رويترز عربي ودولي

مقاتلون شيعة من الحشد الشعبي بعد تطوعهم في الجيش العراقي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية أثناء عرض عسكري بمناسبة اختتام تدريباتهم في كركوك يوم 2 يناير كانون الثاني 2016 - رويترز

(reuters_tickers)

من ستيفن كالين

بغداد (رويترز) - في أوائل يونيو حزيران اقتحمت جماعتان شيعيتان تحظيان بدعم إيراني وتعملان من الناحية الاسمية تحت قيادة الحكومة العراقية قاعدة عسكرية عراقية شمالي بغداد بعربات مدرعة وقاذفات صاروخية وسيطرتا على مبنى في القاعدة.

وقال ضابطان بالجيش في قيادة عمليات صلاح الدين مقر القيادة العسكرية الإقليمية إن قائد القاعدة الواقعة بالقرب من مدينة بلد طلب من المسلحين مغادرة القاعدة. لكنهم تجاهلوه وتجاهلوا الأوامر الصادرة من الحكومة المركزية في بغداد.

وقال الضابطان ومصدر بالمخابرات العسكرية العراقية إن تلك المواجهة التي وقعت في يونيو حزيران عطلت استخدام أربع مقاتلات عراقية من طراز إف-16 ودفعت أكثر من عشرة متعاقدين أمريكيين كانوا مكلفين بمساعدة الطيارين المحليين في قصف متشددي تنظيم الدولة الإسلامية إلى الفرار.

كما أكدت واحدا من أكبر التحديات التي يواجهها العراق.

وتحارب بغداد الآن لإخراج التنظيم المتشدد من مدينة الموصل بشمال البلاد. ويشارك في القتال إلى جانب القوات الحكومية الفصائل الشيعية وكذلك القوات الكردية وقوات أمريكية.

لكن حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي تدرك أنها حتى إذا انتصرت على التنظيم فستحتاج لإخضاع الفصائل الشيعية لقدر أكبر من السيطرة. ويقول مسؤولون عراقيون وغربيون على السواء إن أحداثا مثل المواجهة التي حدثت في بلد تثير علامات استفهام كبيرة حول قدرة العبادي على تحقيق ذلك.

وتوحدت الفصائل في عام 2014 بعد أن سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث مساحة البلاد. ومن الناحية الرسمية تشكل الفصائل قوة شعبية تساندها الحكومة وتسمى الحشد الشعبي كان لها دور بارز في حماية بغداد وصد الدولة الإسلامية.

لكن الفصائل أصبحت مشكلة للحكومة. ولكثير منها صلات بإيران وأصبح لها نفوذ عسكري وسياسي كبير. ويتهم العراقيون السنة ومنظمات لحقوق الإنسان بعض الفصائل بارتكاب انتهاكات وعمليات تعذيب وقتل.

وتنفي الفصائل هذه الاتهامات وتقول إنها تقاتل إرهابيي الدولة الإسلامية فقط.

وفي قاعدة بلد الجوية في يونيو حزيران تعاملت قوات الجيش العراقي مع مسلحي الفصائل بعزل الجزء الذي احتلوه من القاعدة. ووافق المقاتلون في النهاية على الخروج من القاعدة إلى مزرعة محلية بعد تدخل قائدهم قيس الخزعلي قائد عصائب أهل الحق أحد أشرس الفصائل الشيعية.

* بوادر تقدم؟

تولى العبادي السلطة في 2014 بوعود بإصلاح العلاقات بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية التي هيمنت على البلاد في ظل حكم صدام حسين وتراجع وضعها في ظل حكومات شيعية منذ الإطاحة بصدام عام 2003.

ولتعزيز الوحدة الوطنية وعد العبادي بكبح الفصائل.

ومن الناحية الرسمية يعد الحشد الشعبي مسؤولا أمام رئيس الوزراء من خلال مستشار الأمن الوطني العراقي فالح فياض. ويتولى قادة الحشد الشعبي الآخرون مناصب رسمية. كذلك فإن أحمد الأسدي الناطق بلسان الحشد عضو في البرلمان كما تخصص بغداد مرتبات لنحو 110 آلاف فرد يتألف منهم الحشد.

