Your browser is out of date. It has known security flaws and may not display all features of this websites. Learn how to update your browser[إغلاق]

قس سويسري اختار الذهاب إلى العراق


"لا يُوجد دين يدعو إلى العنف بل هناك من يستغل الدين للدعوة إلى العنف"


بقلم مي المهدي


في الوقت الذي يشهد العراق حركة نزوح واسعة بسبب الحرب الدائرة وتردي الأوضاع الأمنية في العديد من مناطقه، قرر القس السويسري أندرياس غورليش التوجه إلى هناك لتقديم المساعدة للنازحين ودعم الحوار والمصالحة، متحملا بذلك مجازفة فقدان وظيفته في سويسرا والمخاطرة بحياته في العراق.

بالإضافة إلى عمله في مجال الإغاثة، يرعى القس السويسري أندرياس غورليش (على أقصى اليمين) حوارا دينيا بين مسلمين وإيزيديين في العراق. (alkhaima)

بالإضافة إلى عمله في مجال الإغاثة، يرعى القس السويسري أندرياس غورليش (على أقصى اليمين) حوارا دينيا بين مسلمين وإيزيديين في العراق.

(alkhaima)

في حوار خاص أجرته معه swissinfo.ch يوم 2 نوفمبر 2016، يصف القس السويسري الوضع الإنساني للنازحين وأسباب أزمات العراق المتلاحقة ويؤكد على حتمية الحل الذي لا يملكه إلا العراقيون أنفسهم.

swissinfo.ch: كيف هي الأوضاع الإنسانية الآن مع استمرار عملية الموصل؟

أندرياس غورليش: الهدوء والتوتر يخيمان على مدينة دهوك، فالمدينة تبعد 30 كيلو مترا عن خطوط القتال والدبابات منتشرة في المدينة وعملية الموصل هي حديث الناس الحادث، لكن على الرغم من ذلك فإن الوضع هنا لا يدعو إلى القلق على الإطلاق.

دمشق وبغداد ..واحتان للتعايش المشترك

زار القس اندرياس غورليش دمشق عام 2010 وكتب عن التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحين في سوريا والعراق وبعد اندلاع الصراع هناك ساهم في تدشين مشروع "خيمة" الخيري لتخفيف معاناة العراقيين.

تعتمد منظمة "خيمة" على التبرعات الفردية وتقدم المساعدات في حوالي 11 مخيما للنازحين في العراق، الذي يحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد كولومبيا وسوريا من حيث عدد النازحين البالغ عددهم الآن أكثر من 4.4  مليون عراقي، حسب تقرير للأمم المتحدة.

تعد أعمال العنف والإرهاب والتهجير القسري الأسباب الرئيسية للنزوح في العراق. 

swissinfo.ch: وهل ارتفع عدد النازحين مع بدء العمليات العسكرية ؟

أندرياس غورليش: زاد عدد النازحين ولكن بشكل طفيف لأن سكان الموصل محاطون بالقوات العراقية والشيعية والكردية من ثلاث جهات ونهر تكريت يقطع أوصال المدينة وهناك مخاوف من تفجير الجسور أثناء عبورها، مما يعيق الجيش العراقي من الدخول والسكان من الهروب.

swissinfo.ch:وهل يعني هذا أن الجيش العراقي حرص على تأمين منفذ آمن لخروج المدنيين؟

أندرياس غورليش: هذا ما قررته واشنطن ولكن هذا القرار لا يلقى قبولا من الجميع هنا، فالجهة الغربية تُركت مفتوحة للسماح لتنظيم الدولة الإسلامية بالإنسحاب إلى سوريا وتحديدا الرقة، لكن هذه الإستراتيجية لن تحل المشكلة بالتأكيد بل ستنقلها إلى مكان آخر.

swissinfo.ch: بالنسبة للنازحين الذين استطاعوا الوصول إلى إقليم كردستان، كيف هو واقعهم في المخيمات؟

