Navigation

Skiplink navigation

أبيض أو أسود؟

الاستاذ مختار الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان swissinfo.ch

" أبيض أو أسود " هو عنوان شريط سينمائي يمكن أن ينطبق على الحالة التونسية كما بدت للمراقبين خلال الأيام الأخيرة التي شهدت سلسلة من الأحداث و التطورات السريعة والمفاجأة والمتباينة .

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 يونيو 2001 - 20:51 يوليو,

بدأ الأسبوع بمؤتمر المحامين الذي شغل النخبة وطغى على اهتمامات الصحف اللاهثة وراء أي حدث يمكن أن يثير اهتمام القراء ولا يمنعه الرقيب. ومما أضفى على هذا المؤتمر طعما خاصا هو ذلك الانتصار المدوي الذي حققه الأستاذ بشير الصيد، رغم كل الخطط والمحاولات التي نفذت من أجل الحيلولة دون ظفره بالعمادة. فإنتماءه القومي، ومعارضته للسلطة، وقضاءه لأكثر من سنتين في السجن خلال مطلع التسعينات، كل تلك العوامل جعلت منه منافسا غير مرغوب فيه. مع ذلك اختاره المحامون عميدا لهم، مما زاد في تعميق الشرخ بين السلطة وعديد منظمات المجتمع المدني. وكان في مقدمة المهنين للعميد الجديد جمعية القضاة الشبان.

مع أهمية ذلك الحدث ودلالته إلا أنه لا يرتقي لمستوى القضية الأساسية التي شكلت محور الحراك الديمقراطي في تونس طيلة ثماني شهور متتالية. فبعد طول انتظار وتأويلات مال أصحابها إلى أسوء الاحتمالات، قضت محكمة الاستئناف بتجديد بطلان المؤتمر الأخير لرابطة حقوق الإنسان والطعن في شرعية الهيئة المديرة التي انبثقت عنه مع مطالبتها بتجديد عقده في أجل لا يتجاوز السنة، وإلغاء مهمة الحارس القضائي. جاء هذا الحكم ليثير استغراب الأوساط القانونية والحقوقية، ويثير نقاشات واسعة في صفوف النخبة. أما قيادة الرابطة فقد انتقدت البناء السياسي والقانوني للحكم وقررت اللجوء إلى محكمة التعقيب، معتبرة أن قضية الرابطة وفق منطوق هذا الحكم ما تزال قائمة شكلا ومضمونا، لكنها في المقابل عبرت عن ارتياحها لما سيترتب عن ذلك من استعادة مقرها المركزي ووثائقها بعد إلغاء مهمة الحارس القضائي.

الصدمة

إذا كانت السلطة تعتقد بأن ملف الرابطة قد أغلق، وأن الأوساط القريبة منها رأت في ذلك مؤشرا على امتصاص حالة الاحتقان السياسي التي ولدتها هذه الأزمة، فإن النخبة التي جاء موقفها مزيجا بين الاستغراب والارتياح النسبي، صدمت بقرارين آخرين يتعارضان مع المؤشرات الإيجابية التي سجلت خلال الأسابيع القليلة الماضية. تمثل القرار الأول في تراجع السلطة عن السراح الشرطي الذي سبق أن تمتع به السيد محمد مواعدة المتمسك بصفته الرئيس الشرعي لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، فتم بموجب ذلك إيداعه من جديد السجن مساء يوم الثلاثاء 19 يونيو – حزيران ليقضي التسع سنوات المتبقية من العقوبة. لقد فاجأ هذا القرار السياسي الجميع من حيث توقيته ودلالاته. وتساءلت الأوساط عن الأسباب الحقيقية الطارئة التي جعلت السلطة تقرر الآن استهداف مواعدة. هل يعود ذلك إلى مقاله الأخير الذي نشرته صحيفة المستقلة وجدد فيه مطالبته الرئيس بن علي باحترام الدستور فيما يتعلق بالترشح لولاية رابعة؟. أم أن القرار جاء كرد فعل على موصلة مواعدة اتصالاته بقيادة حركة النهضة؟. لكن مع أهمية هذين الدافعين إلا أنهما ليس بالجديدين وغير كافيين لتفسير هذا التحول المفاجئ في موقف السلطة من هذا السياسي المثير للجدل والذي قارب السبعين عاما من العمر وتمر زوجته بظروف صحية قاسية جدا.
أما القرار الثاني المفاجئ فيخص دعوة د. منصف المرزوقي إلى المثول أمام القضاء في جلسة استئناف طارئة صباح السبت. والمعلوم أن المحكمة الابتدائية أصدرت يوم 30 ديسمبر الماضي حكما بسنة سجنا على المرزوقي، واضطرت النيابة العمومية لاستئناف الحكم بعد رفض المعني بالأمر القيام بذلك. وقد ربطت الأوساط القريبة من المرزوقي بين هذه الإحالة الفجائية وبين تصريحاته الأخيرة في قناة المستقلة، خاصة قوله بأن نظام الحكم في تونس " لا يصلح ولا يصلح ( بضم الياء ) ".

رسم الخطوط الحمراء

أثار هذان القراران مخاوف النخبة من احتمال حدوث تصلب جديد في سياسة الحكم تجاه النشطاء والمعارضين، على إثر ارتفاع وتيرة النبرة الاحتجاجية التي بلغت حدا " تجاوز " فيما يبدو قدرة السلطة على التحمل. وتجلى ذلك بوضوح في دعوة صحيفة الشروق وغيرها إلى عدم التساهل مع الذين " يروجون الأكاذيب ويسلبون الأعراض " في إشارة واضحة لسلسلة الحوارات التي بثتها قناة المستقلة. ومما زاد في تغذية هذه المخاوف انتشار أخبار غير مؤكدة حول احتمال إيقاف أو تضييق الخناق على عديد النشطاء والمعارضين.

هل قررت السلطة العودة إلى أسلوب تشديد القبضة ؟ أم أنها ستكتفي بتوجيه رسالة "لإثبات الحزم" وإشعار الجميع بعدم الاقتراب مما تعتبره " خطوطا حمراء " ؟. وإذ تصعب الإجابة على مثل هذه الأسئلة إلا أن المنطق السياسي يجعل أنه من المستبعد القفز على واقع سياسي جديد أفرزته التطورات الأخيرة للحركة الديمقراطية. وكان آخر التعبيرات عن ذلك جلسة افتتاح مؤتمر " التجمع الاشتراكي التقدمي " مساء يوم الجمعة. كانت تلك الجلسة حدثا " مشهودا " لم تشهده الساحة السياسية والحزبية التونسية منذ سنة 1989، من حيث حضور جميع فعاليات الحركة الديمقراطية في قاعة بورصة الشغل التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، أو من حيث الخطاب السياسي الهام والجريء للأمين العام للحزب الأستاذ نجيب الشابي، الذي قوطع أكثر من مرة بتصفيق حاد ونداءات مطالبة بالإصلاحات السياسية، وإطلاق سراح محمد مواعدة، ووضع حد لملاحقة حمة الهمامي الذي يعيش في السرية منذ سنوات، وإصدار عفو تشريعي عام.

صلاح الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة