها، وبشكل مباشر او غير مباشر في الأدوات المالية المتعلّقة بالسلع والمواد الغذائية الزراعية". 

وبعد النجاح النسبي الذي حققته مبادرة "من أجل أجور عادلة"، والتي أيّدها 34.7% من الناخبين السويسريين في عام 2011، أراد الشبان الاشتراكيون تكرار المحاولة. وعن هذه المبادرة يقول النائب البرلماني الاشتراكي ماتياس رينارد: "اخترنا هذا الموضوع المتعلّق بالمضاربة عن المواد الغذائية، لأن هذا هو دورنا، كشبيبة اشتراكية، وهو طرح الموضوعات التي يفضّل السياسيون تجنّبها على البرلمان، لأنها معقّدة وذات بعد دولي". 

ويضيف هذا البرلماني: "اخترنا ذلك أيضا لأن سويسرا تلعب دورا مركزيا في هذه السوق، وأن شخصيات مثل جون زيغلر، مع كل الجهد الذي بذله من أجل الحق في الغذاء، قد بيّنوا بالكاشف دور سويسرا وخطورة المضاربة".

 عاملا محدّدا ام هامشيا؟

هذه المبادرة تحظى بالتأييد من جميع التشكيلات السياسية اليسارية، وجميع الهيئات والمنظمات الناشطة في مجال الإعانات الغذائية ومساعدات التنمية. وبالنسبة لكل هؤلاء، ليس هناك أي شك أن المضاربة تلعب دورا رئيسا في ترفيع أسعار هذه المواد. ويصرّ ماتياس رينارد على أن "الجوع وسوء التغذية ليسا حتمية أو قدرا مقدورا. بل تتسبب فيهما آليات السوق، ولعبة المضاربة. وبالإمكان التسامح في التلاعب بأشياء أخرى كثيرة، ولكن ليس بقوت الفقراء". 

لكن هذا الرأي لا تشاطره الدوائر الإقتصادية وأحزاب اليمين، والتي ترجع ارتفاع الأسعار إلى أسباب أخرى. وكتب النائب البرلماني السابق عن حزب الشعب (يمين محافظ)، ووزير الدفاع الملتحق حديثا بالحكومة الفدرالية، غي برمولان: "التغيرات المناخية وغياب الامن في مناطق الإنتاج، وتغيّر في عادات الإستهلاك، والزيادة الكبيرة في أعداد السكان الذين يجب إيجاد غذاء لهم في الأسواق الناشئة دون نسيان ضيق مجال الأراضي الصالحة للزراعة، هذه هي الأسباب الحقيقية لتقلبات الأسعار". 

لكن ماتياس رينارد يردّ عن ذلك بالتأكيد على أن "هناك العديد من العوامل. ولابد من أخذها في الإعتبار. ولكن ما ثبت بالحجّة أيضا أن المضاربة تضخّم من هذه الظاهرة وتزيد من عدم المساواة". 

دراسات متناقضة

كلا المعسكريْن يؤسسان طرحيْهما بالاستناد إلى العديد من الدراسات. فالمؤيدون للمبادرة بإمكانهم الإستناد إلى التقارير الدولية التي أثبتت أن المضاربة تسهم في ارتفاع الأسعار. في أحد التقارير، أولفييه دي شوتّر، مقرر خاص تابع للأمم المتحدة في مجال الحق في الغذاء حتى عام 2014، يعترف بمؤثرات المناخ والسوق. لكنه يستدرك مؤكّدا "أن جزءً كبيرا من الزيادة في الأسعار ومن التقلبات في وفرة السلع الغذائية لا يمكن فهمها أو تفسيرها إلا من خلال ظهور فقاعة المضاربة". 

 وقد يكون الوضع قد تدهور أكثر منذ الأزمة المالية التي شهدها العالم سنة 2008: "لقد لاحظنا أيضا زيادة معتبرة في الإستثمارات غير التقليدية في المشتقات الزراعية سواء بغرض تنويع محفظة الإستثمارات او بسبب المضاربة. ومن المرجّح أن هذه الظاهرة قد أسهمت في ارتفاع الأسعار في الأسواق على المدى القصير، ويمكن أن تكون هي التي تغذّي الإرتفاع الحالي للأسعار في الأسواق"، يشير أحد تقارير المنظمة الإقتصادية للتعاون والتنمية.   

ولكن المعارضون لهذه المبادرة يمتلكون أيضا حججهم العلمية. ومن ذلك الدراسة المشتركة التي أنجزتها المدرسة العليا المتخصصة بلوتسيرن وجامعة بازل، والتي تعتمد على ملاحظاتها الإحصائية الخاصة، وأيضا على ملخّص مركّز لنتائج العشرات من الدراسات التي أنجزت في المجال بين عامي 2009 و2015. 

وتظهر المعطيات الإحصائية التي جمعتها المؤسستان العلميتان أن نسبة اسهام المضاربة في ارتفاع الأسعار لا يزيد عن 8%، بل يذهب 47% من بين العديد من الدراسات التي تم الإطلاع عليها إلى أن المضاربة تساعد في الواقع في استقرار السوق، ويرى 37% أنه ليس لها أي تأثير، و16% إلى أنها تؤدي فعلا إلى الترفيع في الأسعار. 

