Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

الألمانية مقابل الفرنسية


"روشتيغرابن": التنوّع الثقافي والسياسي هو ما يوحّد سويسرا!


بقلم إيزابيل أيشنبيرغر


يشير نهر "سارين" Sarine الذي يشق طريقه مخترقاً كانتون فريبورغ إلى الحدود بين أجزاء سويسرا الناطقة بالألمانية وتلك الناطقة بالفرنسية. (aerialswiss)

يشير نهر "سارين" Sarine الذي يشق طريقه مخترقاً كانتون فريبورغ إلى الحدود بين أجزاء سويسرا الناطقة بالألمانية وتلك الناطقة بالفرنسية.

(aerialswiss)

من الواضح أن الإقتراعات المتعددة التي نُظِّمت في عام 2014، سواء تعلَّق الأمر بالهجرة أو بالتأمين الصحي، ساهمت مجدداً في تعميق "حاجز الروشتي" (أو الـ "روشتيغرابن"، كما يطلق عليه السويسريون)، بين مناطق الكنفدرالية الناطقة بالفرنسية وتلك الناطقة بالألمانية. بَيد أن وجود سويسرا كما هي عليه اليوم، اقترن دوما بهذا التنوّع الذي يرى فيه البعض إرثاً ثقافياً ينبغي أن يحظى بالحماية.

"يجب أن يُدرَج الـ ‘روشتيغرابن’، الرامز إلى الرغبة في الوحدة ضِمن التنوع، في قائمة التقاليد الحية لسويسرا"! بهذا الإعلان، أثار متحف "فيندونيسّا" Vindonissa للآثار، الكثير من الجدل مؤخراً. ويخطط المتحف الواقع في بلدية "بروغ" (كانتون آرغاو) لتنظيم عملية جمع التوقيعات، بغية ضَم مفهوم الـ "روشتيغرابن" وموسيقى الـ "يودل" وطبق الـ "فوندو" (المُعَد من الجبن المُذاب) وبوق جبال الألب الشهير، إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو. وبمناسبة إفتتاح معرض "روشتيغرابن - ما يجمع سويسرا معاً ..."، كان ‘التحدّي’، هو الموضوع الذي إختاره رونيه هينغّي، مدير المتحف.

ولإيضاح الأسباب التي دفعته إلى تقديم هذا المعرض في سويسرا الناطقة بالألمانية، بعد أن كان قد نُظِمَ في السابق من قِبَل المتحف الروماني في لوزان – فيدي في عام 2004، قال هينغّي:"الفرق هو صداقة قديمة قامت بتشكيلنا عبْر آلاف السنين". وحينذاك، كانت إقامة ذلك المعرض من بنات أفكار لوران فلوتش، مدير المتحف، بعد ظهور نتائج التصويت حول التجنيس المُيَسَّر، والذي أظهر اختلافات كبيرة بين مناطق سويسرا الألمانية ومناطق سويسرا الروماندية (الناطقة بالفرنسية). 

ومن جهته، يعلّق فلوتش على ذلك المعرض بالقول: "أراد خِطابنا أن يُظهِر أن إنكار وجود الفرْق غير ممكن، ولكن إذا ما قبلنا بالتنوع داخل البلاد، فسوف يكون تقبُّل ما يأتي من الخارج أسهل". ثم يضيف: "لقد تشكّل هذا الاختلاف نتيجة ظواهر جغرافية تعود إلى 7000 عام، وهي توضح أن سويسرا تتواجد في وسط، وعلى حافة كل شيء، لأنها تقع على الحدود الفاصلة لثلاثة أو أربعة مجالات لُغوية رئيسية".

صورة نمطية لدى الصحفيين

وفقاً لنتائج الإقتراعات التي شهدها عام 2014، يبدو من الواضح أن الحاجز الثقافي بين المناطق اللغوية المختلفة في سويسرا، قد اتَّسع ثانية. ولكن طرح الرأي بهذه الصورة، هو مُبسّط جداً، كما يشير المؤرخ جورج كرايس من بازل: "هذا الانقسام السياسي هو صورة نمطية لدى الصحفيين. ففي آخر الأمر، لا توجد هناك مجموعة عِرقية ناطقة بالفرنسية... وأتساءل هنا إلى أيّ مدى يبقى سلوك الساسة مُنحصِراً بمكان الإقامة، في وقت يشهد تزايداً مستمراً في حركة التنقل". ويفضِّل المؤرخ السويسري الإشارة إلى الحاجز بين المناطق الحضرية والريفية، أي أن يكون الحديث عن حاجز اجتماعي.

من جهة أخرى، يُعبِّر رونيه كنوسل المختصّ في العلوم السياسية، عن قناعته بوجود هذا الحاجز [الثقافي والسياسي]، ولكنه يعتقد أن الأمر متعلِّق بالتركيبة الإجتماعية. "من الناحية الجغرافية، ليس هناك أي عائق مادّي من شأنه أن يشير إلى وجود فصل إقليمي. مع ذلك، هناك وجود لسلوكيات ومشاعِر مختلفة".

وليس العثور على أمثِلة حول هذا الحاجز بالمسألة الصعبة، فهي كثيرة. فابتداءً من الإحصائيات المتعلِّقة بممارسة اللِّياقة البدنية وحتى إصابات تلف الكبد - حاجز الـ "روشتي"، يبدو جلياً. هل تعتمد سويسرا الروماندية على المساعدات الإجتماعية أو الخدمات الطبية بشكل أكبر؟ هؤلاء "المواطنون السيِّئون" سيتعرّضون لا محالة وعلى الفور، لهجوم الأطراف اليمينية في سويسرا الناطقة بالألمانية. وماذا عن "مستر سويس" (الرجل الأكثر وسامة في سويسرا)، ألا ينحدِر من الجزء الناطق بالألمانية بشكل منهجي؟ "وماذا عنّا نحن"؟ يتباكى الناطقون بالفرنسية...

في السياق نفسه، ومع إحياء مدينة لوزان للذكرى الخمسين لـ "المعرض الوطني 1964" في الصيف الماضي، أطلق كلّ من مهرجان مدينة لوزان والمجموعة الفنية"Com&Com" ، بالإضافة إلى مؤرّخين وعلماء اجتماع، استطلاع "Point de Suisse"، الهادف إلى التعرّف على مواقف السويسريين وتوجّهاتهم. وأظهرت نتائج الإستطلاع، أن أكثر من ثلاثة أرباع سكان سويسرا يشعرون بوجود "حاجز". وعلى الصعيد الوطني عموماً، نفى 22% وجود حاجز الـ "روشتي". مع ذلك، كان هذا الشعور أقوى في سويسرا الناطقة بالألمانية بنتيجة 25%، بالمقارنة مع سويسرا الناطقة بالفرنسية بنتيجة 14% فقط. فهل يشكل حاجز الـ "روشتي" مشكِلة لسويسرا الروماندية فقط؟

ردّ فعل الضحية؟

هذا التساؤل يُجيب عليه لوران فلوتش، الذي نشر كتاباً حول المسألة اللُّغوية في سويسرا بالقول: "يشعر الرومانديون بالإحباط من الناحية العددية، عندما يطالبون بالمزيد من الوظائف على رأس الحكومة الفدرالية، أو بعدد أكبر من المشاريع والعقود الخاصة بالكنفدرالية". ويستطرد: "بيد أن لديهم رُؤية مختلِفة أيضاً حول الدولة والجيش والبيئة والعمل، وهناك العديد من القرائن التي تدعم هذه الكليشيهات [القوالب النمطية]".

من جهته، يتحدث رونيه كنوسل عن "نوع من الجرح الذي يتفتق كل مرّة" ويوضّح قائلاً: "تنشأ المشكلة عندما يواجه المرء هيْمنة منتظمة من جانب أغلبية لا تتغير. إن السويسريين الناطقين بالفرنسية يتّخذون موقف الإنسحاب، عندما يشعرون أن مصيرهم - الذي تكفله المبادِئ الفدرالية للدولة – مفقود، وبأن نوعا من السياسة المحافظة الناطقة بالألمانية بالأساس، تعيق تطورهم. وقد يدفعهم هذا أحياناً إلى تقمّص دور الضحية حتى".

ويضيف أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوزان قائلاً: "عندما تُناقش مسألة أوروبا، لا يُبدي السويسريون الناطقون بالفرنسية تخوّفاً من هذا الإنفتاح، لأنهم يعتقِدون أنهم سيعرفون كيف يتعاملون مع الأغلبية، في حين يتخوّف المتحدثون بالألمانية والإيطالية من ذلك، على حدٍّ سواء. إن سويسرا تعيش في تناقُض بين مواطن قوتها - المتمثلة في الاحترام الداخلي للتنوّع - وبين خطر التفكّك، الذي قد يضع هذه المكاسب - التي ما تزال هشّة للغاية - في وضع المساءلة".

وبهذا الصّدد، يوضح كريستوف بوخي، مراسل صحيفة "نويه تسورخر تسايتونغ" من غرب سويسرا، ومؤلّف العديد من الكُتب حول هذا الموضوع قائلاً: "ليس لدى غالبية الناطقين بالألمانية مشاكل مهمّة مع الناطقين بالفرنسية، وهم ينظرون نحوهم بنوْع من اللاّمبالاة الحسنة النية. ومن جهتهم، يتوجّس الرومانديون من الأوضاع الإقتصادية، ويخشون من تمركز كافة المشاريع - دون تنظيم أو رقابة - في الجُزء الألماني، مما يجعلهم الخاسِر الأكبر بالتالي". وعلى الجانب الآخر، يغذّي مثل هذا الإعتقاد، الأحكام المُسبَقة للمتحدِّثين بالألمانية، والتي يُشيرون فيها إلى "إيمان الرومانديين بإعادة توزيع الموارد ودولة الرفاه الإجتماعي، نتيجة تأثُّـرهم الشديد بفرنسا المجاورة".