لكن دبلوماسيين غربيين يقولون إن المال المخصص للمقاتلين الشيعة يصرف بانتظام من خلال قادتهم الأمر الذي يتيح لهم السيطرة على ما ينفق من المال.

وقد دأب الحشد على التأكيد على أن ولاءه للشعب العراقي لا للدولة. ونائب فياض أبو مهدي المهندس - الذي يرى كثير من أفراد الفصائل إنه الزعيم الحقيقي للفصائل - قائد مخضرم تربطه صلات قديمة بإيران.

ويقول مسؤولون عراقيون وغربيون إن العبادي أضعف من أن يتصدى للفصائل مباشرة. فعندما تولى السلطة حاول دمج الحشد الشعبي في قوات الأمن النظامية لكن هذه الخطة سرعان ما طواها النسيان.

والآن ينتهج العبادي نهجا أخف. ففي فبراير شباط أصدر أمرا تنفيذيا الهدف منه دفع الفصائل لقبول السيطرة الحكومية. ويوجه الأمر الديواني 91 الحشد الشعبي للتحول إلى "تشكيل عسكري مستقل وجزء من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة ويكون نموذجا يضاهي جهاز مكافحة الإرهاب الحالي من حيث التنظيم والارتباط ويتألف من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة."

وفي نوفمبر تشرين الثاني الماضي أقر البرلمان قانونا بهذا المعنى يدعو أيضا المقاتلين إلى قطع روابطهم الحزبية والامتناع عن العمل السياسي.

وثمة علامات على تحقيق تقدم. وبعد قيادة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في 2014 و2015 أصبح الحشد الشعبي يلعب دورا مساندا في الغالب فيما أحرزته القوات الحكومية من تقدم في الآونة الأخيرة. وقد اطلعت رويترز على مذكرة أرسلها المهندس في يونيو حزيران وجهت المقاتلين لاستبعاد الأعلام والهتافات الطائفية.

لكن الميلشيات لا تزال خارج سيطرة وزارة الدفاع. وهي تهيمن في بغداد وحولها ومحافظة ديالى بشرق البلاد وفي مناطق كبيرة من محافظة صلاح الدين إلى الشمال. كما أنها ما زالت ترفع رايات دينية تصور أئمة الشيعة وشعارات لجماعات حزبية.

* سجون سرية

كذلك تسيطر الفصائل على ستة سجون على الأقل تتبعها وفقا لما قاله مسؤولون محليون ومصادر في الشرطة والجيش. ويقع أحد هذه السجون في مدينة جرف الصخر جنوبي بغداد التي سيطرت عليها قوات الأمن ومقاتلو الفصائل عام 2014.

ويقول مسؤول في الأمن الوطني إن المدينة والمنطقة المحيطة بها ما زالت تخضع لسيطرة كتائب حزب الله التي تعد من أكثر الفصائل الشيعية سرية في الحشد الشعبي. ووصمت وزارة الخزانة الأمريكية هذه الجماعة بأنها منظمة إرهابية.

وقال المسؤول "قبل أكثر من عام أقامت جماعة الكتائب مراكز اعتقال خاصة بها وحولت عدة مباني حكومية سابقة وبيوتا كبيرة إلى مراكز اعتقال مشددة الأمن. وكل ما نعرفه أن مئات السجناء من (محافظة) الأنبار معتقلون ... وتجري الجماعة تحقيقاتها الخاصة ... ولم يكن لقوات الأمن أي إسهام في تلك الإجراءات."

وأكد مسؤول محلي كبير أن الكتائب تدير سجونها الخاصة وقال إن العديد من النزلاء من السنة الذين اعتقلوا في الرزازة وهي منطقة صحراوية تفصل محافظة الأنبار الغربية عن المزارات الشيعية في الجنوب.

وقال أحمد سلماني النائب من بلدة القائم السنية القريبة إن حوالي 2200 شخص محتجزون هناك. وأضاف أنه ناقش مصيرهم بما في ذلك عمليات تعذيب مع وزارتي الدفاع والداخلية ومع العبادي.

وقال أحد السكان في المنطقة إن له ثلاثة أبناء اعتقلوا عند حاجز الرزازة الأمني وإن أحدهم قتل.