أندرياس غورليش: من يتمكن من الوصول إلى هنا يكون في حالة إعياء شديدة بسبب مشاق الطريق والصدمات النفسية التي عايشوها. البعض منهم شاهد بعينيه كيف يقتل أقربائه. أمس قتل 140 شخصا لأنهم رفضوا أن يستخدمهم تنظيم الدولة كدروع بشرية. في المقابل، هناك لحظات تغمر فيها السعادة ساكني المخيمات هنا عندما يقابلون أقربائهم الذين استطاعوا الهرب قبل عامين مع سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل. هنا المشاعر تتأرجح ما بين الحزن الصادم والفرح.

swissinfo.ch: ما مدى صحة التقارير التي تتحدث عن استخدام تنظيم الدولة المدنيين في الموصل كدروع بشرية؟

أندرياس غورليش: ليس فقط في الموصل، بل حتى القرى المسيحية المجاورة التي كانت في قبضة تنظيم الدولة وتم تحريرها تتعرض لمداهمات من مقاتلي التنظيم الدولة بهدف أسر عدد من السكان واستخدامهم كدروع بشرية ومن يرفض الذهاب معهم يتم قتله في الحال.

swissinfo.ch: في ظل هذه الأوضاع الإنسانية المتردية، كيف تقيّم حجم المساعدات الإنسانية المقدمة من الغرب؟

أندرياس غورليش: يوجد في العراق حوالي ثلاث منظمات إغاثة سويسرية وسويسرا تعمل بشكل مكثف في سوريا وبشكل متواضع جدا في العراق. ورغم أن سويسرا لديها مخاوف من قدوم المزيد من اللاجئين إليها، إلا أنها لا تقدم المساعدات الكافية لمساعدة النازحين على البقاء وإتاحة فرص للعيش هنا. لذا لا بد من توثيق حجم مأساة النازحين ونشر صور المعاناة المؤثرة حتى يتحرك العالم ويقدم المساعدات.

swissinfo.ch: عموما، كيف يتعامل العراقيون معك كقس؟

أندرياس غورليش: بكل احترام، ربما أيضا لأنني أقدم لهم المساعدة وأمول مشروعات وأجلب الأدوية والأغطية في الوقت الذي لم تقدم فيه السعودية وقطر المساعدات المرجوة وهما الدولتان الشقيقتان. وربما أتمتع بوضع خاص كقس أجنبي، حيث ألاحظ أن وضع القساوسة العراقيين مختلف وأصعب. قد يكون للصراع الدائر الآن دورٌ في ذلك.

swissinfo.ch: لا يقتصر عملك على مساعدة النازحين فقط بل تنظم أيضا جلسات حوار بين أبناء الطوائف المختلفة. هل يُمكن فعلا تحقيق الوحدة الوطنية في العراق عبر مثل هذه اللقاءات؟

أندرياس غورليش: أنا مقتنع تماما بإمكانية ذلك، فالعراقيون عاشوا أكثر من ألف عام سويا في سلام وحوار الأديان ليس بدعة جديدة بالنسبة للعراقيين ولا سيما في هذا الوقت العصيب الذي تمر به البلاد تصبح الحاجة أكبر للحوار كواحد من الحلول المطروحة لإنهاء أزمة العراق. الناس هنا منفتحة على الحوار ويقولون إنهم عاشوا سويا في سلام في عهد صدام حسين، فلماذا لا يمكنهم ذلك الآن. العراقيون يدركون أهمية الوحدة الوطنية للوقوف في وجه تنظيم الدولة ولذا فمن الضروري تعزيز الثقة لدى لعراقيين وأن يدرك أبناء الطوائف الآخرى أن تنظيم الدولة ليس الإسلام بل هو مجموعة من الشباب ضلت طريقها وأن الإسلام دين تسامح وتعايش.