حاجز الـ "روشتي" والـ "بولينتا"

تعود تسمية حاجز الـ "روشتي" (باللغة الألمانية "روشتيغرابن" Röstigraben) إلى وصفة سويسرية ألمانية مكوَّنة من البطاطا المبشورة التي تُـقلى لتُصبح فطيرة. وهي تُشير إلى الفرق الشاسع في أسلوب التفكير بين المناطق المتحدِّثة بالألمانية (63% من مجموع السكان)، وتلك المتحدثة بالفرنسية (20% من مجموع السكان). بدورهم يطلق عليه الفرنسيون "حاجز الروشتي" أو "ستارة الروشتي".

ويتبع هذا الحاجز الثقافي غالباً، الحدود الجغرافية لنهر سارين Sarine (بالفرنسية) أوساني Saane (بالألمانية)، أحد أكبر الأنهار السويسرية الذي يخترق كانتون فريبورغ.

بالمثل، أُطلق مُصطلح حاجز الـ "بولينتا" (وهي عصيدة من دقيق الذرة)، ليصِف الحدود الثقافية بين المنطقة المتحدثة بالإيطالية إلى الجنوب من ممر الغوتهارد، التي تمثل6.5% من مجموع السكان وبقية أنحاء سويسرا - لكن دون نجاح يُذكر.

واتّضحت صورة هذا ‘الخندَق’ خلال الحرب العالمية الأولى، عندما انحاز جزء كبير من الناطقين بالفرنسية إلى الجانب الفرنسي، في حين ساند السويسريون الألمان، ألمانيا.

ويُستخدم هذا التعبير المجازي، لشرح الاختلافات في السلوك الانتخابي، ولاسيما فيما يتعلّق بمسألة أوروبا أو الهجرة أو الدَّور المنوط بالدولة.

وكان حاجز "روشتي"، واضحاً جداً في شهر ديسمبر من عام 1992، عندما رفض الشعب السويسري بنسبة 50,3% الانضمام إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية، في الوقت الذي صوّتت فيه جميع الكانتونات الناطقة بالفرنسية لصالح المبادرة.

(المصدر: قاموس سويسرا التاريخي)

"السويسريون لا يتقاسمون جميع القِيم"

في السياق ذاته، كانت مجلة "فيلتفوخه" الأسبوعية الصادرة في زيورخ، قد تسببت بفضيحة في عام 2012، نتيجة تشبيهها المتحدِّثين بالفرنسية بـ "يونانيو سويسرا"، ووصفها إياهم بالطُّفيليات الإجتماعية والكُسالى الباحثين عن المُتعة.

وتقول إيزابيل رابو - شولي عالمة الأنثروبولوجيا: "تُعطى مثل هذه الأمور التي كان حزب الشعب وراء إحيائها وتسهيلها دون أي حرج أو رَدع، أهمية أكثر مما ينبغي". إنك ستشعُر بعدم الأمان منذ اللحظة التي يُقال لك فيها بأنك في خطر. وفي هذه الحالة، يمكن أن يساهم وجود نوع من الحدّ في التعرف على الهوية الشخصية، عندما لا يعود هناك وجود لمفهوم الـ "نحن".

 (swissinfo.ch)
(swissinfo.ch)

وتشير مديرة متحف Gruérien في بلدية "بيول" Bulle في كانتون فريبورغ، إلى حقيقة "انحدار أحد الوالدين لدى غالبية السويسريين من الجانب اللغوي الآخر، أو قد يزيد حتى إلى اثنين أو ثلاثة من الأجداد البعيدين"، وتقول: في الواقع، فإن السكان على إختلافهم الشديد، هم مَن يحافظون على تماسك البلد". ولكن، وكما هو الحال في جميع المناطق الحدودية، فالأمر صعب، لأن السويسريين يتشاطرون قِيماً معيَّنة، ولكن ليس جميعها".

"الحاجز يساهم في وجودنا"

ومن المفارقات، أن هذه الصورة النمطية تسهم أحياناً في الإحتفاء بهذا التآزر السويسري "الإستثنائي" أيضاً. وهكذا حقق بطلا التنس روجيه فيدرر (من سويسرا الألمانية) وستانيسلاس فافرينكا (من سويسرا الفرنسية) مؤخراً، الفوز لسويسرا في كأس ديفيس. وبالفعل، "بدأ الفريق الوطني لكرة المضرب، ببناء الجسور عبر الحدود اللغوية، أفضل مما يمكن أن يفعله الخِطاب السياسي"، كما كتبت صحيفة "إكسبريس" L’Express اليومية.

ووِفق رونيه كنوسل "يساعدنا حاجز ‘الروشتي’ الرّمزي على الوجود، لأنه يسمح لنا بالتمييز بين بعضنا البعض. وعلى الصعيد الدولي، تكشف سويسرا عن تعاملها الحكيم مع الأقليات. وهذا الحاجز اللغوي ليس ثابتاً، لأن السكان في تحرك مُستمِر. ولكن قوته تكمُن في أنه يُتيح لنا العيش في نفس الإقليم، في الوقت الذي نحافِظ فيه على الحُكم الذاتي أيضاً. بإمكان المرء أن يعيش في سويسرا، دون أن يتحدّث الألمانية أو الفرنسية بطلاقة".

swissinfo.ch

×