وأضاف الرجل الذي دفع 20 ألف دولار لإعادة الثلاثة "فقدت أبنائي الثلاثة أمام عيني عند الحاجز الأمني المشؤوم. (لكن) أكبرهم واسمه عمر تعرض للتعذيب حتى الموت."

وقال جعفر حسيني المتحدث باسم كتائب حزب الله إن التقارير التي ترددت عن وجود سجون سرية "لا أساس لها ومحاولة وقحة لتشويه صورة الكتائب."

وأضاف أن الجماعة تعمل إلى جانب الجيش والشرطة وقوات مكافحة الإرهاب لإبعاد تنظيم الدولة الإسلامية عن المنطقة.

* تقليص الأعداد

يقول دبلوماسيون غربيون إن من الممكن تقليص حجم الحشد الشعبي إذا تمكن العراق من دحر الدولة الإسلامية. لكنهم يخشون أيضا أن يتحول الجزء الأساسي منه إلى شيء أشبه بالحرس الثوري في إيران وهو ما سيسهم في تعزيز النفوذ الذي اكتسبته طهران في العراق منذ سقوط صدام.

لكن دبلوماسيا رفيع المستوى في بغداد قال إن المسؤولين الإيرانيين أبدوا إحجاما عن التعامل مع العراق وكأنه تحت الوصاية.

وقال الدبلوماسي "يكررون القول لنا إنه ليس بوسعهم إدارة دولة تابعة." كذلك يرفض كبار المسؤولين الأمنيين العراقيين أي زيادة في النفوذ الإيراني.

ولم ترد السفارة الإيرانية في بغداد على طلبات متكررة للتعليق.

أما قادة الفصائل أنفسهم فمنقسمون إذ يشير البعض إلى أنهم لن يلقوا السلاح حتى إذا انهزم تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال جواد طالباني أحد قادة عصائب أهل الحق إن جماعات مثل فصيله لا ترى ضرورة للانضمام إلى قوات الأمن العراقية الرسمية. وقال إن الجماعة ستلقي سلاحها فقط ما إن تنهزم كل الجماعات السنية وإنها ستقاوم أي محاولة لنزع سلاحها بالقوة.

وقال لرويترز إن دور قوات الأمن هو حماية الشعب العراقي وإن الجماعة ستدعم قوات الأمن إذا ما طلب منها ذلك.

وقال كريم عليوي المحمداوي المتحدث باسم منظمة بدر أكبر الفصائل الشيعية إن المنظمة سترجع إلى وضعها السابق على عام 2014 إذ يخدم بعض أعضائها في الشرطة ويعمل البعض الآخر بصفة مستقلة.

غير أن الجماعات الكبيرة أقل مدعاة لقلق المسؤولين العراقيين والدبلوماسيين الغربيين من الجماعات الأصغر الأكثر تشددا التي تتلقى دعما مباشرا بدرجة أكبر من إيران.

وفي وقت سابق من العام الجاري بدأت بغداد العمل مع الأمم المتحدة لوضع برنامج لتسريح أفراد الحشد الشعبي الذين يوافقون على التخلي عن سلاحهم. ويقول مسؤولون أمنيون عراقيون كبار إن الهدف هو تقليص حجم الحشد بشكل كبير. لكن البرنامج لم يبدأ لاستمرار القتال ضد الدولة الإسلامية.

ويقول مسؤولون إن إعادة بناء قوات الجيش النظامي الذي كبله الفساد والطائفية ثم اجتياح الدولة الإسلامية لمناطق شاسعة عام 2014 سيستغرق وقتا.

وفي يونيو حزيران عندما سار مقاتلون من القوات الخاصة بجهاز مكافحة الإرهاب في بغداد مع وحدات من الجيش والشرطة للاحتفال باستعادة الفلوجة سارت قوات من الحشد الشعبي إلى جانبهم.

ومن مكانه في المنصة كان العبادي يشاهد ما يحدث ورفع يده بالتحية.

ووصف ضابط برتبة عقيد في قيادة الشرطة في مدينة تكريت السنية التي أصبحت تزينها رايات الفصائل الشيعية وصور الزعيم الأعلى الإيراني الوضع قائلا: "ليس لنا أي سلطة عليهم. فهم دولة داخل الدولة."

(إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني)

reuters_tickers

  رويترز عربي ودولي