الكنيسة غير راضية عن قرار القس

أعلنت إدارة الكنيسة عن استيائها من قرار القس الذهاب بنفسه إلى العراق وترك مهامه في مدينة بفونغن Pfungen، ولذا فمن غير الواضح بعد إذا ما كان سيُسمح له بالعودة لممارسة مهامه في الكنيسة بعد إنهاء عمله في العراق. وقالت إدارة الكنيسة "إنها كانت تتمنى أن يُبدي القس نفس الحماس اتجاه الكنيسة، كما يفعل في العراق".

في رد على هذه التصريحات، قال القس اندرياس غورليش: "لا يمكنني أن أعظ الآخرين بحبّ الآخر وقيم الإنسانية دون أن أقوم بذلك بنفسي، لذلك قررت الذهاب للمساعدة في العراق رغم كل المخاطر المرتبطة بهذا القرار". 

من المنتظر أن تقرر لجنة القساوسة فرص عودته لأداء وظيفته كقس بعد انتهاء مهمته في العراق، الذي ينوي البقاء فيه عامين.

swissinfo.ch: ولكن أليس حوار الأديان تحصيل حاصل لأن من يشارك فيه هم عادة أشخاص منفتحون على الحوار أم أنكم تستطيعون الوصول إلى فئات أخرى؟

أندرياس غورليش: ربما يشارك في البداية أشخاص يؤمنون بالحوار، لكن يجب ألا ننسى أن العراق ولا سيما الشمال مجتمع قبلي وعندما يأتي زعيم القبيلة للمشاركة في الحوار فإنه قد يستطيع اقناع المترددين ونحن نسعى إلى توسيع دائرة الحوار ودمج أكبر عدد ممكن فيه.

swissinfo.ch: هناك من يرى أن العراق ليس بحاجة إلى تعزيز دور زعماء الطوائف بل إلى تهميشهم، ما هو تعليقك؟

أندرياس غورليش: العراق هو مهد الأديان والجنة تقع بين نهري دجلة والفرات وهذا العبق الخاص بالعراق سيشعر به كل زائر لهذا البلد. منذ الأزل وهناك أشخاص يستغلون الدين لتحقيق مآرب ومصالح خاصة وهذه الظاهرة ستبقى وحسب قناعتي فلا يوجد دين يدعو إلى العنف بل هناك من يستغل الدين للدعوة إلى العنف والوصول إلى السلطة.

swissinfo.ch: يُوجد تشابه بين العراق وسويسرا من حيث تنوع النسيج المجتمعي، لكن السويسريين استطاعوا الوصول إلى صيغة للتعايش السلمي، هل يمكن أن ينجح العراقيون أيضا في ذلك؟

أندرياس غورليش: لا أريد أن أدعي الحكمة، لكن السويسريين معروفون بالدبلوماسية والقدرة على التفاوض، حتى وإن لم يصلوا إلى حل. هذه القدرة على أخذ خطوات حثيثة وطول النفس حتى الوصول إلى صيغة ترضي الجميع هي مصدر قوة السويسريين. العراقيون استطاعوا أيضا التعايش سويا خلال القرون الماضية ولو أعادوا اكتشاف هذه الميزة رغم الحروب الدائرة فسينجحون في بناء دولتهم.

swissinfo.ch: هل تعتقد فعلا أن العراقيين سينجحون في الحفاظ على دولتهم موحدة؟

أندرياس غورليش: مستقبل العراق سيحدده الأقوى وأتمنى أن يكون العراقيون بمختلف أطيافهم هم الأقوى، أما في اللحظة الراهنة فصراع المصالح محتدم بين روسيا والصين وإيران والولايات المتحدة وأيضا الإتحاد الأوروبي ولا نستطيع الآن الحديث عن عراق واحد بل عن مجموعات وقوى تتصارع على بسط النفوذ وفرض الهيمنة. لذا فإن مستقبل العراق سيكون أفضل إذا استطاع العراقيون الإمساك بزمام الأمور وحل مشاكلهم بأنفسهم.

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك





وصلات

×