يصعب بالتالي على المواطن معرفة أي الرأيْين أكثر وجاهة. ولكن المؤيدون والمعارضون متفقون في أمر على الأقل: يجب على المواطن  أن يتسلّح برؤية نقدية. وتقول أوريلي هاينّي، الناطقة بإسم الحزب اللبرالي الراديكالي بالجهات الناطقة بالفرنسية (يمين): "من المحبّذ أن يكون المواطنون منتبهين إلى من يقف خلف هذه الدراسات. وبالتأكيد للحصول على فكرة عامة، لابد من الاطلاع على مصادر عديدة، والتسلّح برؤية نقدية". 

بإيجاز 

"لا للمضاربة في المواد الغذائية"، مبادرة أطلقتها الشبيبة الإشتراكية في سويسرا.

تم رفع التوقيعات عليها إلى المستشارية الفدرالية في سبتمبر 2012، وبلغ عدد التوقيعات عليها 117.000 توقيعا.

تعترض على هذه المبادرة كل من الاحزاب اليمينية والدوائر الاقتصادية، في حين تؤيدها وتدافع عنها أحزاب العائلة اليسارية والمنظمات العاملة في مجال الإعانات الغذائية والمساعدات الإنمائية.

يوصي البرلمان والحكومة الفدرالية المواطنين برفض هذه المبادرة. وقد بلغ عدد الاصوات الرافضة من داخل البرلمان 119 صوتا مقابل 51 صوتا مؤيدا، وخمسة أصوات محتفظة. اما على مستوى مجلس الشيوخ، فقد صوّت ضدها 30 عضوا، ولصالحها عشرة، واحتفظ صوت واحد.

ضغوط من الخارج

 بالنسبة للمعارضين، النقص في المواد الغذائية لا علاقة له بالأنشطة على مستوى الأسواق المالية، وأن المبادرة تخطأ من الأساس هدفها. وعلى حدّ قول غي برمولان: "المبادرة وصفة جديدة من الوصفات الإشتراكية التي تفتقر إلى أي جدوى". كما تعلّق اللبرالية الراديكالية أوريلي هاينّي على نص المبادرة بالقول: "كما جرت العادة، تقترح الشبيبة الاشتراكية حلا بيروقراطيا غير مناسب ولا يأخذ في اعتباره المستجدات".   

بل إنه من السذاجة الاعتقاد بأنه بإمكان سويسرا لوحدها ايجاد حل لهذه المشكلة. وتشرح هاينّي ذلك قائلة: "حتى لو كانت الشركات النشطة في تجارة المواد الغذائية موجودة في سويسرا، فإنها تغطي عملياتها عبر نشاطها في  أسواق الأوراق المالية في شيكاغو او في لندن. وهي تنضبط للقواعد المعمول بها في تلك الأسواق. وإذا ما اعتمدت سويسرا معايير إضافية، فإن تلك الشركات ستكون خاضعة لقيود إضافية، وسيكون لذلك نتائجه السلبية".  

كذلك يبدو الامر بالنسبة لغي برمولان، من حزب الشعب (يمين متشدد)، بمثابة من يسجّل هدفا في مرماه، ويضيف: "سوف يكون لهذه المبادرة عواقب هامة في بلادنا لانها تستهدف مباشرة الناشطين في التجارة الدولية بالمواد الزراعية الموجودين في سويسرا. فضلا عن أنها تزيد في انعدام الامن فيما يتعلّق بتطوّر الأوضاع الإقتصادية في إطار بلدنا، وترسل إشارة سلبية إلى كل الدوائر الإقتصادية في سويسرا". 

ومثل هذه التصريحات تصدم ماتياس رينارد: "هذه الحجة تعود من جديد كل مرة، كلما حاولنا إعادة الساحة المالية إلى جادة الصواب، وجعلها أكثر نظافة واحتراما للمعايير الاخلاقية. لا يمكن تبرير تجارة تتسبب في مقتل البشر فقط لأنها توفّر مواطن شغل. هذا الأمر لا يستقيم". 

ويثير النائب الإشتراكي مسألة أخرى. حيث يشير إلى أن "العالم يتجه إلى فرض المزيد من قواعد العمل على هذه الأسواق، سواء كان هذا في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية. وفي سويسرا، حيث توجد أغلب المؤسسات النشطة في هذا المجال، لا يجب أن تتخلّف في هذا الإتجاه حتى لا تضطرّ في وقت لاحق إلى القبول بهذه القواعد تحت الضغوط الخارجية في غضون عدّة سنوات بعد ان يكون الجميع قد سبقها في هذا المضمار". غير أن اوريلي هاينّي تردّ "نحن نعيش في لحظة العولمة من أبرز سيماتها. وأن تبادر سويسرا في تقنين هذا المجال بمعزل عن الآخرين ليس بالأمر المرغوب أو المناسب". 


(نقله من الفرنسية وعالجه: عبد الحفيظ العبدلي)



وصلات

×