مساعدة الضحايا تدابير سويسرية للحَد من ظاهرة الزواج القسري

من بين حالات الزواج القسري، توجد 51 حالة تتعلّق بأطفال دون 16 عاما. وفي الصورة ملابس زواج صورت خلال معرض بزيورخ في 9 يناير 2016.

من بين حالات الزواج القسري، توجد 51 حالة تتعلّق بأطفال دون 16 عاما. وفي الصورة ملابس زواج صورت خلال معرض بزيورخ في 9 يناير 2016.

(Keystone)

عندما وجدت ياسمين د، وهي شابة تنحدر من أصول تاميلية نفسها أمام مشروع زواج قسري، حصلت على دعم سلطات مدينة برن. ومع تزايد حالات التماس المشورة لا سيما من قبل الضحايا القُصَّر، يُمكن أن يشكل النَهج المُتَّبَع في برن نَموذجاً يُحتذى به.

في حينها، كانت الشابة ذات السبعة عشر ربيعاً قد رفضت تزويجها لرجل في الهند، وكان لديها صديق تاميلي أيضاً، ولكن من طائفة أخرى. ومع تصاعد تهديدات والدها، قررت ترك أسرتها وحصلت على الدعم من قبل سلطات مدينة برنرابط خارجي. وكانت حاجة والدها للسيطرة عليها قد بدأت بعد وصولها مرحلة البلوغ. "كانت حملة ترويع لا نهاية لها، حتى أنني لم أعد أعرف من هو والدي"، كما تقول.

ما عاشته ياسمين ليس بالحالة الفريدة في سويسرا. ذلك أنَّ المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسريرابط خارجي، وهو منظمة سويسرية تعمل في جميع أنحاء الكنفدرالية للقضاء على ظاهرة الزواج بالإكراه، كان قد تعامل مع 1702 من هذه الحالات منذ مباشرته لأعماله في عام 2005 وحتى نهاية عام 2016.

والمُثير للقلق بشكل خاص، هو أن 51 طفلا تقل أعمارهم عن 16عاماً كانوا قد إلتمسوا المشورة خلال العام المنقضي. وبالمقارنة، لم يتم الإبلاغ سوى عن خمس من هذه الحالات في العقد المُمتَد بين عامي 2005 و2015.

ووفقاً لـ أنّو سيفاغانيزان رئيسة المركز، تشكل الزيادة الحاصلة في الوعي العام أحد أسباب ارتفاع أعداد مُلتمسي المشورة. فضلاً عن ذلك، حصل هناك تطور هام في هذا المضمار، يتمثل بزيادة مستوى التوعية في المدارس، مما يُسَهِل إستهداف فئة الشباب دون سن 16 عاماً.

لكن، الأرقام المُطلقة للأشخاص الساعين للمشورة بشأن الزواج القسري كانت قد إرتفعت هي الأخرى. وكما أخبرت سيفاغانيزان swissinfo.ch عن طريق البريد الإلكتروني "قد يعود هذا إلى إرتفاع عدد الأشخاص الذين وصلوا إلى سويسرا خلال الأعوام القليلة الماضية من دول الهجرة الجديدة، مثل سوريا، أفغانستان، العراق، إريتريا والصومال. ويعني هذا أن معظم حالات الزواج القسري لمن هم دون سن السادسة عشر هي من محيط اللاجئين".

بيد أنَّ غالبية حالات طلب المشورة بشأن الزواج القسري التي يتعامل معها المركز لا تخص هؤلاء الوافدين الجدد، ذلك أنَّ 91% من حالات إلتماس المساعدة هنا تتعلَّق بالجيل الثاني والثالث من المهاجرين لسويسرا.

"تأثير الهجرة"

وكما قالت رئيسة المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسري، قد تعني حقيقة حصول العديد من حالات تزويج القُصَّر بين صفوف الوافدين للبلاد حديثاً مثل طالبي اللجوء لأول وهلة أن هذه المشكلة إنما هي "مستوردة".

"لكن لدينا الكثير من الدلائل التي تشير إلى عدم تعلق المسألة بتأثير دول المنشأ فقط، ولكن بعامل الهجرة أيضاً - بمعنى أن الظروف المعيشية الجديدة وبيئة الشتات يمكن أن تُسهِم في تعزيز نوع من التراجع والعودة إلى تقاليد معينة، مثل تزويج الأطفال والزواج القسري"، بحسب سيفاغانيزان.

ويتمثل العامل الآخر بزيادة الزيجات الدينية أو الشعائرية التي تسمح بتجاوز القوانين المتعلقة بالحد الأدنى لسن الزواج (الذي يبلغ 18 عاماً في سويسرا). وتشير سيفاغانيزان إلى حَظر القانون السويسري لأي عقد زواج ديني قبل عقد الزواج المدني. لكنها أضافت أن بعض المسؤولين يجهلون هذا الأمر، ضاربة المثل بحضور مستشارِ طالب لجوء قاصر لم يكن مصحوباً بذويه لمراسيم زواجه الديني دون أي تدخل أو إعتراض.

وكانت سويسرا قد حظرت الزواج القسري منذ عام 2013. وبموجب هذا القانون، يتعين على أمناء السجلّات المدنية السويسريين رفض تسجيل الزواج في حال كونه قسرياً، كما أنهم مطالبون بإبلاغ السلطات القضائية عن الحالات المُشتبه بها.

مع ذلك، ليس هذا القانون بـ "المعجزة العلاجية"، كما قالت سيفاغانيزان، التي ترى ضرورة إدراج تدابير إضافية لحماية الضحايا عبر اتباع استراتيجيات مستدامة.

برن كنموذج للتعامل

تمثل مدينة برن كما تقول رئيسة المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسري، نموذجاً لكيفية التعامل مع مثل هذه الزيجات. فهي لا تتوفر فقط على طاولة مستديرة بشأن الزواج القسري حيث تعمل المؤسسات الخاصة والعامة بشكل مشترك، لكنها تدرك أيضا حاجة الأشخاص للمساعدة على تشكيل إستقلاليتهم على المدى الطويل بعد مغادرتهم لمنزل الأسرة.

ويستند نموذج برن لمعالجة هذه الحالات على تعاون فعّال وناجح بين المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسري الذي تغطي خدماته البلاد برمتها، والسلطات المحلية مثل دائرة خدمات السكان (البالغة الأهمية عندما تكون الضحية بحاجة لتغيير عنوان السكن والإنتقال إلى كانتون آخر مثلاً).

وكما تشير سيفاغانيزان، تفتقر بقية مناطق سويسرا حتى الآن إلى هذا النوع من التعاون وتوليفة الخدمات.

وبحسب سوزان ريبسامَن، المسؤولة عن تنسيق مشروع الزواج القسريرابط خارجي في المركز المختص بالإندماج في برنرابط خارجي، استجابت مؤسسات المدينة بشكل جيد للجهود الرامية للنهوض بمستوى الوعي حول مسألة الزواج القسري.

الرسالة تشق طريقها

وكما تقول ريبسامَن، يمكن مشاهدة نحو 20 مؤسسة حول المائدة المستديرة اليوم. وخلال الاجتماعات السنوية، يتم تقييم الوضع في الميدان، وتأشير الفضاءات التي قد تحتاج إلى تحسينات. كما توجد هناك طُرق واضحة للكيفية التي ينبغي أن يجري بها هذا التعاون (على شكل مخطط انسيابي).

وفي الحالات الأكثر تطرفاً، تضطلع دائرة خدمات السكان وشرطة الهجرة والأجانبرابط خارجي بدور فعال، حيث يمكن لها أن تتدخل ضمن سياق القانون، كأن تساعد الضحية في الانتقال لكانتون آخر، أو في تغيير الهوية الشخصية، بحسب ريبسامَن.

ولا تتوفر سلطات مدينة برن - التي تقوم بالتنسيق دون إعطاء المشورة بذاتها - حيث يترك ذلك لمؤسسات أخرى - على أي إحصاءات موثوقة حول عدد حالات الزواج القسري التي تم التعامل معها.

"لكن ما نعرفه هو أن لدى المراكز المعنية بالزواج القسري على المستوى الوطني، بما في ذلك المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسري، عدد كبير نسبيا من الاستفسارات من برن"، ما يدل على ان الرسالة تشق طريقها، وفقاً لـ ريبسامَن.

خطوة كبيرة إلى الأمام

علاوة على ما سبق، يوجد هناك عمل تنسيقي على المستوى الفدرالي أيضاً. إلّا أن البرنامج الحكومي السويسري لمكافحة الزيجات القسريةرابط خارجي المبدئي الذي أطلق في منتصف عام 2013 سوف ينتهي في شهر أغسطس 2017 وعلى النحو المنشود.

"لم يتقرر بَعد ما الذي سيحدث بعد ذلك. الهدف الآن هو أن ينظر المجلس الفدرالي إلى التقرير المتعلق بهذا الموضوع خلال العام الجاري"، كما أخبر لوكاس ريدر، المتحدث في كتابة الدولة للهجرةرابط خارجي swissinfo.ch عبر البريد الإلكتروني.

وكما قال، أظهرت ردود الأفعال من المشروع ومن العاملين في الميدان أن برنامج الحكومة - ومن خلال التمويل وتوفير التنسيق وإدراج الموضوع على جدول الأعمال - ساعد عدداً من المناطق إما في البدء بمشاريع جديدة أو بمواصلة تطوير التدابير القائمة.

"بالمقارنة مع الوضع قبل البرنامج الحكومي، حيث لم يكن هناك سوى القليل من المنظمات غير الحكومية التي تعالج هذه القضية، ولم تتوفر سوى مناطق قليلة على هياكل للتعامل معها، تم تحقيق خطوة كبيرة إلى الأمام".

علاوة على ذلك، إتسمت المناقشات الدائرة حول مسألة الزواج القسري بموضوعية جديدة، نابعة ضمن أمور أخرى من تراجع التحامل والنمطية، كما أضاف ريدَر.

تعريفات

يمكن أن يعني الزواج القسري إكراه الشخص على زيجة تتم بغير رضاه أو إرغامه على الإستمرار بعلاقة زوجية لم يكن راغباً بها.

يتعامل المركز السويسري المتخصص في مكافحة الزواج القسري مع النساء والرجال الذين يواجهون هذه الحالات، ومع الأشخاص المُقَرَّبين منهم والمهنيين المُختصين بهذا المجال أيضاً، وهو يمدهم بخدمات المشورة مجاناً. ويمكن الإتصال بالمركز من خلال خط المساعدة الهاتفي +41 (0) 21 540 00 00 أو عبر عنوان البريد إلكتروني info@zwangsheirat.ch

ومن حيث دول المنشأ [لضحايا الزواج القسري]، توصل تقرير حكومي عام 2012 إلى أن المجموعات الرئيسية تنحدر من منطقة البلقان وتركيا وسريلانكا، وهو ما ينعكس في التجربة الخاصة للمركز، على الرغم من إشارة تقاريره إلى وجود مجموعة أكثر تنوعا من الدول والأعراق، مثل اليزيديين والغجر، بالإضافة إلى دول الهجرة الجديدة.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×